"ثورة رمادية".. خلف الخطوط الحمراء!

الدكتور فادي سعيد دقناش (*)

منذ العام 2011 بدأت عدوى "الثورات الربيعية" تَنتَقِل من بلد عربي لآخر تحت شعارات الحرية والمواطنة وحقوق الإنسان. والمُراقب منَّا يرى بأنَّ أبرز النتائج التي أفرزتها تلك "الثورات" هي: الفقر، الجوع، الأمية، التطرف، العنف، إراقة الدماء، انهيار اقتصاد البلاد، وهجرة الناس وتشردهم في كافة أنحاء العالم… ويُرجِع البعض أسباب تلك الظاهرة إلى الظلم الاجتماعي والاستبداد السياسي المُتمادي، المُمارَس بحق الإنسان العربي منذ عقود طويلة، فيما يرى البعض الآخر بأنَّها ظاهرة مستوردة من خارج الحدود، مُستنداً بذلك إلى نظرية "المؤامرة".

لعلَّ واقع الحال يثبت بأنَّ تلك الأسباب مجتمعة هي مَن أنتجت حالة الفوضى والبلبلة في عالمنا العربي. لذلك إذا ما أردنا السير بمقولة "الثورات العربية"، فالأجدر أن تكون هذه الثورات "ثورات خريفية" وليس "ربيعية"، وهذا ما أثبتته التجارب السابقة، كون الربيع يرمز لإعادة التجديد والتغيير، وهذا للأسف ما لم يحدث في أي بلد عربي طالته هذه "الثورات"، مع التحفظ على مصطلح "ثورة" كونها تعني، وفق ما يُجمع عليه السوسيولوجيون، بأنَّها "انقلاب سياسي اقتصادي اجتماعي، يرمي إلى إبدال نظام قديم لسلطة جديدة تُحَوّل علاقات الإنتاج والتراتب في مجتمع معين".

في هذا السياق يرى أستاذ علم الاجتماع الدكتور غسان الخالد في كتابه "الهابيتوس العربي"، بأنَّه لا يمكن الحديث عن "ثورة" ما لم يتم التغيير الجذري في مجموعة من البنى المؤسسة للمجتمع، ونعني بذلك البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية… ومثالنا على ذلك ما حصل في الغرب، حيث شكَّلت الثورة الفرنسية مساراً جديداً وفضاءً أضاء طريق مستقبل الأمة الفرنسية، على الرغم من العقبات الجمة والوقت الطويل الذي استغرقته لبداية الصعود، فكانت ثورة على كل البنى الاجتماعية القديمة: ثورة معرفية (مفكري عصر الأنوار)، وثورة سياسية (تغيير النظام السياسي الذي كان قائماً)، وثورة صناعية.

من هنا نستنتج بأنَّ كل ما حصل ويحصل في العالم العربي، هو مجرد فوضى وضياع لعدم وجود رؤية وهدف لهذا الحراك سوى إسقاط النظام وإبداله بآخر، حيث يستمر هذا الآخر "الجديد" في النهج "القديم" ذاته بإدارة البلاد، مع استبدال وتعديل بعض الشعارات التي تُناسب المرحلة الجديدة، وضمن حدود البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية المترهلة التي هي بحاجة أقلّه للتجديد، إن لم نقل نسفها وإعادة بنائها من جديد.

وقياساً على تعريفنا النظري لمصطلح "الثورة" الذي أوردناه في مقدمة المقالة، نتساءل عن إمكانية حصول "ثورة" في لبنان، على شاكلة "الثورات الربيعية"، خصوصاً في ظل الحراك الذي يحصل في الميادين والساحات تحت عناوين اجتماعية بين الحين والآخر.

لا شك بأنَّ الكثير من الباحثين والمراقبين يحذرون من خطورة الوضع الاقتصادي في لبنان، ومن مغبة سقوطه في أتون الحروب العبثية تحت وقع انفجار اجتماعي، بخاصة مع تصاعد حفلات الجنون الشعبي، تحديداً موظفي القطاع العام الرافضين المساس بأي جزء من رواتبهم تحت أي ذريعة، والمجون السياسي من خلال محاولة تراجع السلطة السياسية عن "خطيئة" سلسلة الرتب والرواتب التي أقرتها في العام 2017 عشية الانتخابات النيابية، والتي أحدثت شرخاً مجتمعياً في البلاد بين قطاع عام مترهل وقطاع خاص منهك. وتعمد السلطة السياسية حالياً محاولة التصحيح والترقيع بالعشوائية وبالذهنية "الإصلاحية" نفسها، بالرغم من تعرضها قبل وبعد إقرار قانون "السلسلة" لاحتجاجات المتضررين منها ومطالبتهم بضرورة إعادة النظر بها أو تصحيحها، نتيجة الغبن الذي لحق بهم، ولعدم تحقيقها للعدالة والمساواة لشريحة واسعة في المجتمع اللبناني، وتحديداً متقاعدي القوى المسلحة الذين لا يزالون حتى الآن يدفعون ثمن "المجزرة" التي ارتكبت بحقهم، بعد أن قرَّرَت السلطة حرمانهم من حقوقهم المفترضة، أقلَّه منذ زيادة سلفة غلاء المعيشة في العام 2012، وصولاً إلى تجزئة الزيادة على رواتبهم خلال فترة 3 سنوات، دون أن تلتزم بتنفيذ النص القانوني بحرفيته حتى الآن.

