العراق الجديد يولد من "ساحة التحرير"؟

ترجمة 
/ د. فنار حداد /

يعد "المطعم التركي" في بغداد – المبنى المكون من 14 طابقًا والذي يقع بجوار مركز حركة الاحتجاج في العراق – ميدان التحرير – منظرًا رائعًا. احتل المتظاهرون المبنى في منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر وتحول منذ ذلك الحين إلى رمز لحركة الاحتجاج العراقية غير المسبوقة.

إنه رمز من الشعارات القومية والأعلام العراقية ، ومن المؤكد أنه رمز ضوئي يسهل التعرف عليه: في نماذج مصغرة من ميدان التحرير تميز المطاعم التركية بالمواقع التذكارية للسقوط ، وتتكرر واجهة المبنى في شكل أعمال فنية وسلاسل المفاتيح وغيرها من الحلي و العناصر الزخرفية.

البناية أصبحت مغطاة بالشعارات الوطنية والأعلام العراقية، ومشهداً يستحق التصوير ورمزا يسهل التعرف عليه: في ساحة التحرير أصبحت تستخدم نماذج مصغرة من المطعم التركي نصبا تذكارية لمن سقط من المتظاهرين، بالإضافة إلى أنه يتم رسم واجهة البناية على شكل علاقات مفاتيح وغير ذلك من الحلي والقطع الفنية التذكارية.

هل هي ثورة؟

هناك الكثير من النقاش حول وسائل التواصل الاجتماعي العراقية وبين المحتجين حول ما إذا كان ينبغي تسمية ما يحدث في العراق بالثورة أم لا.

كما هو متوقع، غالباً ما تعكس النقاشات الفجوة بين المتعاطفين مع الاحتجاجات الأكثر حماسة من ناحية، والأقل تحمسا، أو المعارضين من ناحية أخرى.

بعد زيارة ميدان التحرير عدة مرات خلال الأسبوعين الماضيين، هناك شيء واحد لا شك فيه: حتى لو فشلت الحركة الحالية في تحقيق ثورة سياسية، وحتى لو لم تكن ثورة، فهي بلا شك حركة ثورية حققت بالفعل ثورة ثقافية.

على عكس ميدان الخولاني المجاور وجسر السنك، حيث العنف أكثر شيوعًا والشعور المهيمن هو المواجهة، فإن الجو في ميدان التحرير هو "كرنفال". هناك انفجار ثقافي وسياسي وإبداع فكري.

التناقض صارخ بين الأجواء الاحتفالية والإيجابية وبين الظروف الدموية التي ولدتها.

وسط غابة من الخيام، يوجد كل شيء، من الهيب هوب إلى الشعر إلى تلاوة الحداد الشيعية، وتذكير لماذا خرج العراقيون إلى الشوارع وبأي ثمن، في شكل صور، جداريات، نصب تذكارية، اجتماعات للصلاة وغيرها من أشكال الاحتفال مكرسة للشباب الذين فقدوا حياتهم على مدى الشهرين الماضيين من التعبئة الجماهيرية. 

ازدهار التعابير المعروضة تتجاوز أهميتها القيمة الفنية الكبيرة لها، فهي أكثر من مجرد عرض ممتع أو خلفية مناسبة لأخذ صور السيلفي. النتاج الثقافي لساحة التحرير والجهد الشعبي لإبقاء الاعتصام على مدار الساحة، يعكس تضاريس ثقافة سياسية ناشئة بعيدة عن فترة "البعث" وعن السنوات الأولى بعد عام 2003".

بين أميركا وإيران

بالإضافة إلى القيادات المناهضين للنظام، لا يمكن اختزال الاحتجاجات إلى أي ميل أو أيديولوجية واحدة.

يمكن التأكيد على هذه النقطة، من خلال التحديق في لوحة جدارية تعلن "أمريكا تخرج من العراق" كاملة مع تصوير لخنجر أميركي ينزف من العراق، ومن خلال سماع تسجيل متكرر بصوت يردد فيه "العراق تحت الاحتلال الإيراني". يعكس ميدان التحرير شريحة من التوجهات السياسية والمعتقدات الدينية والطبقات والفئات العمرية.

غالبية الناس في ميدان التحرير هم من الشباب بشكل واضح، من الأحياء الفقيرة في بغداد مثل مدينة الصدر. ولكن هذا في حد ذاته يعكس التكوين الديموغرافي للعاصمة: أغلبية شابة وأغلبية فقيرة.

الخيام التي لا تعد ولا تحصى التي تنتشر في منطقة الاحتجاج، تعكس بالمثل تنوع المجتمع العراقي. في أي يوم من الأيام، يعد ميدان التحرير موطناً لكل شيء من النشاط المدني إلى الأحداث الموسيقية إلى المواكب القبلية إلى الطقوس الدينية. 

إن ثقافة التضامن والشمول والمساعدة الذاتية التي حافظت على ميدان التحرير، هي بحد ذاتها إنجاز كبير.

