جنبلاط في "لحظة التخلّي".. والرسائل المحرجة

لم يكن خروج وليد جنبلاط عن السكّة الضيقة التي تصل المختارة بالضاحية مجرّد "لحظة تخلّي". هذه المرّة لم يعد ممكناً القفز فوق كومة الصخور التي تراكمت على الطريق بين الحزب التقديم الاشتراكي وبين حزب الله.

بعث وليد جنبلاط رسائله بالبريد السريع في اتجاهات مختلفة، لكنها رسائل تقاطعت ـ ربما بالصدفة ـ مع لحظة إقليمية وداخلية حرجة لم يستطع فيها حزب الله إدارة "الإذن الطرشاء" وكظم غيظه. هذه المرّة ضرب الحزب بيده على الطاولة ووقف مغادراً مساحة اللقاء الضيقة التي كان جنبلاط يتربّع فيها مع الحزب.

ثمة من يقول إن انزعاج حزب الله هو تراكمي، وإن قراره لم يكن وليد انفعال اللحظة، وإنما بعد أن تبيّن للحزب أنه لم يعد قادراً على الاستمرار في حماية العلاقة مع زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي، بينما جنبلاط يغرّد بعيداً في مواقفه وحساباته وتقاطعاته ورهاناته.

وثمة من يقول إن حزب الله لطالما كان يأخذ على عاتقه الدفاع عن وجهة نظره بالعلاقة مع جنبلاط، على الرغم من وجود نزعات داخل الحزب كانت تدفع لعدم السير بهذا الخيار الذي تسبّب بخسارة حلفاء داخل الطائفة الدرزية.

كما أن هناك من يتحدّث بثقة كبيرة عن كلام سوري بسقف مرتفع جداً ضد جنبلاط وضد خيار حزب الله باستمرار العلاقة معه على الرغم من مواقفه من سوريا ودوره في "تحريض دروز سوريا" على النظام.

أكثر من يعرف تفاصيل هذا الواقع هو الوزير السابق وئام وهاب الذي كان أحد ضحايا التفاهم بين حزب الله وبين وليد جنبلاط في الانتخابات الماضية. لكن "ثورة" وهاب استطاع الحزب احتواءها بصعوبة، في حين أن رئيس حزب التوحيد العربي بقي ممتعضاً ولم يقتنع بكل المبررات التي سيقت له.

أحرج وليد جنبلاط حزب الله في الداخل مع حليفيه طلال أرسلان ووئام وهاب، وأحرجه في الخارج مع سوريا وإيران.

أما الحرج الأكبر فقد أصاب رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي كان يأخذ جنبلاط في صدره، ويؤكّد التزامه بمفاعيل التفاهم غير المكتوب مع حزب الله.

استهلك بري كل حججه لإقناع الحزب بالاستمرار في العلاقة مع جنبلاط، فأصيب بالإحباط هو الآخر، وقد عاتب صديقه على مواقفه، لكن جنبلاط توغّل في مساره السياسي الجديد ـ القديم، وهو ما زاد من الضغط على رئيس المجلس.

صار الكلام علنياً في أوساط سياسية وإعلامية تصنّف في خانة المقربين من حزب الله أن جنبلاط قرر ركوب موجة العقوبات الأميركية على إيران وسوريا وحزب الله، وأن مواقفه جاءت متزامنة مع تصعيد هذه العقوبات وبُعيد زيارة وزير الخارجية الأميركية مارك بومبيو إلى بيروت.

في هذه الأوساط من يقول إن جنبلاط أخطأ مرة جديدة في قراءة المرحلة، وخاض مجدداً رهانات خطرة، بناء على أجواء عمّمها الأميركيون بأنه سيكون هناك تغيير كبير في المنطقة.

يعلم حزب الله ويعترف أنه لم يكن ينتظر من وليد جنبلاط أن ينضمّ إلى "محور المقاومة"، لكنه كان يراهن على تحييد الملفات الخلافية وتهدئة الخطاب السياسي من أجل مرحلة يستطيع فيها صياغة مصالحات تفتح الطريق لوريث جنبلاط نجله تيمور في لبنان وسوريا.

لكن وليد جنبلاط "لعب بالنار"، على حدّ تعبير أحد السياسيين الذين يزورون سوريا باستمرار. ويبدو أنه سمع في دمشق كلاماً قاسياً ونبرة عالية ضد رئيس الاشتراكي، وقد عاد إلى بيروت لينقل هذا الجو المتوتّر إلى "من يعنيهم الأمر".

نجح الرئيس بري أخيراً في ربط عقدة من الخيوط المتقطّعة. تراجع جنبلاط نحو الهدوء، ونفّذ خطوة كبيرة إلى الوراء في قضية الشويفات مع طلال أرسلان، ثم وضّب حقيبة سفره وغادر لبنان.

صورة جنبلاط في المطار بين المسافرين المنتظرين دورهم، كانت توحي بأكثر من إشارة.

الإشارة الأولى أنه ما زال مطمئناً إلى وضعه الأمني، بخلاف ما كان قد تسرّب قبل سفره.

الإشارة الثانية أن جنبلاط ما زال يمتلك قدرة على التكيّف مع التحولات.

الإشارة الثالثة أن سفر جنبلاط ليس هجرة… فمن يريد الهجرة السياسية خوفاً، يمكنه السفر بخفر.

ثمة تأكيدات أن جنبلاط عائد قريباً، لكن قلقه سيكون منصبّاً على كيفية دفع إبنه تيمور ليكون وريثاً… خصوصاً أنه يراقب حركة ابنته داليا التي بات مقتنعاً بأنها أكثر قدرة من تيمور على العمل السياسي وأكثر نضوجاً.

لا يرغب جنبلاط بتوريث ابنته داليا وتكرار حالة جدته لأبيه السيدة نظيرة جنبلاط التي ورثت زعامة فؤاد جنبلاط، ثم أورثتها إلى والده الزعيم كمال جنبلاط.

لكنه مع ذلك بدأ يقرأ الواقع ببعض البراغماتية، وقد يجد نفسه مضطراً في لحظة ما للقبول بهذا الخيار، وإن كان حتى اليوم على رهانه بالنسبة إلى توريث تيمور.

لدى جنبلاط الكثير من الحسابات والمشكلات التي تؤرقه، وربما كانت مواقفه الأخيرة جزء من هذا الأرق القلِق حول مصير زعامة المختارة، بينما يراقب الهجوم المتواصل من خصومه التاريخيين والجدد في الواقع الدرزي.

بعد عودة جنبلاط، ستكون هناك خطوات مختلفة لإصلاح ما انكسر مع حزب الله، من دون أن يغادر موقعه السياسي، لأنه يدرك أن المبادرة السياسية ما تزال في الضاحية الجنوبية.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.