حرب اليمن عند نقطة تحوّل.. وليست عرضاً جانبياً

باربارا أ. ليف (*)

بعد ثلاث سنوات على الأزمة الدموية الطاحنة، من المحتمل أن تكون الحرب في اليمن مُقْدمةً على نقطة تحول. فالقوات الإماراتية واليمنية المشتركة تتقدّم صعوداً عند ساحل البحر الأحمر باتجاه مدينة الحديدة الساحلية على أمل توجيه الضربة القاضية. إن هدف الإمارات هو انتزاع المدينة من المتمردين الحوثيين، وبالتالي حرمانهم من الإيرادات الحيوية، وتوجيه ضربة معنوية لهم، والضغط عليهم للجلوس إلى طاولة المفاوضات.

ولكن حتى إذا سقطت الحديدة، فلا نهاية في الأفق لهذا الصراع الذي طغت على ذكراه السنوية الثالثة زيارة مبهرجة قام بها مؤخراً ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة. وكان هذا الشاب الملكي الطموح قد شنّ هذه الحرب مع الإمارات العربية المتحدة وعدة دول أخرى في آذار/مارس 2015 لإعادة الحكومة الشرعية إلى السلطة في اليمن. وسعت الرياض وأبو ظبي، بدعم عسكري أميركي محدود، إلى عرقلة جهود إيران الناشئة لتحويل الحوثيين إلى قوة تحارب بالوكالة عنها، واحتواء تنظيمَي «الدولة الإسلامية» و «القاعدة في شبه الجزيرة العربية».

وبينما لم تكن إدارة أوباما متحمسة قط للمغامرة السعودية -الإماراتية في اليمن، إلّا أنها أبدت اهتماماً متواصلاً في إنهاء الصراع من خلال العملية السياسية، وأتاحت قيادة أميركية مباشرة للجهود التي بُذلت في عامها الأخير. أما إدارة ترامب فقد تولّت الحكم معلنةً عن التزامها بإصلاح العلاقات المتدهورة مع دول الخليج [العربية] والتركيز على أنشطة إيران المخلّة بالاستقرار في جميع أنحاء المنطقة. ومن المفارقات، أن ذلك لم يُترجم إطلاقاً إلى تركيز رفيع المستوى على اليمن حيث تتضافر جميع هذه المسائل تضافراً وثيقاً. وفي الواقع، كان دعم الولايات المتحدة لحملة التحالف دعماً تلقائياً يفتقر إلى التفكير إلى حدٍّ كبير، في حين أن جلّ ما احتاج إليه شركاؤها الخليجيون على مدى الأشهر الثمانية عشر الماضية هو جهد دبلوماسي مستمر من أجل التوصل إلى تسوية تفاوضية موثوقة.

وعلى الرغم من طموحات التحالف المندفعة، إلّا أن جهوده العسكرية المتفرّعة – التي تشمل قوة برية بقيادة الإمارات، وحملة جوية بقيادة السعودية – لم تندمج قط. كما أن الديناميكيات السياسية الداخلية في اليمن قد أعاقت عمليات التحالف. وسرعان ما نما الحقد بين الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي ودولة الإمارات، حيث اتّهم هادي أبو ظبي باغتصاب الحكم في الجنوب، بينما عبّر المسؤولون الإماراتيون عن سخطهم بسبب الفساد الظاهر والقرارات غير المنسّقة لحكم هادي. وفي الوقت نفسه، فإن إنعدام الحاجة الملحة لدى الرياض لإنهاء الحرب كما يظهر (ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أكّد مراراً وتكراراً على فكرة "البقاء حتى الانتصار") يتناقض بشكل حاد مع إقرار الإمارات السابق بضرورة الانتقال إلى عملية سياسية، مما جعل الأمر أكثر إلحاحاً بسبب الخسائر غير المتكافئة التي تكبّدتها قوات الإمارات.

وقبل الحرب، كانت اليمن إحدى أوجه النجاح القليلة لـ "الربيع العربي". فعندما واجه رئيسها السابق الطاغية علي عبدالله صالح، الذي مكث في السلطة لفترة طويلة، اضطرابات سياسية حادة في عام 2011 ، عملت الضغوط الجماعية للولايات المتحدة ودول «مجلس التعاون الخليجي» والأمم المتحدة والدول الأوروبية الرئيسية على ضمان تنحي صالح بشكل سلمي ووضع البلاد على الطريق المؤدي إلى الديمقراطية. لكنّ صالح لم يتقبل أبداً إقالته من السلطة، وعاد إلى الواجهة في عام 2014 مع بلوغ العملية الانتقالية مرحلة حاسمة، وذلك من خلال إقامة شراكة مع الحوثيين وتمكينهم من تحقيق نجاح ملحوظ في إحباط كل من التحول السياسي في اليمن وحكومة هادي.

وقبل ستة أشهر، انهار ذلك التحالف، الذي أُقيم على أساس الصفقات، بشكل مذهل مع قيام الحوثيين بإعدام صالح وزمرة حزبه بدمٍ بارد بينما كان يتطلع إلى تغيير ولائه والانضمام إلى التحالف. وربما كانت هذه هي المرة الوحيدة في هذا الصراع التي وجد فيها الحوثيون أنفسهم – لفترة وجيزة – محط انتقادات غير معتادة من قبل الرأي العام، بما في ذلك في اليمن أيضاً. ولكنّ الحوثيين يستمرون في القتال بدعم إيراني مستتر، بينما استقرّ اللوم الدولي بثبات على التحالف الذي تقوده السعودية.

