الكذب "عرف قائم".. لتبرير الفساد السياسي!

 بسام ضو (*)

يُعرِّف العلم المالي الإفلاس بأنه "تحوُّل من اليُسر إلى العُسر، بمعنى عدم القدرة على الإلتزام بما هو مترتِّب على شخص ما". كما يُعرِّف العلم المالي أيضًا الإفلاس الاحتيالي بأنه "هو الإفلاس الذي يقع به شخص ما نتيجة إحتياله وإخفائه ما يوجب عليه القانون إظهاره، أو الإقرار بأمور حسابية غير صحيحة وسليمة". وأستطرد لأشير إلى نص المادة 683 من قانون المعاملات التجارية العالمي على أنه "لا يجوز لمن شهر إفلاسه المادي والمعنوي وفاقد الثقة أن يكون ناخبًا أو منتخبًا أو معينًا في وظيفة حكومية أو جمعيات مهنية أو…، ولا أن يكون مديرًا أو عضوًا في مؤسسة حكومية…".

كباحثين في الشؤون السياسية، لاحظنا هذا الكـم من السياسيين الكَذَبَة الدجّالين، وقد أدّى التفّشي الهائل لظاهرة الدجل والكذب السياسي لتحوّله إلى مفهوم نظري، وأن يتّخذ مفهومًا تفكيكيًا لعقول الناس، بحيث باتوا مخدّرين أمام هذا الكذب السياسي والذي أصبح أيضًا جزءًا بنيويًا من العمل السياسي المتّبع في لبنان، سواء كان استبداديًا أو شموليًا، فهؤلاء السّاسة يجدون دائمًا من المبررات العمليّة المقنعة لممارسة كذبهم على الناس، وهم عمليًا مرتاحو الضمير المفقود أصلاً إزاء الحق الضائع، طالما أنهم يؤمنون أنّ السياسة هي "فن الكذب"…

سألتُ أحد المسؤولين الذي كُنتُ من محبّذيه سابقًا وفرّقتنا السياسة "ألا تخشى من أن يكتشفكَ أنصاركَ في يومٍ من الأيام؟"، أجابني: "الكذب من اللواحق الضرورية وليس العرضية، والكذب يُحررني من ضرورات ومتطلبات الناس ومن الواقع الذي نعيش فيه، وإنه وسيلة في أيدينا لإحكام سيطرتنا على المجتمع الذي نمثّله مستغلّين حاجاته في العمل والطبابة والتعليم وغيرها…"! إنه عُرفٌ قائم. وسألت نفسي كيف يمكن لشعبٍ أن يقاوم طبيعة كذب سياسيّة؟ هل سيقاومه بالفكر البنّاء النقدي؟ أم سيبقى غائبًا عن السمع والإدراك؟! واستنتجتُ أنّ أكثرية السياسيين في لبنان يبررون أسباب لجوئهم إلى الكذب بالحكم المسبق الذي ينص على أنّ الحقيقة تتّسم في أكثر الأوقات بالعاقر!

إنّ العلم السياسي لا يتكوّن من مجهول. هذا من الناحية العلمية ـ القانونية، هو يرتكز على برامج ومشاريع إنمائية ـ مجتمعية ـ اقتصادية ـ تربوية ـ زراعية ـ اقتصادية وغيرها؛ يقودها أفراد يتميّزون بالصدق والنزاهة. أما في لبنان فتغيب المشاريع، وتُمارس الخدعة السياسية، وضروب المناورة والمراوغة والتعمية، وممارسة الكذب المُنظّم، والافتراء، وإخفاء الحقائق… أي وبصريح العبارة ممارسة الكذب لتحقيق الإحتفاظ بما طالت أيديهم من مكاسب السلطة. صدق الفيلسوف نيكولو مكيافيلي حين قال "السياسي ينتصر دائمًا بالخداع والحيلة"، وهذا أسلوب تعوّدنا عليه في لبنان.

وللكذب السياسي عدّة أهداف، وغالبًا ما يوجههُ السياسيون للاستهلاك الداخلي، أي خداع الرأي العام، مستعملاً العديد من أساليب الإقناع المقنّعة التي تهدف إلى تضليل الرأي العام وإسكاته. إنّ الأغلبية الساحقة من السياسيين لا يستطيعون قول الحقيقة طالما أنهم متورطون في التزاماتهم، أو بسلطة، أو بدولة تُغدِق عليهم الأموال، والويل لمن يتجرأ على مواجهته وكشف كذبه، فيوجّه سِهامه إلى من وقف بوجهه عبر مجموعات موالية له، ربما تكون من الأجهزة الرسمية في الدولة التي تعمل تحت أمرته.

