ميشال معوّض وريث "المدرستين".. بين جبهتين!

خضر طالب /

تثير قلّة كلام ميشال معوّض الكثير من الالتباسات.

الرجل يتحصّن بصمت شبه دائم، إلا عندما يجد نفسه مضطراً للكلام. ربما يعتمد النائب الشاب قاعدة "الكلام من فضّة والسكوت من ذهب"، لكنه بذلك يترك مساحة واسعة لأسئلة حول شخصيته.

ورث ميشال معوّض مدرستين في الأداء السياسي: مدرسة الرئيس الشهيد رينه معوض، ومدرسة والدته الوزيرة والنائبة السابقة نايلة معوّض.

الرئيس معوّض لم يكن رجل معارك، وإنما كان رجل حوار يشبه الكثيرين من أقرانه في تلك المرحلة. لذلك لم يفكّر الرئيس الشهيد بالتحوّل إلى "زعيم" بالمفهوم الذي كان سائداً. اكتفى بموقعه النيابي ردحاً طويلاً من الزمن، ونجح نهجه في إلقاء صولجان رئاسة الجمهورية إليه في لحظة تاريخية، فكان الاتفاق على توليه الرئاسة "ملحقاً سرّياً" من اتفاق الطائف، وبدعم وزخم دولي وعربي، ولم يدرك أن هذا "الملحق" كان "مفخخاً" بكمية كبيرة من الصواعق التي لطالما كان يبغضها… فالنهج الذي حمله إلى رئاسة الجمهورية، هو نفسه كان سبباً في اغتياله.

أما "الست" نايلة، فقد ارتدت درعاً، وخاضت العمل السياسي بمنطق مختلف عن الرئيس الشهيد، لأن دروس فاجعة الاستشهاد كانت كفيلة بتغيير بنيوي في الممارسة السياسية، ونجحت في ملء الفراغ الكبير، بل وملأت فراغات أخرى في السياسة بفعل حيويتها ونشاطها وحضورها وشخصيتها.

أما ميشال معوض، فقد ورث المدرستين، والتجربتين، وأثقال الموقف السياسي، والنهج، والمتغيرات… وكذلك حسابات زغرتا الحساسة جداً.

لفترة طويلة، بقي ميشال معوض خلف الجدران، يحاول قراءة دروس المرحلة السابقة. كان يتلمّس الطريق نحو مرحلة ما بعد تقاعد "الست نايلة". ولذلك كانت له دعسات ناقصة، ودعسات ثابتة، لكنه في كل الأحوال وضع خطة سيره في طرق لبنان المتعرّجة، وفي حسابات المسيحيين المعقّدة، وفي أحلام الموارنة "الطبيعية".

بعد أن انتهى زمن "14 آذار" و"8 آذار"، حاول التمرّد على موجة الأحزاب الكبرى، لكنه عجز عن مجاراة قدراتها وخطاباتها وموجاتها… ووجد نفسه مضطراً إلى حجز مقعد تحت مظلّتها، محاولاً تفادي أن يصاب بالجفاف أو البلل!

لم يتمكّن من صياغة تفاهم زغرتاوي محلي مع رئيس تيار المردة سليمان فرنجية. تضاربت الحسابات بين الرجلين. لا يستطيع معوّض أن يكون "تحت جناح" فرنجية. هذه معادلة يفهمها أبناء زغرتا، ويفهما أكثر أبناء العائلتين: فرنجية ومعوّض، على الرغم من التداخل الكبير في المصاهرات بين العائلتين…

رفض معوّض الذوبان في حزب القوات اللبنانية، وتكتيكات سمير جعجع. تجربة التحالف في إطار 14 آذار كانت بالنسبة له فاشلة، لأن جعجع اختصر مسيحيي 14 آذار بنفسه. تلك الخلاصة نفسها كان خرج بها معظم مسيحيي 14 آذار، من حزب الكتائب ورئيسه سامي الجميل إلى بطرس حرب إلى غيرهم من القيادات المسيحية التي كانت جزءاً من ذلك التحالف العريض.

