الصوفية: "العشق الإلهي" يُسقط "التكاليف الشرعية"؟

 بين "التوحّد مع الخالق".. و"الضلالة"

                  * الكردي: العلم الشرعي خَفَت                   * عمّورة: دبّ إلى التصوف داء الأمم

 

مروى بلوط

يُقال الكثير في الحُب، لكن قلّة قليلة تقول بالحبّ الخالص للخالق الذي يصل حدّ العشق الالهي. "الصوفيّة" هي هذا العشق بذاته، والطريق الباطني للدين، المكمّل للشريعة الاسلامية التي تتكلّم عن "ظاهر الدين". ما إن تقشعرّ الأبدان لقرب العلاقة الروحيّة من الله، حتى تأتي الأفكار السلفية مسجّلة مآخذ على "ما آل اليه الفكر الصوفي"، ويتبلور الانتقاد لبعض السلوكيات من داخل الصوفيين أنفسهم.

تبعاً لذلك، يعاود المرء أدراجه، ويسيطر عليه الخوف من الغرق في هوّة ما بين جماليّة التصوف وغرابته، وما بين ارتقاء النفس وضياعها، ليكون السؤال ما حقيقة التصوف؟ كيف تُترجم في الواقع؟ ماذا تبقّى من الصوفية؟ وما هي الأرضية الثابتة التي عليها يبني السلفيون "ضلالة" بعض سلوكيات الصوفيين؟

 

طبارة: التصوّف يعتمد على قرار

ينطوي مفهوم الصوفية على معنيَيْن اثنين، فهي من الصوف الدّال على الفقر الى الله والزّهد في الدنيا، وتعني أيضاً "الصفاء الروحي"، أي من صفا قلبه لله تعالى وتجرّد من العلاقات التي تربطه بالدّنيا.

والصوفية، كما تصفها مديرة "معهد المواطنة وإدارة التنوع" الدكتورة نايلا طبارة، هي "علاقة التقرب من الله وحب الله"، وتمّ التركيز عليه في ثلاثة أوجه:

"الوجه التقشّفي"، ومفاده "التخلص من الماديات بغية الوصول الى الله. وهناك من ركّز على العشق، مثال مولانا جلال الدين الرومي. وآخرون بحثوا في الفلسفة الصوفية، كما ابن عربي".

ليس سهلاً على الفرد أن يصبح متصوّفاً بسحر ساحر، "التصوّف يعتمد على قرار"، تقول الدكتورة طبارة لـ"الرقيب"، مشيرة الى أنّ طريق التصوف يتخلّله نوعان: "المقامات" و"الأحوال".

"المقامات" هي كل ما اكتسبته النفس، بدءاً من الفقر في المرتبة الأولى، يليها الزهد، من ثم الشكر على الإيجابي كما السلبي من الأمور، وصولاً إلى الرضا بكلّ ما يأتي من الله.. ويقوم الصوفيّ بقراءة للذّات بشكل مستمر، ما يسمى بمراقبة النفس.

أمّا "الأحوال" فهي مرحلة ما بعد المقامات (وقد تتزامن معها أحياناً)، وفيها "يقلّب الله الصوفي من حال الى أخرى، الأمر ونقيضه"، ومن أصعب ما يمرّ به "البعد" بعد "القرب"، و"الاستتار" بعد "التجلّي" و"القطع" بعد "الوصال"، فكانت رابعة العدوية لا تملك سكينا في بيتها  خوفًا من القطع بعد الوصل!

تقول الحاجة حياة فرفور البنّا، الداعية للطريقة "التيجانية" إنّ "التصوّف هو اجتماع فاستماع فاتّباع لتعاليم النبي (ص)". ومع اختلاف الطرق الصوفية، يبقى الهدف منها واحد، بحسب الحاجة حياة، وهي "الوصول الى الله تعالى".

لكنّ بعض الالتباس حول التصوف يظهر في حديث الشيخ أحمد عمورة، أمين سر "هيئة علماء المسلمين في لبنان"، حيث يقول لـ"الرقيب" إنه "قد دبّ إلى التصوف داء الأمم، وتسلل إليه المندسون"، و"الطريقة" ـ بنظره ـ غدت "طرقاً" و"الخِرقة خَرَقاً"، ويفسّر كلامه بأنّ "الخِرقة" هي ما يُلبِسُه الشيخ للمريد، "كناية عن إذنه بأنه أصبح من العارفين بالله، أو إذنه للمريد بالتتلمذ عليه، وهي، في حال وُجد مندسون في الصوفية، تتحول الى أداة لتغييب العقل".

 

"الغلوّ" في الأولياء

الأولياء هم من وصلوا إلى القرب لله، وكثير منهم هم شيوخ "التسليك" لدى الصوفيين، أي من تسلّم سرّ الطريقة بالإجازة أو بالوراثة. والمقصود بكلمة "وليّ" من والاه الله وأعطاه من الأسرار ما لم يعطِه لغيره. وهنا تشرح الحاجة حياة انّه "كما للأنبياء معجزات، للأولياء كرامات تتمثّل بالمعرفة والوصول لمرحلة متقدّمة من القرب من الله". على هذا الأساس، يعتبر شيخ "التسليك" بمثابة "المرشد القريب للنبي (ص) منزلة، والوسيط للمريد (من أراد الوصول الله) عنده".

