هل نجحت خطة تطويق إيران؟

عكست صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية وقائع المواجهة المتجدّدة بين الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل وبعض الدول العربية من جهة، وبين إيران من جهة أخرى، مشيرة إلى أن الصراع على النفوذ الإقليمي قد تجدد بشدة أكبر، لافتاً إلى أن طهران ما تزال تملك كثيراً من الأوراق.

وكتب المراسل العسكري للصحيفة عاموس هرئيل مقالاً بهذا المعنى على موقع الصحيفة باللغة الانكليزية، مقالاً جاء فيه:

إن سبب أغلبية التطورات الأخيرة في الشرق الأوسط ليس واضحاً تماماً، لكن الخيوط التي تربط بينها بدأت تتضح. خلال أسبوع حدثت غارة جوية غامضة ضد مقاتلين شيعة بالقرب من الحدود السورية- العراقية، وعزت هذا القصف مصادر في الإدارة الأميركية إلى إسرائيل. أيضاً بدأ هجوم سعودي مكثف في اليمن بدعم من الولايات المتحدة والدول الأوروبية، ضد معقل المتمردين الحوثيين الذين تدعمهم إيران.

في هذه الأثناء قام رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بزيارة مفاجئة للملك عبد الله في عمّان، بينما يستمر القطار الجوي الذي يحمل موفدين أميركيين وروس إلى دول المنطقة.

في الخلفية هناك المعركة التي يخوضها محور الولايات المتحدة الذي تشارك فيه من جهة، إسرائيل إلى حد ما، والسعودية ودول الخليج من جهة أُخرى، من أجل كبح النفوذ الإيراني في المنطقة. ويشكل هذا استمراراً مباشراً لقرار إدارة الرئيس الأميركي التخلي عن الاتفاق النووي المبرم بين الدول العظمى وطهران، الذي  يفاقم الأزمة الاقتصادية في إيران.

إن هذه التوجهات دراماتيكية، وفقط نسبة ضئيلة من الأحداث المرتبطة بها واضحة حتى الآن. ويجب علينا أيضاً أن نأخذ هذا في الحسبان لدى مناقشة أولويات إسرائيل في ضوء التعاطي الحكومي المتردد مع الحرائق التي تندلع في الحقول المتاخمة لغزة نتيجة الطائرات الورقية الحارقة التي تديرها "حماس".  وقد شهد مساء الثلاثاء تجدد التصعيد على الحدود، مع إطلاق 45 صاورخاً من غزة على إسرائيل رداً على الغارات الإسرائيلية ضد أهداف تابعة لـ"حماس".

لقد كان الهجوم الذي وقع في سورية يوم الأحد غير عادي من ناحية الموقع والحجم. فقد استهدف القصف موقعاً قريباً من مدينة البوكمال شرق سورية، بعيداً جداً عن مواقع الغارات السابقة المنسوبة إلى إسرائيل، والتي وقعت أغلبيتها في وسط سورية وجنوبها. في البداية اتهم النظام السوري الولايات المتحدة بالهجوم، وهذا ما كذبته الولايات المتحدة. لاحقاً نقلت محطة CNN أن إسرائيل هي وراء الهجوم الذي وقع على بعد 400 كيلومتر من حدودها.

عادة ترفض إسرائيل مناقشة مثل هذه الادعاءات. وقد تحدثت سورية عن مقتل عشرات من أفراد الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران. والهجوم على موقع يقع على هذه المسافة وضمن قدرات الطائرات الإسرائيلية والطائرات من دون طيار، يمكن أن يكون دليلاً على قرار عملاني عاجل (ضرب تهريب سلاح أو تعزيزات عسكرية)، أو مؤشراً استراتيجياً.

لقد حذّرت إسرائيل منذ أكثر من عام من بناء ممر إيراني بري يمر في العراق وسورية ويصل إلى حزب الله في لبنان. وقد صرح نتنياهو مؤخراً في جلسة الحكومة يوم الأحد أن القوات الإسرائيلية ستعمل على اقتلاع الوجود العسكري الإيراني أينما كان في سورية، حتى لو تطلب ذلك العمل في عمق سورية.

