المداورة في الوظائف القيادية.. حيوية في الإدارة العامة

فيصل طالب (*)

لا شكّ أن التحدّيات الكبيرة التي تواجهها الإدارة العامة، في ضوء الواقع الإداري الراهن الذي لم يعد يفي بالحاجات التي يتطلّبها الدور المناط بهذه الإدارة لتكون الوجه الأقرب للدولة إلى مواطنيها، وبالاستناد إلى التطوّرات الهائلة التي طرأت على العلم الإداري والاستراتيجيات الإدارية الحديثة،  تستوجب تجاوز المفاهيم التقليدية للإدارة العامة، والانفتاح على آفاق الحوكمة الرشيدة والتنمية المستدامة للموارد البشرية، على قاعدة تحديث الهيكليات الإدارية لمواكبة المهمات المستجدة للإدارة، وسنّ القوانين ذات الصلة بالعمل الإداري برؤى التحديث والفاعلية، وتطوير آليات الرقابة الإدارية والفنية، وإعادة النظر في آليات التوظيف، واعتماد التوصيف الوظيفي لتحديد متطلبات إشغال الوظيفة العامة، وتعزيز القدرات والمهارات، وتصليب الانتماء الإداري، وخلق الحوافز وإتاحة الفرص للتقدّم الوظيفي، وتوفير عناصر الاستقطاب لأصحاب الكفاءة للتعيين في الوظيفة العامة، والتقييم المستمر للوحدات الإدارية، واعتماد نظام "أوديت" لتشخيص المشكلات الإدارية وتبصّر الحلول المناسبة لها، والتقييم المستمر لأداء الموظفين، ونقل الحديث المكرّر عن الحكومة الإلكترونية من إطار الخطاب إلى حيّز الفعل والتطبيق… من غير أن ننسى بطبيعة الحال الشروع في تنفيذ المداورة في الوظائف الإدارية القيادية، وهي الفكرة التي تواتر الحديث عنها منذ عقود في مواقع القرار السياسي، وفي منتديات الإصلاح الإداري وأدبياته، من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ.

بعد البدء بتنفيذ اتفاق الطائف، راح مفهوم طائفية الوظيفة العامّة يترسّخ شيئاً فشيئاً في استحقاقات التعيينات الإدارية في وظائف الفئة الأولى، والذي لم يلبث أن انسحب على وظائف في الفئتين الثانية والثالثة، بحيث انتهينا إلى تحديد الوظائف القيادية الخاصة بكل طائفة، وبخاصة في وظائف الفئة الأولى. إنّه واقع جديد أضيف إلى ما كان سائداً في الإدارة العامة من بقاء رؤساء الوحدات الإدارية في مراكزهم، إلى أن يحين موعد إحالتهم على التقاعد، فأصبح لإشغال الوظائف ديمومتان: ديمومة الشخص، وديمومة الطائفة؛ وذلك في مسار تعميق الهوّة التي سقطت فيها الإدارة اللبنانية في هذا النطاق.

 

إنّ المبدأ الرئيس في هذا المجال يقوم على قاعدة أنّ الموظّف للوظيفة، وليست الوظيفة للموظّف. وعلى هذا الأساس يمكن القول إنّ المداورة في إشغال الوظائف القيادية من قبل الموظفين المناسبين لا يكسر فقط هذه الحلقة بثنائيتها الشخصية والطائفية، بل يتعدّى ذلك إلى توفير دينامية دائمة في الوحدة الإدارية، من خلال اضطرار رئيسها الجديد، وكذلك المرؤوسين، إلى تحفيز أنفسهم، واستحضار أقصى طاقاتهم، واستنفار أفضل ما لديهم، ليتمكّن كل فريق من تقديم نفسه إلى الآخر، بالصورة المرضية والمتمكّنة منهجاً وكفاية وأداء. وبذلك يرتفع بالتأكيد منسوب الإنتاجية الإدارية، وتنخفض نسبة السلبيات لدى موظفين ترهّلت علاقاتهم التسلسلية ببعضهم البعض بفعل تقادم زمنها؛ وهو ما يسهم في إفساح المجال لظهور حالات استرخاء وتراخٍ، يمكن أن تدخل من شقوقها أحياناً مظاهر الفساد والتردّي من قبل ضعيفي النفوس.

إنّ الدستور اللبناني لم يخصّص أيّ منصب إداري لطائفة دون غيرها، بل أكّد على أنّ الجدارة والاستحقاق والكفاية هي المعايير الوحيدة لتولّي الوظائف العامة، ومن ضمنها بطبيعة الحال وظائف الفئة الأولى وما يشابهها؛ الأمر الذي يحتّم عدم تكريس مثل هذا التخصيص بالعرف والممارسة، لأنّه إخلال كبير بمبدأ المساواة الذي يعني المواطنين ولا يعني طوائفهم. وعليه فإنّ تداول المواقع الإدارية العليا ضمن نطاق الوظائف المتجانسة، بعد إجراء التوصيف والتصنيف الوظيفييّن اللازمين، واقع في محلّه الدستوري والوطني؛ على أنّه لا يجوز أن يبقى الموظف المعني في موقعه أكثر من خمس سنوات كحد أقصى.

إن اعتماد سياسة المداورة الوظيفية في الأطر العليا شرط من شروط التنمية الإدارية القائمة على رفد الإدارة بطاقات العمل المتجدّدة، بصورة دائمة وبعيدة عن تداعيات الرتابة، أو ما يُسمّى بالروتين الإداري الذي لا تحمل تبعاته النصوص القانونية والتنظيمية غير المحدّثة وحدها، بل افتقار العمل الإداري أيضاً إلى الفكر المتجدّد، والقرارات إلى صياغات برؤى المشاركة، والأداء إلى حيوية الحضور والفاعلية والتميّز؛ على قاعدة أنّ القادة الإداريين يتوقّف على أدائهم  في تحمّل مسؤولياتهم في إدارة المرافق العامة نصيبٌ وافر من أداء مرؤوسيهم ومنسوب إنتاجيتهم؛ الأمر الذي يظهّر للرأي العام في نهاية المطاف أداء القطاع الإداري برمته.


(*) المدير العام السابق لوزارة الثقافة

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.