بعد 30 سنة.. "حنظلة" لم يمت

 

كنتُ أحلمُ دائماً بأن أشتري للطفل "حنظلة" حذاءً رغم أنني لا أعرف "نمرة" قدمه التي هو نفسه لا يعرفها، لأنّه حافٍ منذ ولد. أخبرني بعدها، رافضاً أن يدير وجهه نحوي، أنّه لا يحتاج إلى حذاء، فهو يؤمن بالثّورة، والثّورة تولد من أجل الحفاة والجّياع والمظلومين، فكيف أريد أن أسجن قدميه الصّغيرتين في حذاء أسود؟ أقول "أسود"، لأنّ ناجي العلي لا يحب الألوان أبداً، وكيف يسكب الألوان على لوحاته بينما وطنه في حداد دائم.

إسمه "حنظلة"، إسم أبيه ليس ضرورياً، إسم أمّه "نكبة"، وأخته الصغيرة فاطمة، ولد يوم النّكسة في 5 حزيران 1967، ليس فلسطينياً، ليس لبنانيّاً ليس أردنياً… هو لا يحمل أيّ جنسيّة، ولا يريد أن يتجنّس، هو عربي فقط، عربيّ رافض للتسويات المهينة وللحلول المؤقّتة، ولذلك كتّف يديه لأنّه لا يريد المشاركة  بالتطويع والتطبيع الذي تلا حرب أكتوبر1973.

طفلٌ لا يكبر، ولد في العاشرة من عمره، وسيظل دائما في العاشرة لأنّه في تلك السن هُجّر من فلسطين. ومنذ ذلك اليوم توقّف به الزّمن، ولن يعود ليكبر إلّا إن عاد إلى وطنه، فالقوانين لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما فقدان الوطن استثناء.

ولكنني أظن اليوم أنّ حنظلة قد كَبُر، كبُر وهاهو يحمل سكينًا، ويطعن إسرائيل في أحشائها، فتنزف دماً أسوداً وسخاً قذِراً كريه الرائحة تخرج منه الدّيدان، وأرى أصدقاء حنظلة يغمّسون أقلامهم في دمائها السّوداء ثمّ يخربشون ويرسمون على وجوه الإسرائيليين المرتعبة خارطة فلسطين الكاملةً من جديد لأجل ناجي العلي.

كبُر الطّفل حنظلة، وهاهو يلبس حذاءً عسكريًا عليه بقايا دماء شهيد، ورثه عن أحد المجاهدين الفلسطينيّين، ولعلّ مقاس قدمه الذي عرفه مؤخراً هو أكبر من مقاسات رؤوس بعض الأعراب، وأكبر من كرامتهم الذليلة.. فأين أنت أستاذي ناجي؟ أين أنت لترى كيف أزهرت الخطوط السّوداء في لوحاتك وصارت وردًا أحمر؟

"وُلدتُ حيثُ وُلدَ المسيح بين طبريا والناصرة، في قرية الشجرة في الجليل الأعلى. أخرجونا من هناك وعمري 10 سنوات في العام 1948 إلى مخيّم عين الحلوة في لبنان، أذكر هذه السّنوات العشر أكثر مما أذكر بقيّة عمري. أعرف العشب والحجر، والظّل والنّور هناك، لاتزال صورُها ثابتةٌ في محجر العين كأنّها حُفِرت حفراً. أرسم، لا أكتب أحجِبة، لا أحرق البخّور، ولكنني فقط أرسم. كما أنني لستُ مهرّجاً ولستُ شاعر قبيلة. لستُ محايداً، أنا منحازٌ لمن هم تحت، لمن ينامون بين قبور الموتى، ولمن يمزّقون بأيديهم سلاسلهم، ولمن يقرأون كتاب الوطن في المخيّمات، أنا ناجي العلي، رسّام الكاريكاتير العربي من فلسطين".

 

رسّام الكاريكاتير اللاذع كان يعلم جيّداً أنّه سيُقتل، "من يكتب عن فلسطين أو يرسم عن فلسطين، عليه أن يعرف أنّه ميّت". فقد أغضب العلي إسرائيل وسخِر منها، ولم يرحم المساومين المتخاذلين من العرب أو أبناء شعبه الفلسطينيين، قال له ياسرعرفات باللهجة المصريّة يوماً: "إنت ليه بتشتم شعبك يا ناجي؟"  فأجابه باللهجة الفلسطينيّة: "أنا لا أشتم شعبي بل أمثّله وأنتقد الذين يعيشون على دمه".