تهمة "الغلوّ في الأولياء" تطارد المريدين أينما حلّوا، وتقول احدى المهتمات بالأجواء الصوفية "البعض يؤلّه شيخ التسليك ويتعلّق به كأنّه حلّال الأمور"، في حين ترفض أخرى هذا الكلام، وتعتبر أنّ "المبالغة" تساهم بإيصال أفكار خاطئة الى الآخرين "كأنّ الشيخ هو المتصرف وليس الله". في هذا السياق، حديث للشيخ ابن باز عن "شرك من يعتقد أنّ للشيخ تصرّف في الكون كما لله".

القاضي الشرعي الشيخ أحمد درويش الكردي، وهو أحد أتباع الطرق الصوفية في لبنان، يفسّر لـ"الرقيب" أنّ "شيخ التسليك هو وسيط ما بين الإنسان والله"، مؤكّداً أنّ "هذا ليس إشراكاَ بالله تعالى".

وتوضح الدكتورة طبارة أنّ "دور الشيخ هو مساعدة المريد، الذي بدوره يتوجّب عليه إطلاع شيخه على ما يعيشه روحانيّاً لكي يساعده"، وتضيف إحدى المريدات "الشيخ أدرى بمصلحة المريد".

"من كرامات الله للوليّ هي العلم بالغيب"، تقول الحاجّة حياة، ورغم اللّغط حول هذه المعلومة وعدم تقبّل التيارات السلفية لها، الّا أن إحدى المريدات تستشهد بآية من القرآن في "سورة النساء" تعتقد أنها دليل يثبت صحّتها "عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ".

 

جلسات الذِّكر

 

"الحضرة" هي من الشعائر الجماعية في الطرق الصوفية وفيها يتمّ الذّكر، أي ذكر الله وترداد بعض الجمل، وتختلف صِيَغ التعبير من طريقة الى أخرى، فيكون ذِكر صامت في طريقة من الطرق، وقد يتمّ جلوساً، أو وقوفاً كما في الرفاعية.. وغيرها من الطقوس التي تختص بكلّ طريقة.

عند الطريقة النقشبندية مثلاً، هناك ما يسمّى بـ"رابطة الموت" التي تمرّ بمراحل ثلاث: تخيّل الموت، ورابطة الشيخ أي "الاستفادة من ارشاده ونورانيّته"، ورابطة الذكر القلبي.

"يرتبط الذِّكر بالكلام والحراك الجسديّ"، وفق الدكتورة حُسُن عبّود، الكاتبة والباحثة في قضايا المرأة وتجديد الفكر الإسلامي. فمن قوة الذكر من لا يستطيع السيطرة على نفسه، وهذا ما يعتبر بمثابة "فخّ" يقع فيه "المريد الذي لم يتحمّل العطيّات التي نزلت عليه"، عندها يقوم بتأدية حركات تشير الى دخوله حالة "السّكر"، وهي نقيض "الصّحو" أثناء الذكر.

تُعرف الحركات المبالغ فيها بـ"الشطحات" أو "النّوبات"، ويستنكرها القاضي الكردي قائلاً "نحن لا نقول بالشطحات"، ولا يُبنى عليها حكماً شرعياً باعتبارها "كلاماً غير موزون". ومثال على ذلك الحلاج الذي اضطُهد وصُلب بسبب ما قاله في شعره من شطحات في حالة "سُكر" "أنا من أهوى، ومن أهوى أنا"، ولم يلقَ قبولاً في الوسط الإسلامي.

 

المآخذ على الصوفيين

 

يتحدّث الشيخ عمورة لـ"الرقيب" عن "اتجاهات ثلاثة انتظمت فيها الحياة البشرية، وهي: الاتجاه السلفي، الصوفي، والفلسفي"، ويفسّر الصوفية بأنها "جعل النفس دليلاً والولي قدوة". ويسجّل مآخذه على بعض السلوكيات، منها "وصول الصوفيين الى مرحلة سقوط التكاليف"، ويستدلون بقوله تعالى "واعبد ربّك حتى يأتيك اليقين". ويوضح الشيخ عمورة أنّ الصوفي في هذه المرحلة "لا يصلي ولا يصوم ولا يحج، ويعتبر أنه غير مطالب بعبادة".

 

أما المريدات فيتحدّثن عن تساهل بعض الصوفيين في الشرع في حالة واحدة، هي "عندما يحضر الصوفي مجالس يتخلّلها مبالغات أو تجاوزات من شأنها أن تُنفّر الفرد". وتبعاً لذلك يلفت القاضي الكردي أثناء حديثه أنّه "لا ينبغي للإنسان أن يدخل في التصوف من دون علم شرعي، والّا سيصدر عنه الكثير من الأخطاء".

