سياسة ترامب الفلسطينية الفاشلة

داود كتّاب (*)

قررت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الشهر الماضي، قطع كافة المساعدات المالية لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، والتي تقدم خدمات إنسانية في مجال التعليم والصحة وغيرها للاجئين الفلسطينيين. وفي الأسبوع الماضي تم سحب 25 مليون دولار من مساعدات لستة مستشفيات في القدس الشرقية والتي تقدم خدمات صحية للفلسطينين، وهذا الأسبوع أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إغلاق مكاتب البعثة الفلسطينية في واشنطن.

الهدف من تلك القرارت هو إجبار القيادة الفلسطينية على التنازل عن مطالبتها بحق العودة لمن خسروا منازلهم وأراضيهم وتم تهجيرهم عام 1948.

هذا الهدف سيفشل. بعكس المتوقع، إن تلك القرارات ستقلل من إمكانية التوصل الى حل للصراع الاسرائيلي – الفلسطيني.

لقد حاول ترامب نفس الأسلوب سابقاً. ففي العام الماضي هددت إدارته، من خلال السفيرة للأمم المتحدة نيكي هيلي، أن تضع عقوبات مالية على كل الدول التي عارضت موقع أميركا من الاعتراف الرسمي أن القدس عاصمة اسرائيل. غالبية الدول الأعضاء  في الأمم المتحدة رفضت التهديد وانتقدت قرار الولايات المتحدة.

من قدم النصيحة باستخدام الابتزاز المالي لتهديد مباشر للفلسطيني، كان مخطأ. فلو كان للخبراء معرفة بعمق الاهتمام الفلسطيني بمخرجات الصراع، لعرف المفاوضون أنهم يسيرون في مسار مهتز إذا ما حاولوا أسلوب التغاضي عن حساسيات وأمنيات الشعوب.

طبعاً يمكن أن ينجح الضغط المالي في عالم الاقتصاد للوصول الى حل. ولكن في مجال الدبلوماسية الدولية، فإن المحاولات الرخيصة والخالية من المشاعر لفرض نتيجة معينة باستخدام التهديد المالي العلني، غالباً ما تجلب النتيجة العكسية، لأن التهديد العلني يجبر الطرف الآخر على التشدد في مواقفه.

ففي المجال الفلسطيني ليس الخلاف حول بيع وشراء عقارت، الأمر الذي قد يفرح أو يزعج المستثمر، بل إن ما في صلب المفاوضات هو الكرامة والهوية وحقوق الإنسان. فنتيجة المفاوضات قد تؤثر على حياة مجموعة كبيرة من الناس لسنوات وعقود.

من البديهي أن التهديد العلني يقيد قادة معتدلين مثل الرئيس الفلسطيني محمود عباس ويفرض عليه التشدد أمام شعبه. ففي السنوات الأخيرة رفض الرئيس عباس كل أنواع المقاومة المسلحة، وأظهر ليونة غير مسبوقة لفكرة دولة  فلسطينية منزوعة السلاح، وأعلن استعداده التعامل باعتدال مع أمور شديدة الحساسية مثل حق العودة.  ولكن أسلوب إدارة ترامب غير اللبق ستجعل التنازلات المتوقعة مستحيلة. فالرئيس عباس لا يمكنه الآن إقناع شعبه بقبول أي صفقة تتم في أجواء متحيزة وغير عادلة. بالنسبة للجمهور الفلسطيني، التنازل عن حق العودة في مثل هذه الأجواء المتحيزة، سيظهر وكأنه تنازل وخنوع.

الحقيقة أنه في هذه الأجواء، لن تجد مسؤولاً فلسطينياً يقبل بأي صفقة ـ حتى ولو بدت جيدة ـ إذا كانت نتيجة لعملية ابتزاز وخنوع للضغوط، فكم بالحري إذا شعر الفلسطينيون أن في الصفقة تنازل عن حقوقهم ومبادئهم. ففي اللحظة التي قامت أميركا بالتهديد العلني، أصبح الأمر بمثابة خسارة ذاتية للأميركيين.

لو نظرنا لأهم اتفاقين للسلام تمّا في الشرق الأوسط في العقود الأخيرة ـ اتفاقية كامب ديفيد عام 1978 بين مصر وإسرائيل، واتفاقيات أوسلو عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ـ فإن كليهما نجح بالتحديد لأن المفاوضات تمت وبشكل كبير خلف الأبواب. هذا الأمر حرر المفاوضين من تقلبات وحساسيات الرأي العام، واستطاعوا الوصول الى اتفاقيات وتنازلات متوازنة كان ممكن عند إنهائها الخروج أمام الشعب والدفاع عنها.

إنما أي إتفاق يتم التوصل إليه ولو خلف الأبواب يجب أن يكون عادلاً ومتوازياً. فالإدارة الأميركية الحالية لا تستطيع أن تفرض على الجانب الأضغف، وهو الفلسطيني، أن يقبل حلولاً غير عادلة تحت عنوان ضرورة قبول الواقع السياسي، لأن أي اتفاق مثل ذلك كفيل بأن يفشل لدى عرضه أمام الشعب. فإذا كانت بنود الاتفاق مُبالغ فيها لصالح طرف دون الآخر، فإن الصفقة ستنهار.

لمنع مثل هذا الانهيار، فإن المحادثات حول إيجاد حلول للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي يجب أن تتم بشكل أقل علنية، ولكن على أسس متفق عليها تكون بمثابة مرجعية للمفاوضات. وهنا لا بد من التذكير بأن القيادات الفلسطينية قد أظهرت في الماضي القريب، استعداداً لتنازلات معقولة في مواضيع حساسة مثل: القدس (وافقت ان تكون مدينة موحدة ومفتوحة)، واللاجئين (وافقت على عودة محدودة الى إسرائيل)، وحتى في موضوع تبادل الأراضي (قبلت بشرط المساواة في الكم والنوع).

ولكن هذه التنازلات كانت قد قدمت ضمن محاولات للتوصل الى اتفاق شامل يؤدي الى دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وعلى حدود 1967. هذه هي المرجعية والإطار الأساسي الذي يجب أن يشكل هدف المفاوضات. وفي حال الرغبة بالسير في هذا الطريق، فمن الضروري أن يتم إعادة بناء الثقة ليس فقط بين الاسرائيليين والفلسطينيين، بل مع أي طرف ثالث. فالولايات المتحدة لا يمكنها أن تلعب دور وسيط فعال إذا استمرت في مواقفها المنحازة بصورة عمياء لاسرائيل.

إن الشعب الفلسطيني شعب فخور، وقد قدم التضحيات الجسام في الصراع ضد محاولات التهجير والاحتلال والحصار. لن يقبل الفلسطينيون بالابتزاز السياسي وقبول محاولات أميركا وإسرائيل فرض حلول عليهم. وبالتالي، لن يتم التوصل إلى أي اتفاق سلام ما لم تتم المشاركة الفعالة في هذه الحقائق الأساسية.

(*) أستاذ الصحافة السابق في جامعة برينستون ومؤسس ومدير سابق لمعهد الإعلام الحديث في جامعة القدس في رام الله ، ناشط رائد لحرية الإعلام في الشرق الأوسط.

(**) عن "Project Syndicate Logo"

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.