نحن الشباب لنا الغد.. الطائفي!

حسن درويش

"دعوة إلى سهرة نار، كانت كافية لأن نخترع مئة حجة كي نبرّر لأهلنا غيابنا عن البيت.. كانت تلك السهرات هي أجمل الأوقات التي نقضيها. كل شيء منظّم في السهرة. أحد الشباب يعزف على الغيتار، آخر يدق على الدربكّة، والباقي للتصفيق والغناء. كانت المتعة تكتمل عندما يفاجئنا أحد الذين نسمع بهم من الفنانين الثوريين.. مارسيل خليفة أو خالد الهبر أو أحمد قعبور أو وليم نصّار… كانوا جميعاً في بداياتهم".

"كانت تختلط علينا الأمور بين العمل الشبابي والعمل الكشفي. السهرة حتى الصباح.. لم نكن نخشى شيئاً بالرغم من أن المرحلة كانت ايام الحرب.. كنا نعتمد التمويل الذاتي، نجمع من بعضنا مصروفنا الشخصي الذي خبأناه على مدى أسبوع أو أكثر، نشتري به متطلبات السهرة. على كل حال كان المتطلبات متواضعة جداً.. لم يكن هناك من يصرف علينا".

تلك ذكريات رجل خمسيني عاش تجربة طويلة في العمل الشبابي ضمن اتحاد الشباب الديموقراطي، يرويها وفي عينيه ابتسامة تأخذه إلى ذلك الزمن الذي يتمنى لو أنه يعود.. "أما أفضل الجلسات فكانت تلك التي تحصل في النادي.. شباب وبنات ونقاش في كل شيء.. كنا نظنّ أننا نخطّط سياسات الشرق الأوسط واستراتيجيات الاتحاد السوفياتي.. بعضنا كان يعتقد أن الذهاب إلى موسكو كأنه حج سياسي.. وبعد ذلك كله، كان النقاش ينتهي بالاتفاق على حفلة party. المهم هو تحديد المكان، وبعدها تأتي باقي التفاصيل".

هذه إحدى نماذج العمل الشبابي في لبنان في الماضي، أما اليوم، فإن المنظمات الشبابية صارت حزبية بالكامل، خصوصاً أن تجربة اتحاد الشباب الديموقراطي كانت غنية جداً. وبالرغم من أن الاتحاد يدور في فلك الحزب الشيوعي اللبناني، إلا أنه كان يجمع تحت سقفه شباب الحركة الوطنية واليسار اللبناني، وشكّل لاحقاً نموذجاً للمنظمات الشبابية التي أنشأتها الأحزاب لترفدها بالجيل الجديد.

ولأن هذه الأحزاب تحوّلت لاحقاً إلى أحزاب الطوائف والمذاهب، فإن هيئاتها الشبابية لم تنجُ من هذا المرض. فما استطاعت تلك الإتحادات أن تجمع الشباب اللبناني عليه، تمكنت الطائفية واحزابها من نسفه.. ومن تمسّك من تلك المنظمات الشبابية بعلمانيته، صار خارج الزمن والقدرة على التأثير في الشباب الذي أسرته الشعارات المذهبية، تماماً كالأحزاب وجماهيرها.

2005.. نقطة تحوّل

للأسف، لم تبقَ مهام الإتحادات الشبابية على حالها، فما قبل الإنقسام الطائفي الذي عاشه لبنان في العام 2005 بُعيد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ليس كما بعده.

عملت الإتحادات الشبابية بجهد كبير في فترات الحروب الأهلية الممتدة من العام 1975 وحتى العام 1990، وكان لها دور في مساعدة الناس، خصوصاً في مؤسسات الطوارئ الصحية، وكانت تلك المؤسسات، الصليب الأحمر اللبناني أحدها، تعتمد بشكل أساسي على متطوعي هذه  الهيئات. كما كان لهذه الهيئات الشبابية أدوار في تنظيم الواقع الاجتماعي الذي غابت عنه الدولة، فعملت في حملات النظافة والتنظيم السير وتوزيع المساعدات والاسعاف الأولي ولجان الأحياء… وفي فترة الإجتياح الإسرائيلي كان لخريجي الهيئات الشبابية دور في المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي وكان من بينهم شهداء وأسرى لاتزال اسماؤهم محفورة في العقول.

لم يكن دور الإتحادات الشبابية اللبنانية محصوراً بالمقاومة فحسب، فالشق الثقافي والفني شكّل جزءاً من مهامها. رئيس هيئة التنسيق النقابية السابق حنا غريب كان من صفوف تلك الإتحادات، مارسيل خليفة وخالد الهبر كانا أيضاً من من المنتسبين الى إتحاد الشباب الديمقراطي.