بينما يستمر مسلسل الإفلاس السياسي عندنا، تنحو الأوضاع العامة في البلاد من السيء إلى الأسواء، أمام تقصير السياسيين وتجاهلهم لمتطلبات الشعب اللبناني وبما يخص أوضاعهم وفي شتّى المجالات. فالنظام السياسي اللبناني يُعاني من خلل بنيوي، وقد أصبح لبنان منذ الستينات ميدانًا لصراعات الآخرين، وهذا الأمر خلّف العديد من الآثار السلبية على إدارات الدولة المدنية والعسكرية. والدولة تعاني من تقاسم المناصب والمنافع والمصالح. إضافةً إلى تلك الأمور السيئة، باتت الأرض اللبنانية منصة مجيّرة للغرباء لتصفية حساباتهم، وينعكس الأمر سلبًا على الشعب اللبناني… ونحن اليوم نعاني من مشكلات إقتصادية وأزمات خانقة وعلى كافة الصعُد… والمؤسف أنّ هناك قوى لا تُعير أهمية للسيادة الوطنية ولا تُقيم وزنًا للقوانين الدولية ولا حتى للدستور اللبناني. وبات جليًا أنّ أهل السياسة عندنا غير مؤهلين للتعامل مع معضلة تصاعد حدّة الخلافات الداخلية، والخلافات الإقليمية، والخلافات الدولية، وكلها أخطار مُضاعفة تتعرض لها السيادة الوطنية اللبنانية، إضافةً إلى حكومات قائمة وغير متجانسة ولا تُنتِج، وأصابها الشلل في كل المراحل بفعل الخلافات، وهي لم تفلح حتى في حل أبسط الازمات، ومنها النفايات التي تتفاقم يومًا عن يوم، والبطالة والهجرة… إضافةً لعدم تبلور رؤية سياسية واضحة الأهداف…

ما من مشهد يتّسم بهذا القدر الهائل من الكذب والرياء والتعجرف، وما من بلد في محيطنا شاع فيه الإفلاس السياسي كلبنان، وما من بلد في محيطنا دُمِّــرَ على أيادي أعداء ـ أصدقاء ـ أهل ـ سياسيين، إلا لبنان! لبنان بات ساحة للنهب المنظّم. يجتمع السياسيون ويُصرحون عكس ما يضمرون، ويخطئ كل مواطن إذا صدّق ما يقولون…

الدين العام وصل إلى ما يفوق الـ 90 مليار دولار، أنفقوها بدون وجه حق وعبثًا، ومؤسسات الخدمات لا وجود لها إطلاقًا وهي ما زالت تحت الصفر. وإنفاق مفرط على شراء الذمم والرشوة والفساد، وتوظيفها في الإنتخابات النيابية التي أسفرت عن نتيجة وهمية في الحساب الديمقراطي، حيث تم إنتاج السلطة نفسها، بوجوه مستعارة مختلفة ولكنها تأتمر من "الباب العالي"، وبشعب خنوع مطواع أُرْغِمَ على الإقتراع ليستفيق على واقع أليم: مجلس نيابي غير منتج…

بهذه الأموال المهدورة كم فقير كنتم قد أطعمتم؟ كم طالب كنتم قد علّمتم؟ كم مدرسة وجامعة كنتم قد بنيتم؟ كم مستشفى كنتم قد عززتم؟ علمًا أنّ هذا الهدر الموصوف الذي لا نفع فيه ولا طائل من ورائه، ما زال مستمرًا لغاية اليوم، والمؤسف أنكم تُشرّعون مد أيديكم على مستحقات الشعب المسكين، سواء كان من طبقة الموظفين المدنيين أو الموظفين العسكريين…

مجالات هدر المال لا يمكن إحصاؤها وحصرها، إذ كل واحد منكم هو الشخص المُكلف بمزاولة مهنة هدر المال العام التي شرّعتموها وفقًا لمصالحكم؛ وبلغت وقاحتكم بمد اليد على حقوق المتقاعدين المدنيين والعسكريين، بينما هناك العديد من أبواب الهدر ما زالت مُشرّعة لأنها تُغدق عليكم المال الحرام…

كباحثين ومثقفين وناشطين سياسيين، نراهن على التغيير وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا الوطن المشرذم الذي لم تعد للحياة الكريمة فيه من سبيل، وهذه حقيقة تؤكدها الوقائع القائمة أمامنا… الإفلاس السياسي والأخلاقي والتخاذل، تحكّموا بالبلاد وبمؤسساتها الشرعية المدنية والعسكرية، تارة باسم الديمقراطية المزيفة وطورًا تحت مسميات "إستعادة الحقوق"، وكل مجموعة تُعرِّف الحقوق على طريقتها، وبالآلية التي ترتضيها لواقعها السياسي فقط.

إنّ الحلّ الوطني الذي يفرض نفسه ويُجبر هذه الطبقة السياسية المفلّسة على الرضوخ له، يكمن في إستمرار حالة التصعيد الغاندية بالعمل النضالي الرافض لكل هؤلاء المفلّسين، حيث بات من المؤكد أنّ تشكيل النظام والحكومات على قاعدة المحاصصة، وحتى إنْ تم تمريرهما على قاعدة الضغوط بالمقاطعة أو التفاهمات الجانبية على المصالح والامتيازات، سوف لن يستمّر، ولن يؤدي إلى سلطة تغيير وقرار يوفر الأمن والإعمار والديمومة…

إن خيار الشرفاء هو اعتماد التصعيد الوطني المناضل، ليقذف بهذه الطبقة السياسية إلى المحاكم لإسترجاع وطن طالما حلمنا به حرًا سيدًا مستقلاً، غير مستغل لصالح طبقة سياسية مفلّسة وفاقدة للحسّ الخُلُقي وتتّصف بالتخاذل.

(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.