"كوكبنا": مبهر.. لكن فارغ!

محمد شرف الدين /

في الحلقة الأولى من السلسلة الوثائقية "كوكبنا" التي أطلقت على "نتفلكس" مؤخراً، نرى مشهداً يظهر جبلاً من الجليد ينفصل عن الكتلة الجليدية في القطب الشمالي، قبل أن يتفكك ويهبط على هيئة كتل ضخمة في مياه المحيط، من خلال لقطات جوية، ولقطات علوية، وأخرى من على مستوى المياه. في حفل إطلاق السلسلة الوثائقية التي جرت في لندن بحضور أعضاء من العائلة المالكة، قال أحد منتجي السلسلة إن التواجد هناك في تلك اللحظة ومشاهدة هذا الحدث يحصل أمام أعيننا كان أشبه بفيلم "Inception" ( فيلم للمخرج الحائز على جائزة الأوسكار كريستوفر نولان، يدور حول لصوص يجتاحون أحلام ولاوعي ضحاياهم).

بالطبع، إن المشاهد التي تظهر كتلة جليدية تزن 75 مليون طن تتفجر وتسقط في المحيط، له وقع أشبه بالأحلام أو بضرب من الخيال. إلا أنها ليست كذلك، بل هي واقع هذا الكوكب، الذي يرويه المذيع البريطاني الشهير دايفيد اتنبروغ بصوت مخملي ترافقه موسيقى تصويرية آسرة، وتصوير سينمائي مبهر، في سلسلة من ثماني حلقات، لإيصال رسالة مفادها أنه وللمرة الأولى، فصيلة واحدة ستقرر كيف سيكون شكل المستقبل على هذا الكوكب. هذه الفصيلة هي نحن. وفي حين يبرز الوثائقي قضيته بشكل مقنع جداً، إلا أن الخطوات الفعلية التي يطلبها من المشاهد هي قاصرة عن إحداث تغيير حقيقي، في وقت يحتاج فيه الإنسان الى إعادة تقييم علاقته مع البيئة بشكل طارئ وقبل فوات الأوان.

من المناطق القطبية المتجمدة الى الصحارى، الغابات والأدغال، أعلي البحار وأعماق المحيطات، يذهب المشاهد في رحلة حول العالم ويتعرف على أساليب عيش بعض الفصائل المهددة كالنمر السيبيري (لا يتخطى العدد المتبقي منه الـ600 في العالم) الذي استطاعت الكاميرا للمرة الأولى تسجيل مشاهد له بهذه الحميمية في بيئته الطبيعية، بالإضافة الى أساليب عيش العديد من فصائل الطيور والأسماك النادرة و"روتين الرقص" التي تقوم به لاجتذاب الإناث سعياً للتكاثر، وكانت مشاهد الحيتان الأكثر إبهاراً، خصوصاً الحوت الأحدب الذي يتخطى حجمه الـ20 متراً ووزنه الـ30 طناً، الذي يهاجر في مجموعات تتعاون وتتواصل في ما بينها لصيد الغذاء… كلها صورت بجودة عالية الدقة، فيما يظهر الإنسان في مشهد واحد فقط، في تجمع لصيد الأسماك التي يشر أتنبورغ الى أن أعدادها تراجعت "بشكل درامي" نتيجة للصيد المفرط وغير المنظم.

وتركز السلسلة على التحولات التي تعاني منها البيئة الطبيعية الحاضنة لهذه الكائنات إن لجهة ذوبان الثلوج في القطبين، أو جفاف المناطق الاستوائية، إرتفاع درجات حرارة البحار والمحيطات وتراجع المساحات الخضراء في الغابات الماطرة، وكيف يؤثر كل ذلك على الفصائل التي تعيش في تلك المناطق والتي تلعب دوراً في تحقيق التوازن البيئي على الكوكب.

لكن الوثائقي بقي قاصراً عن ذكر الأسباب أو تفسيرها، فعبارة "الإحتباس الحراري" بالكاد ذكرت، وغاب أي ذكر لاستخدام الوقود وانبعاثات الكربون وجريمة الانسان المنظمة في قطع الأشجار وكيف ساهم في اغتيال الكوكب في طريقه نحو التحضر والتمدن.

"ما نفعله في العشرين سنة القادمة سيحدد مستقبل كل الحياة على الأرض"، يقول الراوي. "لقد دمرنا نصف الغابات على الأرض". لكن من "نحن"؟ إن إنقاذ الكوكب يتطلب أولا معرفة ما هي المشكلة. يتحدث "كوكبنا" عن تغير المناخ من دون ذكر النشاط الصناعي الذي أدى إليه. والحلول التي تظهر على الشاشة هي شعارات وعناوين عامة مثل حماية المزيد من المحيطات، وهو أمر يجب علينا القيام به، ولكن لا الوثائقي ولا الموقع الإلكتروني الذي يدعونا لزيارته نهاية كل حلقة يوضح كيف يمكن للمشاهدين المساعدة في ضمان حدوث ذلك. شركات النفط والصناعات البلاستيكية وصيد الأسماك والزراعة ليست وحدها المسؤولة. نحن جميعًا متواطئون، خصوصاً المجتمعات ذات الأنماط الاستهلاكية المرتفعة. إن وصف حجم التحدي هو أمر ضروري، لكن السلسلة كانت مطالبة بالذهاب أبعد من ذلك، للبحث أسفل الغطاء، وتعرية ما يخفيه.

من الناحية الفنية، يمكن إعتبار هذا الأمر من عوامل القوة، فصانع السلسلة لا يريد أن ينهك المشاهد بعبارات علمية أو مشاهد منفرة، عوضاً عن ذلك يدعو المشاهد لزيارة الموقع الالكتروني لمعرفة المزيد من التفاصيل، وعند زيارة الموقع يتبين أنه جل ما يحتويه هو دعوة لتوقيع عريضة لانقاذ الكوكب، فور توقيع العريضة تنهال الدعوات على بريدك الالكتروني للتبرع لصالح مؤسسة "World Wildlife Fund" (WWF). أو شراء منتجات المؤسسة كمجسم كرة أرضية وأو فنجان..

تبقي السلسلة الأمل موجوداً بأن الكوكب قادر على التعافي، الأمر الذي أثبتته من خلال زيارة عدة محميات طبيعية بدأ التنوع البيولوجي النباتي والحيواني يعود إليها تدريجياً الى ما كان عليه، ولعل مدينة "تشرنوبيل" التي شهدت إحدى أكبر الكوارث البشرية خير دليل على ذلك. في الحلقة الأخيرة نرى الأشجار عادت لتغطي مباني المدينة المهجورة، والحيوانات البرية تتمشى في الأحياء والضواحي، بحسب الوثائقي، أصبح عدد الحيوانات البرية داخل المنطقة المحظورة يفوق العدد خارجها. مشاهدة السلسلة بالطبع كانت رحلة ممتعة، لكن الحلول التي تطرحها لا يمكن تؤدي إلى أي تغيير حقيقي. 


تظهر الأرقام أن العمل على إنتاج وثائقي "كوكبنا" كانت رحلة أكثر من شاقة، اذ استغرق العمل عليه 4 سنوات شملت:

– 3375 يوم تصوير في 60 بلداً حول العالم.

– 400 ألف ساعة مراقبة بكاميرات خفية.

– 911 يوماً في البحر.

– 2000 ساعة من الغوص.

– 6600 تحليق لطائرات مسيرة (Drone).

– 600 طاقم عمل تم تشكيلها خلال 200 رحلة تصوير.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.