يحتفظ معوّض من تلك المرحلة بحنين وتقدير خاص للبطريرك نصر الله صفير. عندما تدهورت صحة البطريرك صفير مؤخراً، نشر على حسابه على تويتر صورة تجمع والده الرئيس رينه معوض والبطريرك صفير في وادي قنوبين وتعود إلى الثمانينات، وكتب معلّقاً "الرئيس الشهيد رينه معوّض وبطريرك الاستقلال الثاني مار نصر الله بطرس صفير… أبعد من مسيرة بوادي قنوبين المقدس، إنما هي مسيرة طويلة ونضال مشترك من أجل وطن، وهوية، وحرية، ودولة سيدة مستقلة"

ولأن طموح معوض كان في المدى الأوسع، نجح رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل في التقاط حلقة وصل مع معوّض على الرغم من الاختلاف الجوهري في السياسة، خصوصاً بالنسبة لتحالف التيار الوطني مع حزب الله وعلاقته مع سوريا. لكن معوّض الذي رفض الذوبان مع القوات اللبنانية، حرص على تمايز مع التيار الوطني الحر: "التحالف هو عبارة عن ائتلاف نيابي، هو تكتّل وليس كتلة". حتى أن مواقفه من قضايا اجتماعية وسياسية عديدة، كانت تختلف مع مواقف التيار الوطني، بل وتتعارض أحياناً، وكان آخرها موقفه من قضية تمديد خط التوتر العالي في المنصورية، حيث جاء موقفه ضد موقف وزيرة الطاقة ندى بستاني التي تمثّل التيار الوطني في الحكومة.

أبقى معوض على خصوصيته وتمايزه الشخصي والسياسي، على قاعدة "التنوّع ضمن الوحدة". لكن ميشال معوّض تحوّل مع الوقت إلى حاجة بالنسبة إلى حليفه الجديد، بعد أن كشف عن قوة حضوره خارج لبنان.

عملياً، ما زال عقل ميشال معوّض يعيش في جبهة 14 آذار لكنه نيابياً هو جزء من تكتل سياسي متحالف مع 8 آذار.

لم تكن علاقة نائلة معوض مع الولايات المتحدة الأميركية سرّية، ولم تسع يوماً لإخفائها. لكن أن يصبح ميشال معوض وريثاً لهذه العلاقة من بابها الأوسع، فقد شكّل ذلك مفاجأة في لبنان، خصوصاً بعد أن استضاف وزير الخارجية الأميركية مارك بومبيو إلى مائدته، وبمشاركة شخصيات قريبة وحليفة.

تبيّن أن ميشال معوض ليس مجرّد نائب أو سياسي محلّي، وأن خيوط علاقاته ممتدة في واشنطن، وهو لا يخفي تلك العلاقة، بخلاف كثيرين ممن يحسدونه ويتمنون لو أن خيط علاقتهم مع السفارة الأميركية في عوكر يتسلّل في حقيبتها الديبلوماسية.

يقول معوّض في ردّه على اتهام سليمان فرنجية له بشأن علاقته مع الولايات المتحدة الأميركية: "افتخر بعلاقات بيتنا الدولية مع بومبيو ومع الدولة الأميركية ومعظم الدول العربية والأوروبية وصولاً الى استراليا واي بلد يدعم الدولة في لبنان والشرعية… نحن وطنيون لبنانيون نفخر بعلاقاتنا لأننا وظفناها لمصلحة لبنان ومشروع الدولة ومؤسساتها والاقتصاد اللبناني والانماء".

ليس ميشال معوض "رجل أميركا في لبنان"… على الأقل ليس اليوم. لكنه أحد أبرز "أصدقاء" واشنطن في لبنان. والواقع أن مروحة صداقات معوّض واسعة جداً، وهي تبدأ من الأمم المتحدة مؤسساتها، وتتمدّد في اتجاهات دولية عديدة. ومن يراجع سجّل لقاءاته وزياراته الخارجية يكتشف بشيء من المفاجأة أن معوّض يقيم شبكة علاقات دولية واسعة جداً.

تلك الصداقات يحاول معوّض استثمارها في مؤسسة رينه معوّض، من خلال برامج تنموية في مناطق عديدة من لبنان.

يشبه ميشال معوض والده أكثر مما يشبه والدته، لكنه فعلياً مزيج من الإثنين. هو هادئ في قراءته كوالده، متمرّد في مواقفه كوالدته، دقيق في حساباته وخطواته وقراراته ويستند إلى امتلاكه ثقافة كبيرة هي مزيج من الموروث والاكتساب.

لا يمتلك ميشال معوّض اليوم فرصة لتوسيع مساحته السياسية. الواقع الحالي يحاصره من ثلاث جهات: جهة زغرتا وتوازناتها الدقيقة. جهة الحليف الانتخابي الذي لا يتفق معه في السياسة ويقطع الطريق عليه في الطموح. جهة الساحة المسيحية التي تضجّ بالطامحين والانقسامات الكبرى والصغرى.

يدرك ميشال معوض كل تلك التعقيدات، وهو يتعامل مع الواقع كما هو، لكنه بالتأكيد ينتظر "لحظته" التي قد تأتي في أي وقت وفي أي ظرف… وحتى تلك اللحظة، سيكون ميشال معوّض في دائرة الرصد السياسي.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.