تلقّى تهديدات كثيرة من أطراف عدّة بقطع أصابعه، وقطع رأسه.. إلى أن إغتيل فعلًا برصاصة في رأسه أطلقها الموساد الإسرائيلي.

قضى الرّسام طفولته في الخيمة "13" في مخيّم عين الحلوة، حيثُ كانت أوّل رسوماته على جدران المخيّم والتي جسّدت مآسي أهله. قال له أستاذه  في المدرسة الإبتدائيّة حين رأى شغفه بالرّسم: "أرسم يا ناجي، ولكن أرسم دائمًا عن الوطن".

في العام 1959 إلتحق ناجي بأكاديميّة "أليكسي بطرس للفنون" في بيروت، إلّا أنّه لم يكمل دراسته، وخلال شهرين إعتُقل ل 6 مرّات لأسباب سياسيّة تعود إلى إنتمائه إلى "حركة القوميين العرب"، إلى أن إكتشفه الكاتب والصّحافي غسّان كنفاني  خلال زيارته لشباب الحركة في المخيّم، وقدّمه لأوّل مرة في مجلّة الحرّية، حيث كانت المرة الأولى التي تنتقل رسوماته من الجدران إلى الأوراق.

في العام 1963 إلتحق بمجلة "الطليعة" التي تمثل التيار القومي العربي، وقال حينها "أحيانًا كنت أتمنى أن أكون من آلهة الهند القديمين فيكون لي 20 يد، وفي كل يد ريشة لأرسم".

بعد أن وقّع الرّئيس المصري أنور السّادات إتفاقيّة "كامب ديفيد" مع إسرائيل، وإلتزم ياسر عرفات الصّمت إزاءها، شنّ  العلي هجومه الكاسح على الجميع، ليبدأ الإشتباك بين الفنان المناضل والنّهج السّياسي العربي المتخاذل.

حين أصدرالأستاذ طلال سلمان جريدة "السّفير" اتّصل به، فرد ناجي بعفوية "والله كنت أنتظرها منك، يالله جاي يا خوي". يقول طلال سلمان إنّه كان يمزّق إفتتاحيّاته بعد أن يرى رسم ناجي العلي، لأنّ لوحته تختصر كلّ كلمات الإفتتاحيّة". ولعلّ ناجي العلي جعل القرّاء يبدأون بقراءة الجريدة من اليسار إلى اليمين لأنّ لوحته كانت في الصّفحة الأخيرة.

عاد ناجي بعد سنوات إلى "القبس" في الكويت حيث لامست ريشته رؤوس الجميع، فبدأت تنهال عليه التهديدات، ولكنّه لم يستجب، تحوّل إلى شخص غير مرغوب فيه بالكويت، فتمّ طرده إلى لندن عام  1985، ولكنّه ظلّ يرسم من دون أي خوف.

كان ناجي العلي على علم بأنّه سيُقتل، إذ كان يتلقى تهديدات كثيرة. قال لشقيقه قبل إستشهاده بأيّام "هذه المرّة سيقتلونني". وفعلاً اغتاله شاب فلسطيني في لندن عام 1987 يدعى إسماعيل حسين صوّان يعمل مع الموساد، ليُشطب إسمه عن لائحة رئيسة الوزراء غولدا مائير التي وضعت قائمة بالفلسطينين الذين يجب إغتيالهم  وكان على رأس قائمتها الكاتب غسّان كنفاني الذي إغتيل عام 1972 وسبق صديقه ناجي العلي.

أستاذي ناجي كنت تقول "أخاف أن تصبح الخيانة وجهة نظر". وقتلك فلسطيني خائن لا أعرف وجهة نظره!

أستاذي ناجي العلي.. الرّحمة لروحك الثائرة، والحياة لـ"حنظلة" الذي لم تقتلة رصاصة أُطلقت بكاتم صوت، ولم تتمكّن من إسكان صوته، فبقي يصدح من أجل الثورة. طفلك البالغ من العمر 10 سنوات مازال يهزّ عرش إسرائيل رغم إستشهادك منذ 30 عام.

فرح الحاج دياب
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.