وقد جاء هذا القصف غير العادي على خلفية الجهود الروسية للتوصل إلى تسوية في جنوب سورية. والتقديرات المتفائلة في إسرائيل بشأن إمكان التوصل إلى اتفاق، بعد زيارة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان لنظيره الروسي سيرغي شويغو، لم يتم التأكد منها بعد.

الهدف هو إبقاء الحرس الثوري الإيراني والميليشيات الشيعية على بعد مسافة 60 كيلومتراً عن الحدود في هضبة الجولان (شرقي طريق دمشق- درعا السريع). يطالب نتنياهو بإجلاء شامل للإيرانيين، لكن حتى التوصل إلى اتفاق أكثر تواضعاً من وجهة النظر الإسرائيلية لم يتحقق بعد. ويمكن أن يفسَّر الهجوم المنسوب إلى إسرائيل في شرق سورية بأنه جهد إضافي من أجل التوصل إلى تسوية في الجنوب، أو عودة إلى استخدام القوة العسكرية على الرغم من الجهود الدبلوماسية الفاشلة.

في الوقت عينه تصاعدت الحركة الدبلوماسية في المنطقة. لائحة جزئية من الأسبوع الماضي شملت زيارة نتنياهو لعمّان، وزيارة مستشار الأمن القومي مئير بن- شابات لموسكو، ووصول قائد قوات حرس الحدود في روسيا إلى إسرائيل، وزيارة موفديْ الرئيس ترامب جاريد كوشنير وجايسون غرينبلات لعواصم المنطقة.

كوشنير وغرينبلات مهتمان أكثر بالإعداد لتقديم مبادرة الرئيس ترامب للسلام وحل النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي، لكنهما يحاولان في الوقت عينه تأمين دعم مالي من السعودية ودول الخليج من أجل مشاريع إعادة بناء قطاع غزة. دفع السعوديين إلى المشاركة في دعم المشاريع لغزة ليس منفصلاً عن سائر الأحداث في المنطقة. ومن المعقول الافتراض أن استعداد السعوديين لتقديم المساعدات إلى غزة مرتبط بمدى إصرار الإدارة الأميركية على تهميش الإيرانيين.

في هذه الأثناء يتحرك السعوديون بصورة مستقلة، وأحياناً يحققون بصورة غير مألوفة بعض النجاحات العسكرية. في الأسبوع الماضي بدأ هجوم شنته السعودية واتحاد الإمارات العربية على مرفأ مدينة الحديدة على الساحل الغربي لليمن.

تشمل المنطقة التي يسيطر عليها المتمردون الحوثيون العاصمة صنعاء وأقل من 20% من مساحة البلد. وتدخل أغلبية السلع إلى البلد من خلال الميناء الذي هوجم، وبينها الصواريخ التي يزود الإيرانيون بها الحوثيين الذين يطلقون صاروخ سكود على الرياض في كل أسبوع.

كما أن لمرفأ الحديدة أهمية بالنسبة إلى سائر الدول المجاورة للبحر الأحمر لأنه ليس بعيداً عن مضيق باب المندب الذي يشرف على الطريق البحرية من قناة السويس إلى جنوب آسيا. وقد شن السعوديون هجومهم بدعم عسكري محدود من الولايات المتحدة وبريطانيا.

عندما يتفحص الزعماء الإيرانيون الوضع في الشرق الأوسط يمكن الافتراض أنهم سيكونون أقل سروراً مما كانوا عليه قبل بضعة أشهر. منذ ذلك الحين انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، ومن المتوقع فرض عقوبات اقتصادية على الاقتصاد الإيراني. ( تقدَّر قيمة عقد الطائرات الملغى مع شركة بوينغ بحوالي 20 مليار دولار).

أيضاً، فاز الزعيم الشيعي العراقي المستقل مقتدى الصدر في الانتخابات العراقية وتحاول طهران حالياً التوصل إلى اتفاق معه. في هذه الأثناء أوقفت إسرائيل التمركز العسكري الإيراني في سورية، ويستمر الضغط على الإيرانيين في سورية واليمن.

هذا كله لا يعني أن طهران ستتنازل عن مخططاتها في الشرق الأوسط. وربما ما يزال الإيرانيون يملكون كثيراً من الأوراق. لكن الصراع على النفوذ الإقليمي قد تجدد بشدة أكبر، وهذه المرة يبدو أن واشنطن مستعدة لأن تكون فاعلة أكثر مما كانت عليه في السنوات الأخيرة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.