سقوط مشروع "داعش" وصعود مشروع كردستان

* نورما أبو زيد *

تراجع استفتاء كردستان العراق إلى صفحات الصحف الداخلية، ولكن تبعاته تقدّمت نحو الصفحات الأولى، وأبرزها إمكانية الانتقال إلى عسكرة المواجهة ما بين كردستان وبغداد.

كركوك هي "قدس" الأكراد، وعاصمة إقليمهم المستقل الأبدية، وهم على استعداد للانخراط في دورة دموية للحصول عليها. وفي مقابل "استشراس" الأكراد، يبدو أنّ بغداد تزحف برجليها نحو "الحلّ" العسكري، من خلال تدفّق الحشود العسكرية نحو كركوك، رغم إعلان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أنّه لا يعتزم الذهاب أبعد من التحرّك السياسي.

وسط هذه الغيوم الملبّدة في سماء العراق، لا بدّ من التساؤل لماذا تراجع مشروع "داعش"، فتقدّم مشروع كردستان؟ وهل من باب الالتقاء على غير ميعاد سقط مشروع تقسيمي في المنطقة وصعد مشروع آخر، أم أنّ صانعي الحروب يريدون لمشروع الفتنة أن يبقى متنقلاً في ساحات الإقليم؟

على الأقل هذه هي الصورة الأولى التي يخرج بها المراقب لمشروع الانفصال الذي يقوده رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، الذي يعرف قبل غيره أنّ وضع هذا "الحلم" على سكّة التنفيذ يعني اشتعال الحروب في أربع دول من دول الإقليم بحدّ أدنى. وهذا يعني عملياً، أنّه بعد نار الفتن التي أكلت أخضر ويابس سوريا واليمن وليبيا، وكادت تلتهم مصر وتونس، العراق وسوريا وإيران وتركيا قد يكونوا على موعد مع فتن مقبلة، وإذا استمرّ الدفع الدولي لتحقيق انفصال كردستان، لن يكون الإقليم على موعد مع حرب قومية فقط، إذ ستحمل الحرب الجديدة عناوين أربعة هي: النفط والماء والقومية وتآكل الحدود.

بدايةً، حلّ استفتاء الانفصال ناراً وغلياناً على قلوب بلدان الإقليم، لأنّ تجربة جنوب السودان ما زالت ماثلة في الأذهان، نظراً لارتداداتها السلبية المستمرة على محيطها، والآن كردستان وبغداد يلوحان بالحرب العسكرية، ولكن قد تسبق حرب المياه الحرب العسكرية بينهما.

منذ تموز الفائت، وكردستان تلجأ إلى التهديد بقطع المياه التي تصل من الإقليم إلى مناطق عراقية أخرى، وقد قلّصت كمية المياه التي تمدّ بها سائر المناطق العراقية إلى الثلث، والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا بعد في جعبة كردستان؟

بعد حرب المياه، قد تأتي حرب النفط. فبحسب تقديرات أوبك، هناك 45 مليار برميل من الاحتياطات النفطية في كردستان وكركوك، ثلثاها في كركوك، وهذا بحدّ ذاته سبب لاشتعال حرب النفط حول كركوك.

الحرب تزحف الآن نحو كركوك، وفي هذه الحرب حروب عدة: الأولى قومية، والثانية حرب نفط، والثالثة حرب ماء، والرابعة حرب تآكل الحدود، ولكن هذه الحرب لن تعيد رسم حدود العراق وكردستان فقط، وإنما ستعيد رسم كلّ خرائط دول الإقليم.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.