كيف يعالج الحريري "الانكشاف" الشعبي في طرابلس؟

كان يفترض أن تُسدل الانتخابات الفرعية في طرابلس الستار على الموسم الانتخابي، بعد أن حقّق تيار "المستقبل" ما أراد بتأمين فوز النائب ديما جمالي. لكن تداعيات تلك الانتخابات التي أنهكت التيار الأزرق وأربكت جميع قياداته، ما تزال فصولها مستمرة.

الأخطاء التي ارتكبتها جمالي خلال الحملة الانتخابية، استمرت بمزيد من الحدّة بعد الانتخابات، فتحّولت عبئاً داخل تيار "المستقبل" وفي بيئته وجمهوره، وربما لو عاد الزمن إلى الوراء قليلاً لكان الرئيس سعد الحريري قد فكّر كثيراً قبل ترشيحها، لكنه يتعامل اليوم مع الأمر الواقع.

يدين الحريري لبعض حلفائه بأنهم أنقذوه من السقوط، لكنه يعترف ضمناً بأنه أصيب بكدمات، وخرج من انتخابات طرابلس الفرعية إلى واقع جديد في المدينة التي لطالما كان يعتبر أنها عرينه وموطئ زعامته السنّية.

لم يعد الحريري قادراً على إنكار واقعه الضعيف في عاصمة الشمال. وبغض النظر عن حجم مشاركة كل واحد من حلفائه في تأمين حمايته في المدينة، إلا أنه صار محكوماً بالتعامل معهم باعتبارهم المرجع.

هذا الواقع دفع تيار "المستقبل" إلى إعادة دراسة وضعه في طرابلس. استراحة المحارب بعد الانتخابات لم تتجاوز الأسبوعين، وكان أحد أسبابها أن الأمين العام أحمد الحريري أصيب بوعكة صحية بعد الانتخابات، ربما بسبب الجهد الذي بذله على مدى شهر ونصف الشهر لتأمين فوز ديما جمالي.

لكن، وأياً كانت نتيجة القراءة التي سيخرج بها تيار "المستقبل" من الانتخابات الفرعية، فإن ثمة استنتاجات لا يمكنه القفز فوقها، من بين أبرزها أن تيار "المستقبل" فقد تأييد المزاج الشعبي العام بفعل "مرور الزمن" على الزخم الذي حصل عليه منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وللأسباب التالية:

ـ تراكم الأخطاء، حيث أن قيادات التيار اتخذت قرارات في أوقات مختلفة لا تراعي واقع طرابلس وجمهور التيار في المدينة، فضلاً عن قرارات اتخذها الرئيس الحريري نفسه وكانت لا تراعي مزاج المدينة.

ـ تبنّي الرئيس الحريري مواقف نافرة بالنسبة لطرابلس، من بينها قضية الزواج المدني، على الرغم من تراجعه لاحقاً عن تلك المواقف.

ـ التنازلات الكثيرة التي قدّمها الرئيس سعد الحريري لخصومه، وخصوصاً "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، والاستمرار بتقديم تنازلات لرئيس التيار الوزير جبران باسيل.

ـ غياب التمويل الذي كان يؤمّن للتيار في طرابلس زخماً في نشاطاته وحراكه السياسي والانتخابي، فضلاً عن انقطاع مخصصات مالية كانت تدفع لناشطين في قطاعات مختلفة.

ـ توقف المساعدات الصحية والاجتماعية التي كان يقدّمها في المدينة.

ـ القفز فوق رأي قياداته المحلية في العديد من القرارات، سواء بالنسبة للتعيينات الإدارية، أو بالنسبة للخيارات الانتخابية، واعتماده على أشخاص مقربين منه لكنهم من خارج الإطار التنظيمي للتيار، ولديهم خصومات شخصية مع قيادات التيار.

ـ استمرار قضية الموقوفين الإسلاميين من دون حلّ على الرغم من مرور سنوات عليها، خصوصاً أن معظم هؤلاء مازال من دون محاكمات.

ـ جولات المعارك التي حصلت بين التبانة والقبة مع جبل محسن في طرابلس، والتي انتهت بخسائر كبيرة في المدينة.

ـ الانشقاقات الصغيرة والكبيرة من صفوف حالة التيار، وحالات القضم التي حصلت من جمهوره.

ـ غياب العنوان السياسي الذي يمكنه تعويض كل تلك الأسباب.

لكن عنواناً آخر قد يكون أحد أهم أسباب "انكشاف" حالة تيار "المستقبل" في طرابلس، ويرتبط بالتحالفات التي كانت تغطي حجم "المستقبل" قبل أن تتفكّك. ففي العام 2005 كان تيار "المستقبل" جارفاً بسبب جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ومع ذلك اعتمد "المستقبل" على تحالفات مع الرئيس نجيب ميقاتي والوزير السابق محمد الصفدي والنائب محمد كبارة والجماعة الإسلامية… وفي العام 2009 كانت قضية أحداث 7 أيار التي حصلت قبل سنة من الانتخابات حاضرة، بل واستحضرها السيد حسن نصر الله وقدّم خدمة لتيار "المستقبل" عندما اعتبر أن "7 أيار هو يوم مجيد".

