المخاطر المحتملة على القوات الأميركية في سوريا

جيمس جيفري (*)

 

أعلن الجيش الأميركي مؤخراً عن انتشار 2000 من عناصره في سوريا، يعملون بمعظمهم مع «قوات سوريا الديمقراطية»، وهي المجموعة الشاملة ذات الأغلبية الكردية التي حررت مساحةً كبيرة من المحافظات الشرقية للبلاد من قبضة تنظيم «الدولة الإسلامية». والآن، وبعد انتهاء العمليات العسكرية التقليدية ضد التنظيم بشكلٍ أساسي، وتنامي المخاوف الدولية من الهيمنة الإيرانية، يُولى المزيد من الاهتمام لمستقبل القوات الأميركية  المرسلة وما يقدر بحوالي 40 إلى 50 ألف مقاتل من «قوات سوريا الديمقراطية» المرتبطين بها. ويمكن للقوات الأميركية أن تؤدي دوراً مهماً في التوصل إلى حل سوري يحد من بسط النفوذ الإيراني المدعوم من السلطات الروسية ضد الدول العربية وإسرائيل وتركيا والمصالح الأميركية في المنطقة. إلا أن ذلك يتطلب من واشنطن أن تتعامل مع مختلف التحديات، بدءاً من صياغة مهمّة نشرالقوات الأميركية وإلى توضيح أساسها القانوني وتحديد خارطة جغرافية دبلوماسية من أجل استدامتها الفعلية.

ما هي المهمة؟

يتمثل الحل الأمثل بالنسبة للولايات المتحدة في الاستمرار في تبرير وجودها في سوريا (والعراق) من خلال التشديد على ضرورة منع عودة ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» – وهو هدف يتطلب أيضاً الحد من أعمال إيران العدائية في المنطقة، والتي تعزز بروز المشاكل مثل تنظيم «الدولة الإسلامية» في المقام الأول. ويعني ذلك إقناع كل من الكونغرس الأميركي والمجتمع الدولي بأن التهديد القائم كبير، فضلاً عن الحرص على المصالح التركية والعراقية بما فيه الكفاية لتجنب الاعتماد على أي منهما، مما يحول دون أي سحب مفاجئ لهذه القوات. فقد يشكل سحب القوات ضربة مريرة للجهود الأميركية ضد إيران، الأمر الذي يعزز فرص إسرائيل أو السعودية لمواجهة طهران ووكلائها بطرقهم التي لا يمكن السيطرة عليها.

وحتى الآن، وجّهت إدارة ترامب رسائل متضاربة حول سياستها تجاه إيران. ولم يكن العنصر الأكثر أهمية في بيان الرئيس الأميركي في 13 تشرين الأول/أكتوبر حول إيران القرار المعظّم بل الرمزي بشكل كبير بحجب التصديق على الاتفاق النووي، وإنما الإعلان بأن واشنطن ستركز عل احتواء "النشاط الإيراني المزعزع للاستقرار" في المنطقة. بيد أنه منذ ذلك الحين، لم يقدم البيت الأبيض التفاصيل الكافية حول "كيفية" تطبيق هذه السياسة.

وفي 11 تشرين الثاني/نوفمبر، وبعد مرور أشهر على انتهاء برنامج الدعم العسكري الأميركي للمتمردين السوريين، وقّع الرئيس ترامب بياناً مشتركاً مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين و بدا وكأنه استمرار لسياسة أوباما الفاشلة المبنية على تجنّب المواجهة مع روسيا لاحتواء الجهود الإيرانية في سوريا. وعلى الرغم من أن مصالح موسكو لا تتواءم مع مصالح طهران بشكل كامل، إلا أن كلتيهما تهدفان إلى تعطيل عملية جنيف تحت رعاية الأمم المتحدة والتي تهدف إلى إنهاء الحرب، وتقويض النظام الأمني الإقليمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

إلا أنه في 13 تشرين الثاني/نوفمبر، صرّح وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس للصحفيين أن القوات الأميركية في سوريا "لن تخرج ببساطة الآن قبل انطلاق عملية جنيف… وسوف نحرص على وضع الظروف الملائمة لحل دبلوماسي". ويقيناً أنه كان حريصاً أيضاً على التشديد على أن المهمة الأساسية [للوجود العسكري] هي الحؤول دون إعادة ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية»، وتبدو هذه المهمة المحدودة منطقيةً بالنظر إلى أن الخطوات الخاطئة للسياسة الأميركية على النطاق الأوسع ساهمت في المأساة السورية، وسهلت التوسع الإيراني، وسمحت لروسيا بدخول نطاق أمن الشرق الأوسط من جديد بثمن زهيد. وتشمل هذه الخطوات الخاطئة عدم اتخاذ إجراءات بشأن "الخط الأحمر" الذي فرضته الولايات المتحدة حول الأسلحة الكيميائية عام 2013، وعدم دعم القوات المتمردة المعتدلة نسبياً.

