"حروب" الغاز في شرق المتوسّط!

سايمون هندرسون (*)
خلال اجتماعٍ عُقِد في نيقوسيا في 19 أيلول/سبتمبر، اتّفق وزيرا الطاقة المصري والقبرصي على تشكيل لجنة خلال ثلاثين يوماً لوضع تفاصيل إنشاء خط أنابيب تحت البحر يربط حقل "أفروديت" البحري للغاز الطبيعي بمصنع إسالة مصري. وقال الوزير القبرصي جورج لاكوتريبيس في محاولةٍ واضحة لنيل دعم الاتحاد الأوروبي: "نحن نتحدّث بشكلٍ أساسي عن خط أنابيب أوروبي، يهدف إلى نقل الغاز الطبيعي القبرصي إلى مصر لإعادة تصديره إلى أوروبا على شكل غاز طبيعي مُسال". وفي الواقع، يمكن أن تحمل الناقلات هذه الصادرات من الغاز الطبيعي المُسال إلى أي مكان في العالَم.

ويشكّل هذا الاقتراح أكثر وسيلة منطقية من الناحية التجارية لاستغلال حقل "أفروديت"، الذي يمتد في المياه التي يزيد عمقها عن 6000 قدمٍ (حوالي 1828 متر) وعلى مسافة حوالي 100 ميلٍ (حوالي 160 كلم) من الساحل الجنوبي لقبرص. وتم اكتشاف هذا الغاز في عام 2011 من قبل شركة "نوبل إينرجي" الأميركية، التي وجدت أيضاً الحقول البحرية الإسرائيلية. ويبدو أن النية الواضحة هي ربطه عبر خط أنابيب مع الشبكة التي توفّر الخدمات لحقل "ظهر" البحري الضخم في مصر، الذي تم اكتشافه في عام 2015، وسبق أن باشر بإنتاج الغاز بكميات كبيرة.

وتُجري شركة "نوبل" أيضاً محادثات مع شركات مصرية من أجل نقل فائض الغاز من حقل "لڤياثان" البحري الإسرائيلي  بواسطة خط أنابيب عبر شمال سيناء. ثم يقوم المصريون بتحويله إلى غاز طبيعي مُسال وبيعه على نطاق دولي.

وتُعتبر القاهرة بالفعل لاعباً رئيسياً في ميدان الغاز في منطقة شرق البحر المتوسط بفضل احتياطياتها الكبيرة وقدرتها الإنتاجية. أما ورقتها الرابحة فهي مصنعان ساحليان للغاز الطبيعي المُسال، اللذان كانا عاطلَيْن إلى حد كبير في السنوات الأخيرة بسبب ارتفاع الطلب المحلي والفوضى السياسية. وتُعتبَر إمكانات إسرائيل في مجال الغاز أقل من إمكانات مصر، وكانت الجهود المبذولة لتطويرها محدودة – أو معرقلة كما يقول البعض – بسبب الأنظمة والمعارضة السياسية المحلية.

ويشكّل التحدي المالي التحدي الأوّل لاستغلال حقل "أفروديت"، حيث يتعيّن على شركة "نوبل" وشريكتيْها في المشروع، "رويال داتش شل" و"ديليك" الإسرائيلية، أن تجمع أوّلاً الأموال لتغطية تكاليف تطوير الحقل. وقد بدأت هذه الشركات مؤخّراً بإعادة التفاوض مع قبرص لجعل العقد أكثر ربحية بالنسبة لها. ويشكّل تأمين رابط إلى مصر عبر خط الأنابيب المخطط له تكلفة إضافيةً.

وقد يأتي التحدي السياسي الرئيسي من تركيا، التي تؤمن أن كافة مواطني الجزيرة يجب أن ينتفعوا من العائدات من مبيعات الغاز القبرصي، بمن فيهم المواطنون في ما يُدعى "جمهورية شمال قبرص التركية"، التي تأسست بعد التدخل العسكري التركي عام 1974. وعلى الرغم من قبول نيقوسيا لهذه الحجة، وجّه الرئيس رجب طيّب أردوغان تحذيراً مشؤوماً في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، عندما أعلن أنه سيتم نشر المزيد من القوات التركية هناك. وفي شباط/فبراير، منعت السفن الحربية التركية سفينة حفر متعاقدةً مع إيطاليا من العمل في المياه الجنوبية الشرقية التي تشكّل جزءاً من المنطقة الاقتصادية الخالصة للجزيرة.

وإذا تم التغلب على هذه العقبات، فإن الطريق المصري سيمكّن قبرص من التخلي عن خيارات أقل ملائمة، مثل بناء مصنع للغاز الطبيعي المسال الخاص بها بنفقات باهظة، أو تصدير الغاز عبر خط أنابيب إلى تركيا. بالإضافة إلى ذلك، في كانون الثاني/يناير الأخير، تم اكتشاف حقلٍ جديدٍ يُدعى "كاليبسو" غرب "أفروديت"، على الرغم من أنه يحتاج إلى المزيد من الحفر التقييمي قبل أن يتم التأكد من آفاقه التجارية. وتعهّدت كل من شركة "إيني" الإيطالية وشركة "إكسون موبيل" بحفر العديد من الآبار التنقيبية الأخرى قبل عام 2020.

وتعكس هذه التطورات الجهود الهادئة التي تبذلها واشنطن لتشجيع مبادرات الطاقة في شرق البحر المتوسط وربطها بين حلفائها الإقليميين. وتسعى قبرص إلى الحصول على دعم أوروبي أيضاً، وذلك باستخدام نفوذها كعضو في الاتحاد الأوروبي. وتشكّل تركيا بالضرورة جزءاً من هذه المناقشات، لكن يجب ردعها عن إفساد الأمور.

(*) سايمون هندرسون هو زميل "بيكر" ومدير برنامج الخليج وسياسة الطاقة في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.