بعدها لم تحصل انتخابات، إلى أن جاءت انتخابات العام 2018، حيث خاض الرئيس ميقاتي الانتخابات بمواجهة "المستقبل"، ونجح النائب محمد كبارة والوزير السابق محمد الصفدي في تأمين الغطاء الشعبي للائحة "المستقبل".

أما في الانتخابات الفرعية قبل أسابيع، فقد جمع الرئيس الحريري كل تحالف العام 2005 والعام 2009 لخوض معركة انتخابات ديما جمالي بمواجهة مجموعة مرشحين مغامرين لا يستندون إلى أي كتلة ناخبة، ومع ذلك فقد جاءت النتيجة هزيلة من حيث نسبة الاقتراع، وكذلك من حيث حجم الأصوات التي اقترعت ضد جمالي، سواء للمرشحين المغامرين أو بالورقة البيضاء أو بالتعابير التي تضمّنت أوراق الاقتراع وجعلتها ملغاة.

وبعد، لم يعد ممكناً القفز فوق هذه الوقائع، وبالتالي سيكون الرئيس الحريري محكوماً بإعادة صياغة واقعه السياسي في طرابلس إذا أراد استمرار حضوره فيها. وأول وتد لإعادة نصب خيمة "المستقبل" في عاصمة الشمال لا يمكن أن يكون ثابتاً إذا لم يعتمد على قيادات التيار في المدينة، وهم الذين كانوا شبه متفرجين في الانتخابات الفرعية الأخيرة وعلى العمل لمرشّحة ليست من صفوفهم.

أما الخيمة التي يحتاجها الحريري فلا يمكن أن تكون ثابتة ما لم تكن حبالها مربوطة بحليفيه الأساسيين: محمد كبارة ومحمد الصفدي، على الرغم من قرار كبارة بعدم ترشيح نفسه في الدورة المقبلة، وهو أساساً لم يكن يرغب بالترشح لانتخابات 2018 لولا تمنيات الرئيس الحريري عليه، وعلى الرغم من انكفاء الصفدي في الانتخابات الماضية واكتفائه بدعم لائحة "المستقبل".

عندما أعلن المجلس الدستوري إبطال نيابة ديما جمالي، أراد كبارة الاستقالة وترشيح نجله كريم كبارة الذي تسلّم فعلياً إدارة الواقع الشعبي الذي يؤيد كبارة. لكن نزولاً أيضاً عند تمنّيات الرئيس الحريري، تراجع كبارة وقدّم الدعم الكامل للنائبة جمالي. ما يعني أن كريم كبارة سيكون في الانتخابات المقبلة هو المرشّح الذي يحتاج الرئيس الحريري للتحالف معه طمعاً بأصوات الحالة الشعبية التي تؤيده… إلا إذا قرّر كبارة التحالف مع غير "المستقبل" في المدينة.

أما الصفدي، فقد خاض الانتخابات دعماً لمرشحة الرئيس الحريري، بحرفية كبيرة، كعادته، عبر ابن شقيقه أحمد الصفدي الذي يتولّى إدارة ماكينة انتخابية تتفوّق بخبرتها وقدراتها على ماكينة تيار "المستقبل، وباقي ماكينات القوى السياسية في المدينة. وقد كانت الانتخابات الفرعية قبل أسابيع بمثابة اختبار لمدى تماسك الحالة الشعبية للوزير الصفدي على الرغم من انكفائه عن الترشيح، فأثبتت قاعدته الشعبية استمرارها إلى جانبه، وهو ما شجّعه لإعادة النظر بقرار الانكفاء الانتخابي، وربما تكون تغريدته على تويتر، التي نوّه فيها بجهود أحمد الصفدي، كافية للإيحاء بهذا التوجّه ومضمونه ورسالته.

ومن حيث المبدأ، سيكون الصفدي حليفاً لتيار "المستقبل"، خصوصاً إذا كانت كريم كبارة أيضاً في هذا التحالف، لأن الصفدي وكبارة أقرب إلى بعضهما شعبياً في طرابلس ويكملان بعضهما، ولو نجح الحريري في الحفاظ على تحالفه معهما فإنه سيكون قد حصل على ورقة دعم قوية في الانتخابات المقبلة.

ربما ستكون هذه المسألة هي التي سيركّز عليها الرئيس الحريري في المرحلة المقبلة، خصوصاً أن تحالف كبارة ـ الصفدي سيكون محورياً في الانتخابات المقبلة إلى جانب 3 قوى أساسية: الرئيس نجيب ميقاتي، الرئيس سعد الحريري، النائب فيصل كرامي. وبالتالي، فإن أي من هذه القوى تتحالف مع كبارة ـ الصفدي ستكون لها الأرجحية الانتخابية حكماً.

متى ستكون الخطوة الأولى للرئيس الحريري باتجاه معالجة واقعه في طرابلس؟

الأرجح أنه ينتظر الفرصة ليحمل إلى المدينة مشروعاً تنموياً، ليبدأ بعدها "الورشة"، وربما سيضع الحجر الأساس لها في وقت قريب جداً.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.