ها نحن اليوم، خلال مناقشة مشروع موازنة العام 2019 "التقشفية" في مجلس الوزراء، نشهد حالة من الهلع والبلبلة لدى معظم اللبنانيين الذين يشعرون بتهديد أمنهم الاجتماعي والاقتصادي، على خلفية ما يتم التدوال به في العلن والخفاء عن إمكانية انخفاض قدرتهم الشرائية، وحسم جزء من رواتبهم بذريعة عدم سقوط البلد في "المحظور" كسيناريو اليونان وأخواتها…

عادت باللبنانيين الذاكرة إلى الماضي القريب المرعب، واستذكروا مآسي الحرب العبثية التي شهدت فيها العملة الوطنية تدهوراً تاريخياً (ما زالت تداعياتها ماثلة في ذاكرتهم حتى الآن)، وما ترافق معها من طوابير الذل والعار أمام الأفران ومحطات المحروقات والمياه…

وخوفاً من المس بمكتسباتهم، افتتح العسكريون المتقاعدون احتجاجات الأسبوع الماضي على خلفية مشروع الموازنة المقترح والذي نص في أحد مواده اقتطاع جزء من رواتبهم المقتطعة أصلاً، كما تداعت بعدهم كل القطاعات المستهدفة إلى الاحتجاج في محاولة ليّ ذراع السلطة السياسية لتحذيرها، أو بالأحرى لمنعها من المسّ بأي من مكتسباتها "التاريخية" (قطاع الاتصالات "أوجيرو" ـ مصرف لبنان ـ مرفأ بيروت ـ أساتذة الجامعة اللبنانية ـ القضاة…).

إنَّ هذا المشهد يكشف مدى تخبط السلطة السياسية وانفصامها عن واقع مجتمعها، وأيضاً هشاشتها من الداخل، وهذا ما يعكسه تمسك كل قطاع من قطاعاتها الانتاجية بمكتسباته الوظيفية، وكأنَّ الدولة بمكان ومؤسساتها بمكان آخر، ومَن هم خارج القطاع العام إمَّا "لاجئون" لدى أرباب عملهم المنهكين من الواقع الاقتصادي السيء، وإمَّا "رأسماليون" متمولون يستفيدون من ثغرات النظام الاقتصادي القائم، متكافلين متضامنين مع نخب السلطة السياسية.

وأمام الحقوق التي يطالب بها موظفو القطاع العام "المحقة" في مكان ما نتساءل: لماذا استفاقت السلطة السياسية اليوم وقرَّرَت إجراء عملية تقشف من جيوب الموظفين دون استهداف القطاعات الإنتاجية الاخرى كالمصارف التي استفادت من هندسات مالية، وأصحاب رؤوس الأموال المكدَّسة فيها، والمتهربين من دفع الضريبة، ومافيات الكسارات والأدوية والمحروقات والمولدات الكهربائية، والمعتدين على الشواطئ البحرية والنهرية، ومغتصبي الأملاك العامة أو المستأثرين عليها بأبخس الأثمان و… و… و…؟

هل يجوز أصلاً أن تُقِرَّ السلطة زيادات على الرواتب قبل القيام بإصلاحات هيكلية بنيوية في إداراتها، وقبل مساءلة أي موظف أو مسؤول عن مصدر ثروته المنتفخة ومصادرتها لحساب خزينة الدولة ومعاقبة المرتكب جزائياً ليكون عبرة لغيره؟

وهل يجوز الاستمرار بهذا النهج من خلال رفد الإدارة العامة بالزبائنية السياسية والمحاصصة الطائفية، دون الأخذ بعين الاعتبار معيار الكفاءة والاستحقاق؟

أمام هذه التساؤلات، هناك من يقول الآن بوجوب قيام "ثورة" تكون شرارتها المطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية للمواطن اللبناني… لكنَّ كلمة السر ستأتي لمن يعنيه الأمر، والحقيقة ستبدو أكثر إيلاماً! فالثورة في لبنان لا يمكن توصيفها بأكثر من احتجاج، وخطوطها الحمراء تقضي بعدم فك تزاوج التركيبة السياسية ـ الطائفية، أو بالأحرى عدم تجاوزها، هي ثورة (لمن يُصرّ على استخدام هذا المصطلح) "رمادية"، لا "بيضاء" على قياس ثورة "غاندي" اللاعنفية، ولا "حمراء" على قياس "الثورة الفرنسية" أو "البولشيفية". إنَّها "ثورة" لا يجيد لعبها سوى اللبناني الذي اعتاد عدم المس ببنيته الطائفية، المجبولة بذهنية قَبَلِيَّة عصبية، عصيَّة على الاختراق حتى من آلاف الصواريخ العابرة للوطنية.

وفي النهاية، عند تصغيرنا للصورة بالـ"ميكرو" MICRO، يبدو لبنان شبيهاً بسفينة تسير وسط محيط هائج، يقودها أكثر من ربَّان، ويجهل كل منهم استخدام الخرائط والأدوات المناسبة للنجاة، كما يعمد كل منهم بالسير فيها باتجاه مغاير للآخر. أمَّا البحارة والركاب فَهُم يتخبطون ويتصارعون ويتدافعون في الداخل بسلاح "الطائفية ـ السياسية" علَّ كل طائفة منهم تخرج بسلام. لكن للأسف، الجميع غير مدرك بأنّه يستخدم الأداة أو "الطوق" الخاطئ للنجاة، فالمركب واحد، والمصير واحد… والله واحد.


(*) كاتب وباحث في علم اجتماع المعرفة والثقافة

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.