مجتمع مدني "بنكهة" الأحزاب.. والعين على البرلمان

محمد شرف الدين

"التغيير.. التغيير"، نطالب به، وعندما يأتي نخاف منه. في السنوات العشر الماضية، عانى لبنان، ولا يزال، من أزمات لا تعد ولا تحصى، وشملت تلك الازمات مختلف الصعد السياسية والامنية والبيئية وغيرها. وفي كل مرة، كانت تفشل الاحزاب السياسية بالتعامل مع أي من هذه الازمات، فكانت ترتفع شعارات المواطنين وحملاتهم المطالبة بالتغيير، وتُظهر تلك الحملات "تعطش" اللبنانيين لرؤية وجوه سياسية جديدة، بعيدة كل البعد عن "الهة الحرب"، وجوه شبابية أيديها غير ملطخة لا بالدم، ولا بالفساد.

كانت أزمة النفايات التي حصلت منذ سنتين، بمثابة الشرارة التي فجرت بركانًا كان يغلي لسنوات على نار هادئة، فبرزت على الساحة اللبنانية "حالة"، سميت بـ"المجتمع المدني"، حصلت على تأييد واسع من الشرائح اللبنانية في بادئ الامر، خصوصًا الشباب منهم، لما حملته من شعارات عبرت عن حالة "القرف" التي يعيشها الشعب اللبناني من جهة، ولأنها جاءت لتقف في وجه السلطة السياسية ككل، من دون أن تتخذ طرفًا مع أحد.

لكن هذه "الحالة" سرعان ما انطفأت، نتيجة الانقسامات التي أصابتها، فكثرة الشعارات التي رفعتها مجموعات متباينة الآراء لم يجمعها سوى ساحة الاعتصام، لم تثمر نتائج مرضية، بالاضافة الى ان التأييد الذي حصل عليه الحراك المدني بقي محصورًا بـ"الاقلية" التي تنادي بالمدنية، فيما بقي القسم الاكبر من اللبنانيين متردداً، لخوفهم ربما، لا من التغيير بل من المجهول، فالكل كان يطرح التساؤلات، من هم هؤلاء؟ من يحركهم؟ من يمولهم؟

اليوم، ومع انطلاق التحضيرات للانتخابات النيابية، لا تزال الرغبة في التغيير موجودة عند كثير من اللبنانيين، ويبدو أن هذه الرغبة أقوى من أي وقت مضى، فبعكس الدورات السابقة، لم يعد هناك اكتفاء بتشكيل لوائح مستقلين، اذ تشكلت ثلاثة أحزاب سياسية جديدة، ولدت من رحم الحراك وحملت شعاراته، وها هي اليوم تعمل من أجل توحيد جهودها، في محاولة لخوض الانتخابات بـ128 مرشحاً على مختلف الاراضي اللبنانية.

 

"سبعة"

"سبعة" كان أول الأحزاب في "الولادة". ولد من حاجة المجتمع المدني "للتنظيم والقيادة الجماعية"، فمعظم مؤسسيه هم من ناشطي حملات "طلعت ريحتكم" و"بدنا نصلح النظام". نجح في إثارة فضول اللبنانيين، عبر حملته الإعلانية الغامضة، التي تألفت من كلمة "سبـ٧ـة" على خلفية أرجوانية، الى أن كسر الغموض بالإعلان عن تأسيس حزب لبناني جديد، يحمل اسم "سبعة"، ويقدّم نفسه كنقيضٍ لسائر الأحزاب اللبنانية التقليدية، برفضه الطائفية، الفساد، التبعية وغيرها من التقاليد التي تتبعها الأحزاب. ولعل الحملة الاعلانية هذه هي الوحيدة التي ماتزال عالقة في أذهان اللبنانيين، نتيجة "الغموض" الذي يحيط بالحزب وقادته، اذ أنه لم يعلن يوم اطلاقه عن أي أسماء، كما أنه لم يستحوذ على مساحة اعلامية تجعله معروفًا في الاوساط الشعبية بشكل كبير، على الرغم من نشاطاته المتعددة.

في حديث لـ"الرقيب"، يقول مسؤول منطقة الشمال في الحزب مالك المولوي، إن "الحزب يتبع نظام المؤسسات والقيادة الجماعية، اذ يضم حكومة ظل لها رئيسها، وبلديات ظل لكل منها رئيسها، بالاضافة الى هيئة تنفيذية هي الامانة العامة المؤلفة من أمين عام وعشرة نواب، ومسؤول عن كل منطقة يجتمعون بشكل دوري لاتخاذ القرارات كلٌّ بحسب اختصاصه. من هذا المنطلق، لا يوجد رئيس للحزب، كونه يتبع "هيكلية غير رئاسية" في محاولة لكسر "ثقافة الزعامة الشخصية التي تنخر في السياسة اللبنانية".

عن "حكومة وبلديات الظل"، يشرح المولوي أنهم "مقدمو حلول لا صانعو مشاكل"، بحيث تتعاون حكومة الظل مع الحكومة الحقيقية من خلال عرض مشاريع انمائية، أولها كان مشروع "صفر نفايات"، في المقابل تمارس عملاً رقابياً، بحيث يرفع رئيس حكومة الظل أو بلدية الظل كتاباً رسمياً وبشكل دوري الى رئيس الحكومة أو رئيس البلدية، يعرض فيه ما تم انجازه وما تم التقصير فيه، مع مهلة أسبوع للرد. هكذا تعمل حكومات الظل في بريطانيا وبلجيكا"، بحسب المولوي.