إلا أن المهمة لمكافحة تنظيم «الدولة الإسلامية» يمكن بل وينبغي أن يتم تفسيرها بشكل أوسع كانتداب لتقييد إيران ونظامها الوكيل في دمشق، حيث أن سلوكهما قد أدى بشكل كبير إلى ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» في عام 2013. وبينما تسعى روسيا إلى تقويض عملية جنيف بشكل كامل عبر تحركاتها العسكرية والدبلوماسية (مثل محادثات أستانا وسوتشي)، فإن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 يوضح أن مستقبل سوريا السياسي هو مصدر قلق أمني للمجتمع الدولي بأسره. فإجرامية أعمال نظام الأسد في الحرب – من الاستخدام المتكرر للبراميل المتفجرة والأسلحة الكيميائية وإلى التشرد الجماعي للسكان – يعزز دور الولايات المتحدة وحلفائها.

وعلاوةً على ذلك، ما زالت واشنطن وشركاءها يملكون أصولاً قوية في الساحة السورية، وعليهم استغلالها بشكل كامل. ومن الناحية العسكرية، تحتل الولايات المتحدة مركزاً قوياً في الشمال الشرقي عبر «قوات سوريا الديمقراطية»، بينما تتمتع تركيا بوجود عسكري في الشمال، وتعمل إسرائيل بشكل متكرر ضد أهداف إيرانية وأهداف لـ «حزب الله» داخل سوريا. ومن الناحية الاقتصادية، تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» على الكثير من حقول النفط في البلاد، ولا يمكن التفكير حتى في إعادة الإعمار على نطاق واسع بعد الحرب بدون مساعدة غربية كبرى، الأمر الذى تحجبه واشنطن بحكمة إلى أن يظهر تقدم في محادثات السلام.

المخاطر المحتملة

بالطبع، إن وجود أسباب وأصول كافية لا يعني أن المهمة ستكون سهلة. فإذا قررت واشنطن الحفاظ على وجودها العسكري في سوريا ، فسوف تواجه العديد من المخاطر.

أولاً، إن أي مسعى من هذا القبيل سوف يكون بالضرورة طويل الأمد، وفوضوياً، وغير مؤكد، ومن دون وضع نهائي واضح فيما يتخطى احتواء إيران. ومع اقتراب هزيمة تنظيم «الدولة الإسلامية»، رددت روسيا مطالبة الأسد بانسحاب الولايات المتحدة بشكل كامل، بينما شن وكلاء إيران هجمات طفيفة ومزعجة ضد القوات الأميركية وتلك المتحالفة معها. إن هذه المضاعفات متلازمة، ويمكن التسامح معها، في عملية محدودة الثمن و"طفيفة الأثر" كالوجود الأميركي في سوريا. وبالرغم من ذلك، وكما رأينا في بنغازي والنيجر، يمكن للغضب العام للكونغرس الأميركي والرأي العام أن يعلو جداً عندما ينحرف هذا النوع من العمليات عن مساره الصحيح، لذلك على البيت الأبيض أن يستعد لمواجهة العاصفة.

وثمة مشكلة ثانية هي مسألة السلطة القانونية. فنشر واشنطن لقواتها في سوريا ودعمها لـ «قوات سوريا الديمقراطية» يعتمد على عدة آليات وهي: "الإذن باستخدام القوة العسكرية ضد تنظيم «القاعدة» لعام 2001" (نظراً إلى أن تنظيم «الدولة الإسلامية» يعود في الأصل إلى تنظيم «القاعدة»)؛ وطلب العراق للمساعدة الأميركية بموجب "اتفاق الإطار الاستراتيجي"  الثنائي لعام 2008؛ وحق العراق في الدفاع عن نفسه وفقاً لـ "المادة 51" من ميثاق الأمم المتحدة؛ والسلطات المتعددة للبنتاغون في التدريب والتسليح فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب. وبناءً على ذلك، خطط وزير الدفاع الأميركي ماتيس لوجود عسكري مستمر من أجل هزيمة ما تبقى من تنظيم «الدولة الإسلامية»، وتعزيز القوات المحلية للتعامل مع معاودة ظهور التنظيم، وتسهيل عملية جنيف من أجل منع معاودة ظهور التنظيم. إلا أن الكونغرس الأميركي قد سبق وشكك في دور "الإذن باستخدام القوة العسكرية الصادر عام 2001" في إدامة "الحرب التي لا نهاية لها"، فقد يعترض على استخدام هذا الإذن لتبرير الوجود العسكري إلى أجل غير مسمى في سوريا أو لعمليات محددة تستهدف نظام الأسد وإيران (على سبيل المثال، الاشتباكات منخفضة الحدة التي وقعت في أيار/مايو وحزيران/يونيو).  أما على الصعيد الدولي، فيمكن للأسد أن يعزز مطالباته المتزايدة والصارمة بانسحاب القوات الأميركية من خلال عرض المسألة للنقاش في الأمم المتحدة.