تم توظيف البنية التحتية للحشود، وتقديم الخدمات على مستوى القاعدة، والجمعيات الخيرية المرتبطة عادةً بالطقوس الشيعية حول عاشوراء والأربعين، في خدمة حركة مدنية تهدف إلى شغل الأماكن العامة إلى أجل غير مسمى بهدف فرض التغيير المنهجي.

هذا يتجاوز المشاركين الناشطين أو الموجودين فعليًا في ساحة التحرير.

تعبئة الشيعة

تم إنشاء صناديق للتبرعات في المتاجر في جميع أنحاء بغداد، ويوفر العراقيون من جميع مناحي الحياة ما في وسعهم للمتظاهرين – من البطانيات إلى الغذاء إلى المال. حتى بعض فئات رجال الأعمال الأثرياء استفادوا من أحكام التمويل ودعم البنية التحتية للاحتجاج في التحرير.

أصبح المستفيدون من الفساد وممارسو الفساد مستاؤون من التأثير المدمر للانتفاضة على مصالحهم وعلى الإدارة اليومية لأعمالهم.

جاءت الاحتجاجات المستمرة في وقت كان يُنظر فيه إلى السياسة العراقية على نطاق واسع على أنها تجاوزت منظور الهوية الطائفية والمنافسة الطائفية. هذا لا يعني أن الهوية الطائفية قد اختفت وأن ميدان التحرير ليس فيها نقص في الشعارات الشيعية: من صور آية الله العظمى علي السيستاني إلى مواكب الحداد إلى صور الأئمة الشيعة واللافتات التي تم إدانتها ذات مرة باعتبارها "لافتات طائفية مسيئة".

بالطبع، المهم في الأمر هو السياق المختلف إلى حد كبير. بينما كانت لافتة "يا حسين" أو صور الأئمة ذات يوم شكلاً من أشكال تأكيد الهوية في خضم الصراع المشحون بالطائفية، أصبحت اليوم عبارة عن تعويذات في سياق التضامن عبر الطائفة ضد نظام سياسي بغيض.

تعبّر تعبئة الشيعة اليوم عن التغييرات بين الأجيال وتحول الهوية السياسية الشيعية العراقية عبر ثلاث مراحل. في عام 2003، كانت هناك ضرورة ملحوظة لتحقيق الحلم القديم لعقود من "الحكم الشيعي". بدلاً من مخطط تفصيلي، لم يقدم هذا سوى القليل من الركائز المزدوجة المتمثلة في مركزية الطائفة السياسية الشيعية: الضحية والحق – التهميش السياسي لـ "الأغلبية" وحقهم في السلطة السياسية.

كيف تم ممارسة هذه السلطة، ومن قِبل مَن وبأي هدف؟ كانت تلك الأسئلة التي نادراً ما يتم طرحها ولم تتم الإجابة عنها مطلقًا. كان تحقيق الحلم هو كل ما يهم.

بمجرد تحقيق الحلم، كانت المرحلة الثانية هي الحاجة إلى الدفاع عن المكاسب التي تحققت بعد عام 2003. وفي أواخر عام 2014، تمكنت الجهات السياسية الشيعية المهيمنة من تخويف الشيعة بدرجة كافية مع شبح عودة البعثيين بخلفية العداء، وبمؤامرات داخلية وخارجية.

بقي هذا الحلم، رغم تحقيقه، هشًا، وظلت "العقدة البعثية" بمحطاتها المشهورة منذ نهاية "البعث" وحتى أوائل ما بعد عام 2003، يتردد صداها مع قطاعات مهمة من الرأي العام الشيعي.

لكن، بالذات منذ الحرب ضد تنظيم "داعش"، فإن مفهوم "الحكم الشيعي"، بعد أن انتقل من حلم يتحقق إلى مكسب يجب الدفاع عنه، أصبح واقعاً مضموناً لا يقدم أكثر من الهوية الطائفية المفرغة، فبالإضافة إلى البيئة الإقليمية والمحلية المتغيرة، وتغير موازين القوى بين اللاعبين الطائفيين، كانت هناك قضية أجيال مختلفة.

أهم الإنجازات

بالنسبة للجيل الشيعي، الذي يشكل غالبية المحتجين، فإن "حكم الشيعة" لا يشكل حلما يجب تحقيقه، ولا مكسبا يجب الدفاع عنه، بل هو واقع لم يعرفوا غيره.
على خلاف الأجيال الأكبر سنا، فإن هذا الجيل لا يحكم على آفاقه السياسية الاجتماعية مقارنة مع فترة حكم "البعث"، لكن من حيث الواقع الاقتصادي الاجتماعي المر الذي يواجه غالبية العراقيين اليوم.

بالإضافة إلى البعد الثقافي المذكور أعلاه، فإن الاحتجاجات حققت فعلا إنجازات سياسية مهمة، فتمكنت من الضغط على السلطات الدينية في النجف، والضغط على الحكومة لتستقيل، وأجبروا الطبقة السياسية على البدء في نقاش الإصلاحات الانتخابية.