أمّا عمّا يرد حول "اتّحاد المريدين بالله تعالى"، تقول الحاجة حياة بأن "هذا مفهوم خاطئ للاتحاد، والتفسير الصحيح هو: ارتباط قلب المريد مع قلب الشيخ. وغير المقبول بتاتاً لدى السلفيين هو مسح وتربيت الصوفيين على القبور".

برأي الشيخ عمورة "الحقيقة أضحت ضحية للأطماع والتكثر بالأتباع"، وتاهت "في دهاليز الشطح والابتداع"، وكل ما سبق كان سببًا "بما آل اليه التصوف من انحلال سلوكيّ". ويظهر هذا "الانحلال" في بعض الممارسات التي ينفر منها العقل الصّاحي، ولذلك تكون مبرّرة بالنسبة الى من يقوم بها.

في هذا الإطار، تتجلّى أهمية الحديث عن الطريقة الرفاعية التي يمارس فيها "الضرب بالسّيخ"، ويفسّره الشيخ الكردي بـ"طعن المريد جسده بواسطة سكّين في حال أراد أن يثبت لأحد وجود كرامات للأولياء"، أمّا اذا كان لـ"المفاخرة" فهذا الأمر "ممنوع منعاً باتًا".

وبحسب الشيخ عمورة، هناك من قال بأنّ "المتصوفين مبتدعون خارجون عن السنة"، وطائفة أخرى غلت فيهم وادّعوا أنهم "أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء"، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم. و"الصواب"، برأيه، أنهم "مجتهدون في طاعة اللّه، كما اجتهد غيرهم، الّا أنّ لا أحد معصوم عن الخطأ".

لجأ الشيخ عمورة الى الكلام "المتوسّط الحديّة"، محاولاً تجنّب أي اتهام أو حكم على الصوفية، لكنه لم يتراجع عن القول بأنّه من بين المنتسبين إلى الصوفية هناك من هو "ظالم لنفسه، عاص لربه"، ويضيف "لقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة".

مع تصاعد الحركات السلفية، والمنظمات التي تستحوذ على العقول بما تيسّر لها من "همّة"، تحاول الصوفية المحافظة على نفسها من "الهلاك"، وسلاحها الوحيد "المحبّة". الصوفيّة أكثر من خيار، وأعمق من شعور، هي انفراد بالتوجه لـ"خالق الحب"، يقابله تحدّي المعركة مع الواقع التي تفرض على المرء غصباً.

لا يخلو شرع من "مُخالف"، ولا دين من "غرابة"، طالما الله هو الهدف، للفرد أن يشقّ طريقه نحوه بعيداً عن المغالاة، الالتباس والأذيّة.

 

"الفتلة المولوية": فولكلور أم تصوّف؟

يعتبر جلال الدين الرومي المؤسس للطريقة المولوية، والتي بدأت معه في قونية – تركيا، كما أنّ هناك مركزاً لأتباعها في الشام. مع الرومي بدأت الفتلات المولوية، التي تعبّر عن "خروج الإنسان عن نفسه، ودخول في حالة لاإرادية"، مع إشارة القاضي أحمد الكردي الى أن الحركات اللاإرادية في التصوف "محمودة"، أمّا تلك الإرادية فهي "مردودة".

ولكي يتمكّن "الدراويش" من تأدية "الفتلات"، يجب أن يمرّوا بخلوة تصل الى حدود 1001 يوم، تقول الدكتورة طبارة، وخلالها يجري "تهذيب الروح".

 تغيّرت المفاهيم في يومنا هذا، وفق الكردي، اذ أنّ الناس باتوا يتعاملون مع "الفتلات" على أنها فولكلور لا تصوّف، فـ"العلم الشرعي خَفَت"، وبات هناك اعتقاد بأن الذكر هو " الفتلات بهذا الثوب الأبيض الكبير".

 

"الطرق الصوفية"

نشأت الصوفية مع بداية الإسلام، وظهرت في ايران أولاً، من ثمّ انتقلت الى العراق، بعدها مصر، وبدأت بالانتشار في باقي الدّول.

 التصوف ليس ظاهرة إسلامية خاصة، بل هو موجود في كافة الأديان، كما نجد تصوفاً مسيحياً وهندوسياً وبوذياً… ويبلغ عدد الصوفيين في لبنان حوالي 200 ألف شخصاً، بحسب القاضي الكردي، يتوزّعون على الطرق الصوفية الأكثر شيوعاً في لبنان، وهي:

النقشبندية، القادرية، الرفاعية، الشاذلية، والتيجانية. كما هناك الطريقة المولوية في شمال لبنان، ومن الممكن أن يزداد عدد أتباعها، خاصّة مع إعادة ترميم "التكيّة المولوية" الموجودة في طرابلس.

ويُفيد الكردي بأنّ "الطرق الأكثر شهرة هي: الشاذلية، النقشبندية والقادرية، وتختلف الطرق بطريقة الذكر إلا أنها تتشابه جميعها بهدفها وبالباقيات الصالحات المشتركة في ما بينها".

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.