ثالثاً، سوف تواجه أي وحدة عسكرية أميركية عدداً كبيراً من المخاطر اللوجيستية. ففي حين تمكنت القوات الأميركية من إقامة حفنة من الجيوب السورية الصغيرة المتاخمة للأردن، فإن الوجود الأميركي الرئيسي يقع في شمال شرق البلاد، حيث لا يمكن الوصول إليه إلا عبر العراق أو «حكومة إقليم كردستان» أو تركيا. وفي الوقت الحالي، لا يشكل الطيران لمسافة طويلة فوق الأراضي التي تقع تحت سيطرة نظام الأسد خياراً معقولاً لأنه ينطوي على تحد مباشر لكل من النظام والوكلاء الإيرانيين الحليفين له والدفاعات الجوية الروسية. وسيترتب عن عبور الأراضي الخاضعة للنظام مواجهة مشاكل مماثلة. إلا أن الطرق العراقية والتركية تفرض مشاكل خاصة بها. فالطريق الرئيسي الحالي الذي يمر بأراضي «حكومة إقليم كردستان» هو طريق مهزوز نظراً لمطالب بغداد بالسيطرة على المراكز الحدودية والمطارات والمجال الجوي الكردي أو مراقبتها عقب الاستفتاء الكارثي التي أجرته "حكومة إقليم كردستان" حول الاستقلال الكردي الذي أجري في أيلول/سبتمبر. وبشكل عام، إن رئيس الوزراء حيدر العبادي موالٍ للسياسات الأميركية، لكنه سيحتاج إلى مواصلة السير بحذر نظراً للنفوذ الإيراني الكبير في بغداد. ومن غير الواضح إلى أي مدى سيسمح للولايات المتحدة بالحفاظ على وجود لها في سوريا، ذلك الوجود الذي يزيد من الضغط الإيراني عليه دون أن يستفيد منه مباشرة.

ومن جانبها، تشارك تركيا مصلحة واشنطن في احتواء إيران، لكنها تعتبر تحالف الولايات المتحدة مع «قوات سوريا الديمقراطية» بمثابة لعنة. وتخضع «قوات سوريا الديمقراطية» لقيادة «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي السوري الذي تعتبره أنقرة، وهي محقة في ذلك، كجناح لـ «حزب العمال الكردستاني»، الذي صنفته تركيا كجماعة إرهابية شنت صراعاً دموياً دام ثلاثين عاماً ضد الحكومة التركية. وتعارض أنقرة بشدة وجود قوي لـ «حزب الاتحاد الديمقراطي» على حدودها الجنوبية، خاصةً إذا كانت الجماعة مسلحة من قبل الولايات المتحدة. وتزداد العلاقات الأميركية مع «قوات سوريا الديمقراطية» تعقيداً بسبب الاتصالات العابرة للجماعة مع روسيا.

وعلى الرغم من أن قرار واشنطن الواضح  بوقف عمليات نقل الأسلحة إلى «قوات سوريا الديمقراطية» قد ساعد على استرضاء أنقرة إلى حد ما، إلا أن واشنطن لم تنجح بشكل عام في إدارة التعاون التركي في سوريا. وبالتالي، سوف تحتاج إدارة ترامب إلى توضيح أهدافها مع «قوات سوريا الديمقراطية» وخططها الأوسع لسوريا إذا كانت تأمل في كسب دعم تركي فعال لاستمرار الوجود العسكري الأميركي في سوريا.

* جيمس جيفري هو زميل متميز في زمالة "فيليب سولوندز" في معهد واشنطن وسفير الولايات المتحدة السابق لدى العراق وتركيا.
(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.