وسواء علمت الطبقة السياسية أم لم تعلم، فإنهم حققوا ضغطا سياسيا غير مسبوق لمنع العودة إلى العمل كالمعتاد. ومع ذلك، فإن توقع التغيير الثوري لا يزال في غير محله. والحقيقة هي أن الوضع مستدام نسبيًا كما هي الحال.

وبقدرٍ ما لا يمكن إنكاره من الإعجاب بمواقع الاحتجاج، فإنها لم تحقق بعد قوة ضغط حرجة. فالأعداد في ساحة التحرير تزيد وتنقص، لكن كل ما يحدث في ميدان التحرير لم يؤثر بعد في الحياة اليومية في بقية بغداد.

المظاهرات لم تؤد بعد إلى شل الخدمات العامة أو بيروقراطية الحكومة، وعلى المستوى العالمي لا تزال الحكومة العراقية محتفظة بالدعم الإقليمي والدولي، ومحليا لم نر تصدعات في المؤسسة السياسية والأمنية بعد.

الأهم ربما أن الاحتجاجات لم تؤثر بعد على قطاع النفط العراقي الذي يشكل شريان الحياة للنظام كله، فما لم يكن هناك تغير كبير في مدى أو أثر الاحتجاجات -إضراب عام، وتصعيد سريع، وتعطيل لقطاع النفط- فإنه يمكن للوضع الحالي أن يستمر لفترة طويلة، وطبعا لا يمكن استبعاد أي تطور آخر، مثل تصعيد للعنف أو توسيع الاحتجاجات، خاصة إن استمرت القوى الموالية للحكومة باللجوء إلى العنف القاتل.

مجال للأمل

ومع ذلك، حتى مع بقاء الأمور في وضعها الحالي، لا يزال هناك مجال كبير للأمل. أحد الاحتمالات هو أن تتحول ساحة التحرير إلى موقع شبه دائم للاحتجاج والتعبير السياسي.

في مثل هذا السيناريو ستبقى ساحة التحرير ومواقع الاحتجاج الأخرى مصدر ضغط دائم على الحكومة، وهو ما سيجعلها في حالة تأهب دائم لمنع الاحتجاجات ومواكبة الرأي العام.

يمكن لهذا الصراع بين الشارع والطبقة السياسية أن يثمر على المدى البعيد تأثيراً أكبر للشارع على مقاليد السلطة القانونية والسياسية والاقتصادية. وحتى تحقق الاحتجاجات أقصى مكاسب سياسية، من الضروري أن تنتج كيانات سياسية وشخصيات تستطيع أن تذهب إلى أبعد من الضغط على الطبقة السياسية بمنافستها.

يُعدّ التفاوض بدلاً من الإصلاح هو المصدر المحتمل للتغيير في المستقبل. وإن تم إيجاد نظام جديد فغالباً ما يحتوي على عناصر من النظام القديم. إن تحديد عناصر النظام الحالي التي يمكن التعايش معها في عملية انتقالية افتراضية، يتطلب قيادة شعبية يمكنها نقل الحوار إلى أبعد من الرفض الشامل.

المستقبل السياسي

بعد 16 عامًا، أصبح النظام الحالي راسخًا بمصالح كبيرة – عراقية وغير عراقية. تتشابك هذه مع شرائح مهمة من المجتمع العراقي من خلال علاقات المحسوبية والاعتماد عليها. بكل بساطة، فإن الطبقات السياسية ومن يقف وراءها لن يسلموا ببساطة مقاليد السلطة ولن يحزموا حقائبهم ويتركوا العراق.

إن التحدي الذي لا يترك مجالًا إما للخروج الآمن أو الاستيعاب في نظام جديد يتم التفاوض عليه، سيؤدي إلى مزيد من المقاومة من النوع الذي شهدناه خلال الشهرين الماضيين.. أو أسوأ من ذلك.

وبنفس المنطق، لا يمكن لأي قدر من القوة إطفاء ما أشعلته مواقع الاحتجاج. وقد تم تشكيل الوعي السياسي الجديد والثقافة. يتعين على الطبقات السياسية والجهات الضامنة الدولية للنظام العراقي أن تدرك أنه يجب استيعاب هذا الواقع الجديد للمضي قدما.

في نهاية المطاف، سيتعين على العناد القائم على معادلة الربح الكامل أو الخسارة الكاملة، والذي يمثل العلاقة بين السلطة والشارع، أن يفسح المجال إما لحل وسط حذر أو إلى دوامة من العنف يمكن أن تخرج بسرعة كبيرة عن السيطرة.

الطريقة التي سيتحدد بها اتجاه العراق، في الغالب، سيقرره الطيف غير المترابط الذي يتكون من الطبقات السياسية العراقية وداعميها الأجانب. هذا الأمر، فضلاً عن سفك الدماء خلال الشهرين الماضيين، لا يترك مجالًا للتفاؤل على المدى القصير.

الناس الذين بنوا مشهد وروح ساحة التحرير ومواقع الاحتجاج الأخرى، بل والعراقيين عمومًا، يستحقون أفضل من هذا الوضع. 


الدكتور فنار حداد هو زميل باحث أقدم في "معهد الشرق الأوسط" في واشنطن وفي جامعة سنغافورة الوطنية.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.