من حيث التمويل، يعتمد الحزب على مساهمات من المواطنين الذين وصلوا الى قناعة ان "خلق منصة جديدة للعمل السياسي في لبنان أصبح ضرورة وطنية". فيما يبقى الانتساب الى الحزب مجانياً، وإذا قرر الفرد المساهمة المالية، فيقوم بها "بملء ارادته وبالمبلغ الذي يحدده". وبالفعل، ينشر الحزب بيانات ميزانيته، من مساهمات مالية وعينية، بالاسماء والارقام بالاضافة الى المصاريف. فيؤكد المولوي أن "هذه المساهمات كانت كافية لتحقيق الانطلاقة"، مستقبليًا، يتفاءل أن الوقت والانتشار "سيشعلان حماسة الناس للمساهمة".

على صفحته على "فايسبوك"، دعوة ل"كل مواطن حر" ينوي الترشح خارج الاحزاب التقليدية، للتواصل مع الحزب "لبحث دعم ترشحه" ضمن مشروع "ابتسامة وطن"، وهي الكتلة النيابية التي ينوي الحزب تشكيلها، فيقول المولوي أن "كل مرشح يجب أن يمتلك مواصفات ومعايير معينة، على أن يخضع لعدة امتحانات قبل الاقرار بدعم ترشيحه"، وعما أشيع عن نية المجتمع المدني خوض الانتخابات موحداً، يؤكد المولوي صحة الاخبار، شارحاً أن "هناك اجتماعات تعقد بشكل أسبوعي، يشارك فيها عشرة أطراف، لتباحث مسألة الترشح للانتخابات بشكل يكون المجتمع المدني كله جسم واحد، في محاولة لجذب أكبر عدد من المرشحين والمرشحات على مستوى لبنان، على أن تكون "سبعة" جزءاً اساسياً من هذا التحالف". وفي البرنامج الانتخابي، يتكلم المولوي عن مشروع "ابتسامة وطن"، الذي يتخلله النزول الى الشارع وسؤال الناس عن احتياجاتهم، على أن تجمع هذه المقابلات في فيلم وثائقي يستخدم في البرنامج الانتخابي، فيكون المواطن بذلك مشاركاً في وضع هذا البرنامج، ولم يتم "اسقاطه عليه".

 

"الحزب اللبناني الواعد"

في الفترة نفسها، بدأ اسم "الحزب اللبناني الواعد" يتردد على مسامع اللبنانيين، خصوصاً أن رئيسه رجل الاعمال فارس فتوحي، كثير النشاط ويسارع لإطلاق موقف أو رأي في كل مناسبة سياسية أو أمنية. يسعى الحزب لرفع نسبة حضور الشباب في الشأن العام وتعزيز التواصل بين الشباب والسلطة، اضافة الى تغيير واقع "الزبائنية والمحسوبيّة والتبعيّة"، لكنه ليس مستعداً لخوض الانتخابات النيابية بعد، بحسب متحدثته الإعلامية جينا عفيش.

"حزب لبنان"

 

"حزب لبنان" هو أصغر هذه الاحزاب سناً، انطلق بداية تموز الحالي، حاملاً في بيانه التأسيسي أكثر من قضية: "لا للفساد"، "لازدهار لبنان"، "لبناء لبنان الجديد"، "رفضا للعنف والسلاح"… وغيرها كثير من العناوين. يرأسه المستشار المالي جاك مشعلاني، ويتألف من هيئة استشارية، هيئة تنفيذية، وهيئة ادارية. لم يبدأ الحزب نشاطاته الميدانية بعد، الا أنه يشارك في اجتماعات "المجتمع المدني" تحضيراً لخوض الانتخابات النيابية ربيع 2018.

في حديث لـ"الرقيب"، تقول نائبة الرئيس السيدة لينا حمدان، ان "بعض المواد الواردة في البيان الرسمي للحزب تلتقي مع عدد كبير من النقاط الواردة في بيانات قوى التغيير (أي المجتمع المدني). ونحن على تواصل مستمر وثمة اجتماعات تضم ممثلين عن تلك القوى توصلا الى مساحة جامعة من شانها خوض الانتخابات بلوائح كاملة: ١٢٨ مرشحاً". فهل لحزب بهذه المقومات، القاعدة الشعبية التي تسمح له خوض الانتخابات؟ تقول حمدان إن "الاستراتيجية التي يتبعها حزب لبنان لخوض للانتخابات تقوم على استهداف شريحة معينة من الناخبين تتألف من الذين يتوقون الى بناء لبنان عصري وناجح وبعيد عن الفساد والطائفية والمحاصصة، فهو حزب علماني يطالب بتطبيق القانون المدني في الإدارات والاحوال الشخصية والاعتماد على الكفاءة… الى جانب السعي لتأمين مقومات قيام اقتصاد حديث وعدالة اجتماعية وحقوق المرأة وغيرها من أسس اي مجتمع حديث. وبالفعل، حصلنا على تشجيع من عدد كبير من اللبنانيين العاملين في دول العالم ومن المغتربين الذين يترددون على لبنان والذين وجدوا في حزب لبنان قوة تغيير يمكن ان تمثلهم في الندوة النيابية".

وتختم حديثها بالتأكيد أن تمويل الحزب "يأتي من الأعضاء والمساهمين الذين يؤمنون بمبادىء الحزب".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.