"أبو الياس"..لم يعد "صانع الرؤساء"

نورما أبو زيد

اسمه مرّ، وكلامه مرّ، ولكن قلبه حلو .. و"سكر زيادة".هكذا هو ميشال المر."بطانته" المتنية تقول: إذا أحبّ "أبو الياس" يحبّ حتى أسنانه، وإذا كره يكره حتى عظامه.

الرجل الذي يعرف الكثير عن اللعبة السياسية واللاعبين قضى نصف قرن من حياته السياسية يجمع التناقضات.من يعرفه يصفه بالرجل الداهية الذي يستطيع أن يكمن للآخرين في الوقت الذي يعتقد فيه هؤلاء أنّه أسير شراكهم.

"عميد الداخلية" المهندس، هو "مقاول العلاقات" مع سوريا سابقاً،و"متعهد" بناء جسور التواصل معها، ومالك"البوسطة" التي انفردت طيلة فترة الوصاية السورية بنقل المتنيين إلى ساحة النجمة، و"سيد الشاشات"، و"بارون الصفقات"، و"صاحب المبادرات"، و"نبع الخدمات"، و"عراب الاتفاقات"..والأهم أنّه "صانع الرؤساء" ومرشدهم.

"أبو الياس"، كما تناديه بطانته تحبّباً، هو الأرثوذكسي "المرّ" الذي استذوق "الحلو" الرئاسي، فصنع أكثر من رئيس ماروني، بدءاً من الياس سركيس الذي يخصّه المر بإعجاب استثنائي، مروراً ببشير الجميل، ومروراً أيضاً بصاحب النكتةالياس الهراوي، وبالعسكري إميل لحود الذي تخلّى عنه المر مع بداية ولايته الممددة، وصولاً إلى ميشال سليمان الذي صار لاحقاً رئيساً بجهود "المرّين" الأب والابن.

تجنيده لكامل طاقته في صنع الرؤساء، مكّنه من تحويل نفسه إلى ضرورة في كلّ صورة. ولكن المرّ الخبير في إعداد الأطباق الرئاسية، خانته "حاسة الذوق" مؤخراً، ومنعته من اكتشاف مكوّنات آخر طبق رئاسي، بحيث قادته "حاسة الشم" لديه نحو حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وقائد الجيش السابق جان قهوجي، والوزير السابق جان عبيد، والنائب روبير غانم.

عرف "أبو الياس" في مسيرته السياسية انتصارات وانكسارات. ففي بداية مشواره السياسي خاض معارك انتخابية حتى الرمق الأخير، ولكن الرجل لم ينكسر بخسارته لها، بل التقط آخر أنفاسه بعد الخسارة وطار بها إلى القارة السوداء،حاملاً حقيبة سفر فارغة إلاّ من شهادة الهندسة، وهناك أسّس لمملكة مترامية الأطراف. من العام 1960 وحتى نهاية "تمرّد" ميشال عون، عرف مشواره السياسي الكثير من المد والجزر، ولم يبدأ حضوره السياسي الفعلي إلاّ مع جمهورية "الطائف".

فوّضه السوريون عام 1990 نزع سلاح الميليشيات المسيحية، فأهّله انخراطه في المشروع السوري لتسلّم المناصب الحساسة. عيّن في عهد الهراوي نائباً عن المقعد الأرثوذكسي في المتن ووزيراً للدفاع، وعيّن في عهد لحود وزيراً للداخلية، وكان رئيساً لـ 14 لجنة وزارية، ونائباً لرئيس مجلس الوزراء طيلة 9 سنوات.

ربح ميشال المر جائزة بنفي ميشال عون إلى باريس، ولكن جائزته الكبرى كانت بسجن سمير جعجع، حيث خلت الساحة المسيحية له، فبات بسرعة قياسية مرجعاً سياسياً يؤلف اللوائح الانتخابية، ويرعى المصالحات السياسية.

كل تجاوزات المر في زمن صعوده السياسي الصاروخي كانت لأهداف "نبيلة". فقد سخّر هيمنته السياسية الفاقعة في الزمن السوري، لريادة أعماله الاقتصادية، فابتكر مثلاً فكرة "طابق المر"، وضمّ جزءاً من مشاع بلدة المتين إلى بتغرين ليتسنّى له تنفيذ مشروع سياحي، و"سلبط" على أملاك بحرية في حالات لـ "تنشيط" المشاريع السياحية، و…، و… .

النائب "المزمن" الذي يأبى ترك البرلمان إلاّ للقاء خالقه، خاض غمار الانتخابات بكل فصولها في "الجمهورية الثانية". قفز عام 1992 فوق حاجز المقاطعة المسيحية، عبر توزيع الخيم في ساحات البلدات المتنية كأقلام اقتراع ساهمت في فوزه. وفي انتخابات عام 1996، حقق "خادم المتنين" فوزاً ساحقاً، ومع عودة المسيحيين عن قرار المقاطعة في انتخابات 2000 خُرقت لائحته بعضوين فقط هما نسيب لحود وبيار الجميل، وفي عام 2005 التحق بـ"البوسطة" العونية بعدما فاته قطار "14 آذار".