"اليسار".. عامل جذب شبابي

يعتبر الأمين العام السابق لإتحاد الشباب الديمقراطي حسّان زيتوني أنّ الإتحاد هو "منظمة لبنانية شبابية يسارية علمانية ديمقراطية، فهي تنحاز لمصالح الشباب وحقوق الناس وتواجه الأحزاب الطائفية".

ويرى زيتوني أن "عامل الجذب الوحيد في الإتحادات الشبابية اليوم هو اليسارية. لكن على الرغم من أن اليسار كان ولايزال يشكل جذباً للشباب المناضل الذي يريد التغيير، إلّا أن منهجة فكر الشباب اللبناني على الطائفية والإنتماء الحزبي استطاعت أن تتغلب على هذا مفهوم الذي نادت به تلك الإتحادات".

تشكل الإتحادات الشبابية اللبنانية اليوم جزءاً مكوّناً من منظومة واسعة للحراك المدني. فبحسب "زيتوني" ساندت المنظمات الشبابية هيئة التنسيق النقابية في مطالبها بإقرار سلسلة رتب ورواتب عادلة، كما أنها كانت من أشد المساندين للحراك المدني الأخير ضد النظام الطائفي.  لكن من منّا سمع بهذه النشاطات المساندة التي قامت بها تلك الإتحادات الشبابية؟.

لم تستغل هذه المنظمات الموقف طمعاً بشهرة او صيت او توسيع نطاق. ربما هي لم تدرك بعد اهمية الترويج للنشاطات من أجل كسب تأييدٍ أوسع، مع أن الترويج هذه الأيام عبر مواقع التواصل الإجتماعي اسهل بكثير عمّا كان عليه في الماضي، ويطال شريحة أوسع من الشباب الذي يتفقد حساباته الإلكترونية يومياً. هذه بحد ذاتها نقطة ضعفٍ عند المنظمات الشبابية في لبنان، فالتعويل على الفكر اليساري فقط لم يعد نافعاً وحده.

 

الجامعة اللبنانية.. أصلٌ مهمل

شكّلت الجامعة اللبنانية بيئة حاضنة للنضال الشبابي، فساهم ذلك في توسيع انتشار الهيئات الشبابية، وساهم في نشوء حركات طلابية ومنظمات شبابية من رحم الجامعة. الأمر اليوم هو نفسه، لكن المعادلة تكمن في أن الحركة الطالبية والشبابية تختبئ خلف الشعارات المذهبية ـ أو العكس ـ وفقاً لما يناسب المرحلة وأصحاب الشعارات والأهداف.

كما أنّ التقاسم الطائفي والمذهبي لكليات الجامعة اللبنانية أثّر في التوجه العلمي للشباب اللبناني، فليست صدفةً أن تجد طلاب التعبئة التربوية لـ"حزب الله" يشكلون حوالى 75% من طلاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وليست صدفة أن تجد النسبة نفسها من طلاب كلية العلوم في الدبية تابعين لـ"تيار المستقبل"، وليست صدفة أن يكون معظم طلاب الفرع الأول لكلية الإعلام مؤيدين لـ"حركة أمل" بينما معظم طلاب الفرع الثاني ينتمون الى "القوات اللبنانية"!

الكلام هنا ليس عن المحسوبيات التي تحصل في قبول طلاب ورفض آخرين، لأن التفكير اصلاً في اختيار المجال العلمي الذي يريده الطالب اصبح رهن وجود سيطرة طلابية للحزب الذي يؤيده في كلية ما.

ترى الدكتورة في الجامعة اللبنانية والناشطة كاميليا جريج أن المشكلة الكبرى التي تواجه المنظمات الشبابية اليوم تتجسد في "نقلها أمراض الأحزاب الى داخلها"، فالوعود والشعارات من دون تنفيذ لم تعُد ترضي او تُقنع المواطن، والواقع لا يبشّر بالخير من انتشارٍ اوسع واضخم للطائفية في المجتمع اللبناني. وترى أن الحل هو أن تراكم  تلك المنظمات الشبابية الوعي عند الشباب منذ الصغر وان تستثمر الشباب المنتمي الى الاحزاب كقوة ضغط، كلٌ داخل حزبه، من اجل المطالبة بما فيه خير للمجتمع اللبناني.

كنا ننشد: "نحن الشباب.. لنا الغد ومجده المخلّد"، أما اليوم فقد بات الشعار "نحن الشباب.. لنا الغد.. الطائفي"!

 

 

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.