تراث رمضان في طرابلس: المدفع ضرورة.. والإمساكية ثابتة

سماح عبيد /

تحتفظ مدينة طرابلس بالتراث الرمضاني، وتتمسّك بتقاليد وأعراق تنشّط نبض المدينة وتعيد إليها الحياة التي تفتقدها 11 شهراً.

وعلى الرغم من أن التطور التكنولوجي ألغى الحاجة إلى الكثير من تلك التقاليد، فإن المدينة لم تتخلّ عن سلوكيات مرتبطة بصورة المدينة. فالأجهزة الالكترونية تتضمن تنبيهات وإمساكيات بأشكال وأنواع مختلفة، إلا أن مدفع رمضان ما زال "حاجة" وضرورة في طرابلس، بينما يستمر الكثيرون بطباعة "إمساكية رمضان"، وتوزيعها مجاناً "عن روح" فلان من الأهل، أو دعاية لمحل تجاري، أو لجمعية خيرية.

إمساكية رمضان

اشتقت الإمساكية من "الإمساك"، وهو الامتناع عن الطعام والشراب في نهار رمضان ولم يتم تحديد متى ظهرت أولى الإمساكيات في التاريخ. ولكن من المرجح أنها ظهرت في عصر محمد علي باشا في مصر. وتم توزيعها على دواوين الحكومة مع أمر لكل الموظفين بعدم الكسل والإهمال في العمل وعدم التراخي في توزيعها.

وتطورت الإمساكية الرمضانية من العشرينيات للأربعينيات على صور وأشكال وأغراض مختلفة، إلى أن تم استغلالها كوسيلة للدعاية للمنتجات والمحال التجارية، فكانت أول إمساكية للدعاية خاصة بمطبعة تمثال النهضة المصرية في رمضان من عام 1347 الموافق فبراير/شباط 1929 ميلادية، وأُعلن فيها استعداد المطبعة لطبع كافة الكتب.

ثم انتقلت الإمساكية لمرحلة الإعلان التجاري عن المنتجات والبضائع على يد رجل الأعمال اليهودي داود عدس، الذي طبع أول إمساكية لسلسلة محلاته في رمضان سنة 1364هـ الموافق أغسطس/آب 1945م، لكن اختلفت إمساكية عدس عن غيرها، كونها كانت مرفقة بمعلومات عن الصيام وفضله وأسباب فرضه، وأسفل هذه المعلومات إعلان دعائي لمحله وتوفر البضائع فيه.

وأعطت إمساكية داود عدس الفكرة لآخرين لطبع إمساكياتهم ذات الورق المُتعدد، فطور بعد ذلك أحد تجار العطارة إمساكية ضمت أحكام الصيام، وبعض الأدعية والآيات القرآنية وأذكار الصباح والمساء وأحكام زكاة الفطر وأجندة مواعيد في عام 1356 هجريا، نوفمبر/تشرين الثاني 1937 ميلاديا، وهو الطقس الذي ما زال متداولا حتى الآن.

وكان سر تميز إمساكية رمضان المطبوعة من محلات داود عدس آنذاك أنها كانت تُوزع على المارة في الشوارع والمصلين في المساجد، فضلا عن تطور شكلها عاماً بعد عام.

مدفع رمضان

أما مدفع رمضان، فهو من "ثوابت" طرابلس أيضاً. وأصل فكرته انطلقت من مصر قبل نحو ستمئة عام، ثم انتقل إلى الدول العربية واحدة تلو الأخرى.

وتعددت الروايات عن بداية استخدام المدفع الرمضاني في مصر، إلا أن الآراء انحصرت في ثلاث:

ـ الأولى تعود إلى عهد الوالي المملوكي خوش قدم، حيث بدأ المدفع عمله سنة 869 هـجريا، بعد أن تلقاه هدية من ألمانيا، ومع غروب شمس يوم الأول من رمضان سنة 869 هـجري، سمع المصريون دوي طلقة المدفع، فظنوا أنها إيذانا لهم بالإفطار، فاستحسنوا هذا التقليد الجديد، وصار طقسا شعبيا.

ـ الثانية تعود إلى عصر محمد علي باشا، حيث بدأت عام 1811، وحين امتلك جيشه مدافع حديثة الصُنع أمر بإحالة المدافع القديمة للمستودعات، ووضع واحداً فقط في قلعته كتذكار لانتصاره.

وفي أحد أيام رمضان انطلقت من المدفع طلقة مع أذان المغرب، فظن الناس أنها كانت وسيلة لإعلامهم بموعد الإفطار وابتهجوا لذلك، ومنذ هذا الحين أمر الوالي بإطلاق المدفعية وقت الإفطار والإمساك.

ـ الثالثة، فتعود إلى عصر الخديوي إسماعيل، حيث كان جنود الخديوي يُنظفون المدافع الحربية الموجودة بالقلعة، فانطلقت بالخطأ قذيفة من المدفع وقت غروب الشمس في رمضان، فاعتقد الشعب أنه تقليد حكومي جديد واستحسنوه.

وعندما علمت ابنة الخديوي الأميرة "فاطمة" بالأمر، أعجبت بالفكرة، وأصدرت أوامرها بأن تُطلق قذيفتان يوميا: الأولى وقت الإفطار، والثانية لحظة الإمساك، ومنذ ذلك الحين ارتبط المدفع بإبنة الخديوي إسماعيل فسُمِّي "مدفع الحاجة فاطمة".

واستمر المدفع يعمل بالذخيرة الحية حتى عام 1859 ميلادية، حتى ظهرت الذخيرة الخُلَّبية "الفشنك".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.