رغم صياح "ديك المتن" بشعارات "ثورة الأرز" التي كلّفت ابنه الوزير الياس المر انفصاله عن زوجته كريمة الرئيس إميل لحود، نظراً للتباعد المستجد بينهما في النظرة إلى سوريا، بهتت هالته وتواضعت حالته مع انسحاب السوريين من لبنان، والرجل الذي كان له أتباعه بات بحاجة إلى مظلة حماية، إذ اضطرته التطورات السياسية للتحالف مع لائحة العماد عون في المتن، والانتظام في صفوف مدرسته، لأنّ خصميه التاريخيين أمين الجميل ونسيب لحود كانا يتحضران لعزله وتدفيعه ثمن "تنكيله"بـ"السياديين" في زمن السوريين.

عندما حصد العماد ميشال عون في انتخابات 2005 أكثر من ثلثي أصوات المسيحيين، أجلس ميشال المر على واحد من كراسي كتلته النيابية كتلميذ متساو مع تلامذة آخرين كلهم هواة في السياسة،من دون أن يأخذ بعين الاعتبار أنّ "دولة الرئيس"يحمل لقب "صانع الرؤساء"، وأنّه كان "المسيحي الأول" في العصر السوري، وأنّ ديوانيته كانت تستقبل 50 نائباً أسبوعياً، وأنّ الرجل صاحب أكبر قاعدة خدماتية على تراب الجمهورية اللبنانية، وأتباعه جيش من الموظفين في إدارات الدولة اللبنانية. عضّ المر على جرحه، ولكن ما إن أيقن استحالة وصول عون إلى سدّة الرئاسة، غادر الرابية على عجل، معلناً أنّ البيت ومن فيه أصغر حجماً من زعامته، وأنّ المتن لا يحتمل "ميشالين"، وانصرف إلى لعب ورقة ميشال سليمان الرئاسية، ونجح في استعادة دور "العراب".

"التلميذ" المتمرّد على "معلمه"، ذهب إلى حدّ معايرة العماد عون بعلاقته الوطيدة مع سوريا، إذ قال له ذات مرة: "صحيح أننا حالفنا سوريا، لكننا لم نذهب مثلك إلى حدّ نقل مار مارون إلى حلب"، ومن ثمّ انتقد تعطيل عون لجلسات انتخاب الرئيس وقال إنّها "بدعة لم يعرفها لبنان في تاريخه".

رسب المر في امتحان ميشال عون الرئاسي، وهذه ليست المرة الأولى التي يرسب فيها في امتحان الرئاسة. فلقد عاش ميشال المرّ نكسة مماثلة بعيد اغتيال الرئيس بشير الجميل، جرّاء الحساسية المفرطة لدى خلفه الرئيس السابق أمين الجميل تجاه كلّ القريبين من شقيقه الراحل، ولكن الرجل "المر" لم يصبر على مرارة الرئيس، فانضم إلى انتفاضة "القوات" الأولى، التي كان يقودها سمير جعجع وإيلي حبيقة وكريم بقرادوني، وفي نهاية ولاية الجميل الرئاسية، لعب المر دوراً رئيسياً في إقناع السوريين بعدم التجديد له، ونجح فيما أراد.

علاقة وطيدة جمعت "الشهابي القديم" بـ "القواتي المنتفض" إيلي حبيقة، فعمل على مدّ الجسور بين حبيقة كقائد لـ "القوات اللبنانية" وبين القيادة السورية التي نجح المر في حينها بنسج أفضل العلاقات معها، كما قرّب المسافة بين حبيقة ونبيه بري ووليد جنبلاط، وقد أنجب هذا التقارب المسيحي – السوري من جهة والمسيحي الإسلامي من جهة ثانية "الاتفاق الثلاثي".

ابن بتغرين المتواضعة التي باتت عاصمة المتن على يد "ابنها البار"، حقق ما لم تتمكن من تحقيقه أي شخصية أرثوذكسية أخرى. فبالرغم من "التسونامي" العوني الذي أكل أخضر المتن ويابسه، تبيّن مع السنين أنّ زعامة صاحب الألقاب المتعددة هي الأكثر تجذراً في هذه البقعة الجغرافية. فصاحب "العمارة" الذي يمتلك ماكينة انتخابية استثنائية من حيث العدد والتنظيم، يأبى مرور شاردة انتخابية من وراء ظهره، ونفوذه في بلدات المتن وبلدياتها لا يقارعه عليه رئيس، و"جيشه" في الدولة مجموعة من العيون والآذان تراقب وتستمع بالنيابة عن "ولي نعمتها".

ترك "أبو الياس" ساحة "الرياس" بعد انتخاب عون رئيساً، وبعد طول صمت خرج قبل أيام ليهدّد بأنّه في أي قانون انتخابي سيربح بمرة ونصف أكثر من غيره. فهل هو يعني ما يقوله في عصر "الجمهورية البرتقالية" أم أنّه "صادق 50 بالمئة وكاذب 50 بالمئة" تطبيقاً للشعار الذي رفعه انتفاضاً على مرحلة سابقة يعتبر نفسه فيها صادقاً مئة بالمئة؟!

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.