تركيا تدفع ثمن قيامتها.. لا لـ"أرطغرل" جديد!

د. أيمن عمر (*)

منذ أكثر من 700 عام ، قام أرطغرل (تعني الطير الجارح البطل) وهو والد عثمان مؤسس الخلافة العثمانية بعدة غزوات وأحداث، وبتهيئة جيل: ربانيّ، صلب، قوي الشكيمة، يتمتع بصفات الرجولة، لا يحدّ طموحه حدود. فكانت ثمارها قيام الخلافة العثمانية – بقيادة  ابنه عثمان- التي دام عزّها ومجدها منذ عام 1290م حتى إسقاطها من قبل تحالف قوى الغرب الحاقد في العام 1924م. وعلى الرغم من المحاولات والخطط العميقة لـ"أتركة" (نسبة إلى أتاتورك) الشعب التركي وسلخه عن قيمه الإسلامية وتجذير العلمانية في ثقافته وقيمه، إلا أن هذه الشعب حافظ على هويته وثقافته التي حققت له المجد التاريخي.

إن ما يحدث اليوم من هجمة صهيو-عربي- أميركية شرسة على تركيا، في جانب كبير منها أنها أحدثت خرقاً في جانب الوعي العربي والإسلامي، وأعطت أملاً في قيامة إسلامية جديدة تقودها تركيا. نعم، بعد أكثر من قرن على الانحدار العربي في هاوية التخلف والانقسام وتبعثر الهوية والاقتتال الداخلي والخور الثقافي والوهن الأخلاقي والتخلف العلمي والتباطؤ التقني، أعطت تركيا مثالاً يحتذى به، فانجذبت إليها الشعوب العربية بكل جوارحها معلقة عليها الآمال في قيامة جديدة تعيد إليها أبسط مقومات الحياة الكريمة وكرامة مفقودة وحرية مقيّدة في قفص اتهام الأنظمة الحاكمة الجاثمة على صدور هذه الشعوب.

تتوق الشعوب العربية إلى تركيا بعد أن كفرت بدولها وأنظمتها الفاشلة حتى في إدارة شؤون الحياة، فكيف بقدرتها على استعادة المقدسات أو أبعد من ذلك في قيادة دفّة العالمية من جديد؟

نعم الأصل أن يقود هذه الأمة العرب والعروبة، فالقرآن عربي، ونبيّ الأمة عربي، ولكن شتّان مابين القرآن والنبيّ والواقع العربي.

مصر قلب العروبة والإسلام النابض تئنّ تحت وطأة الديون والفقر المدقع، حوالي 40% من الشعب المصري لا يستطيع الوفاء باحتياجاته الأسياسية من الغذاء وغير الغذاء. مصر المرتهنة بغذائها ولقمة عيشها للغرب وللولايات المتحدة الأميركية، بمساعدات تُقدر بحوالي 3 مليار دولار سنوياً، غُيبت عن الضمير العربي. ونام هذا القلب الميت في غيابة الجبّ على أمل أن يلتقطه بعض السيّارة ليقود عزيز مصر الأمل العربي من جديد.

العراق جناح العروبة الأيمن، مهد الحضارة والعلوم، غزاها الغرب إيماناً منهم بأن كسرها يعني قصّ أحد جناحيّ قيامة العرب والإسلام. فأمعنوا فيها خراباً ودماراً، وبذروا فيها بذار التفرقة والشرذمة، تارة تحت سياط المذهبية (سني – شيعي)، وطوراً تحت نيران القومية (عرب- أكراد)، ونهبوا منها مقدراتها الاقتصادية وثرواتها النفطية.. على أمل أن يقوم هارون الرشيد ويستصرخ"وامعتصماه".

أما سوريا، الجناح الأيسر للعروبة، سوريا الشام، سوريا المباركة بالحديث الشريف، سوريا فلسطين، سوريا العزّة، سوريا القضيّة.. فقد تكالبت عليها أمم الغرب والشرق والعُرب والعجم، فوقعت في حرب قذرة مدمرة أتت على الحجر والبشر. الشيطان الأكبر- إبليس بنفسه- أوعز ووسوس للقاصي والداني أن تفتيت سوريا وتقسيمها إلى دويلات يقضي نهائياً على نهضة حقيقية للعرب من دون الحاجة إلى سايكس- بيكو، لأن بها ومنها وفيها تبدأ القيامة وينتهي الانحطاط. سوريا ـ الأمة تمثل الانتماء الحقيقي للأمة الإسلامية والعربية، تحتاج إلى أكثر من300 مليار دولار لإعمار من جديد وعشرات السنين للنهوض من كبوتها.. وأنا على يقين أن بها ومنها وفيها تبدأ القيامة.

أما بلاد الحرمين الشريفين- فحدّث ولا حرج- وكفى…

أمام هذا الواقع العربي الأليم، لجأت الشعوب العربية إلى تركيا كملاذٍ من قبورها، وخروج من كهوفها. أنا لست هنا بصدد الدفاع عن شخص أو حزب بعينه إنما الحديث عن ثقافة ووعي وطموح، فقد استطاع الشعب التركي بوعيه وثقافته وعودته إلى أصوله أن يعيد تركيا إلى مصافّ العالمية، حيث  يأتي ترتيبها السابع عشر بين اقتصاديات الدول الكبرى.

وتعتبر تركيا قوة عسكرية على المستوى العالمي، وهي ثاني أكبر جيش في الناتو بعد الجيش الأميركي، وتحتل  المرتبة  15 عالمياً في الانفاق العسكري. وتحتل المرتبة الثامنة عالمياً. كل هذه المقومات الاقتصادية والعسكرية والثقافية والسياسية، تجعل من تركيا منطلقاً لاستنهاض الحالة الإسلامية بعمومها، من شرقها إلى غربها، وإلى قيامة حقيقية تشدّ إليها الشعوب العربية بالدرجة الأولى. وهذا ما يجعل تركيا في قلب الحدث ومحطّ الحقد الصهيو- أميركي لإسقاطها من جديد في مستنقع الفشل والانهيار.

(*) باحث اقتصادي وسياسي
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.