وطوال هذا الوقت، كان نفوذ إيران يتنامى في المنطقة ككل. وأدّى دعم روسيا لبشار الأسد إلى ضمان بقائه [في السلطة] في سوريا ومكّن المقاتلين الإيرانيين والشيعة الأجانب من الترسخ في البلاد. وفي الوقت نفسه، تم نشر [مقاتلي] «حزب الله» المدعوم من إيران في سوريا وفاز الحزب فوزاً كاسحاً في صناديق الاقتراع في لبنان. كما أن إيران تغرق بغداد بالأموال وتبسّط نفوذها لكي تضمن أن شركاءها هم الذين سيشكلون الحكومة المقبلة.

وفي المقابل، تشكّل واشنطن صورة أكثر تعقيداً للتحالف. فالخوض الفوضوي للحرب من قبل دول التحالف والمؤشرات المتزايدة على المجاعة والمرض بين السكانٍ الذين كانوا أصلاً على حافة الهاوية حتى قبل اندلاع النزاع، فضلاً عن غياب العملية السياسية لمدة 18 شهراً، أثارت ردود فعل سلبية لدى الكونغرس الأميركي. وقد فشلت جهود الحزبين في مجلس الشيوخ الأميركي للضغط على إدارة ترامب لتعليق الدعم العسكري للتحالف بفارق ضئيل، ومن المؤكد أن تتكرر هذه الجهود مجدداً.

ويبدو أن التزام الرئيس ترامب باحتواء الشراسة الإيرانية في المنطقة هو أيضاً موضع شك. فتأملاته الأخيرة حول إعادة القوات الأميركية إلى الولايات المتحدة و"ترك الآخرين يهتمون بـ [سوريا] الآن" قد أحبطت التوقعات المحمومة للسعودية والإمارات حول قدرة ترامب على البقاء (أو اهتمامه بالبقاء) في الشرق الأوسط. ومع ذلك، ففي أعقاب الخطوة التي اتخذها ترامب حول انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران، وضع وزير خارجيته مايك بومبيو 12 مطلباً مفصلاً يتعيّن على طهران تنفيذها، وتشمل سحب جميع القوات الخاضعة لقيادتها في سوريا، وإنهاء الدعم [الذي تقدمه] للجماعات "الإرهابية" في الشرق الأوسط، من بينها «حزب الله» و«حماس» و«حركة الجهاد الإسلامي»، واحترام سيادة الحكومة العراقية، والسماح بتجريد الميليشيات الشيعية من سلاحها وتسريحها وإعادة دمجها، وإنهاء الدعم الإيراني للحوثيين.

وقد تسبّبت قائمة بومبيو بحالة شديدة من الارتباك. والأسئلة التي تطرح نفسها هنا، ما الذي تريده إدارة ترامب؟ هل تريد تقليص وجودها جملة وتفصيلاً من مستنقعات الشرق الأوسط، أم أنها تريد وضع استراتيجية دبلوماسية وعسكرية لحث إيران على التراجع من المنطقة؟ إذا صحّ الخيار الأخير، فإنّ وضع نهاية للحرب في اليمن يجب أن يتصدر أولويات إدارة ترامب الإقليمية المتمركزة حول إيران.

وفي هذا الصدد، إن عامل الوقت ليس في صالح التحالف أو واشنطن. ففي أقل من عامين، أطقت طهران برنامج صغير ولكن جرئ لتدريب الحوثيين وتجهيزهم، وتم التعاقد جزئياً مع «حزب الله» لتنفيذه. وحيث نقلت إيران تكنولوجيا الصواريخ المتطورة إلى الحوثيين، فقد مكّنتهم من القيام بعمليات في عمق الأراضي السعودية وتهديد الشحن الدولي في باب المندب. وفي الواقع إن استثمارات إيران متواضعة، إلاّ أنّ عائداتها مذهلة.

وتجدر الإشارة إلى أنّ أي نجاح في إقصاء الدور الإيراني في اليمن سيتطلب حلاً سياسياً. ويسود الاعتقاد على نطاق واسع بضرورة وضع صيغة لتقاسم السلطة توفّر للحوثيين دوراً سياسياً – غير عسكري – في الحكومة، وإن كانت هذه الخطوة محفوفةً بالمخاطر. أما المسائل التي تنطوي على نفس القدر من التحدي فهي حمل الرئيس هادي على الانتقال خارج السلطة وإقناع الحوثيين بتسليم أسلحتهم الثقيلة. وسيتطلب نجاح هذه الخطوات مشاركة ثابتة ورفيعة المستوى بين واشنطن والرياض وأبو ظبي وهادي. وفي هذا الصدد، قال أحد الخبراء الأكثر تمرّساً في شؤون اليمن في الحكومة الأميركية: "هناك حل يمني، وكل يمني يعرفه – ولكن يتعين حثّهم على المضي قدماً به".

إذا أرادت إدارة ترامب إجراء اختبار مبكر لاستراتيجيتها تجاه إيران، فلا يوجد مكان أكثر إلحاحاً من اليمن للشروع بذلك. بيد، يتعين على الإدارة الأميركية الالتزام بالمشاركة الرفيعة المستوى والمركّزة مع شركائها والأمم المتحدة وحكومة هادي – وهو أمر ظل غائباً طيلة 18 شهراً.

(*) باربارا ليف هي زميلة زائرة متميزة في زمالة "روزنبلات" في معهد واشنطن، وعملت سابقاً سفيرة الولايات المتحدة في الإمارات ومديرة مكتب الشؤون الإيرانية في وزارة الخارجية الأميركية. 

(**) تم نشر هذه المقالة في الأصل على موقع "أتلنتيك".
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.