بطريرك "الثورة"

نورما أبو زيد/

يوم انتخب المطران نصرالله صفير بطريركاً على الموارنة في نيسان من العام 1986، كان لبنان يعيش ذروة الانقسام الرسمي والسياسي والديموغرافي. شكّل انتخابه فرصة حقيقية لإعادة التواصل بين اللبنانيين، خصوصاً أنه جاء لينهي مرحلة "الشغور" في السدة البطريركية، ذلك الشغور الفعلي الذي بدأ مع تقدّم البطريرك أنطوان بطرس خريش في العمر، ثم الشغور الرسمي الذي امتد ستة أشهر مع استقالة البطريرك خريش وتعيين المطران إبراهيم الحلو مدبّراً رسولياً على بكركي.. لكن المفارقة أن عدوى الشغور في بكركي تعمّمت على البلد: المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى بسبب تغييب الإمام موسى الصدر وبقاء موقع رئيس المجلس شاغراً وقيام نائب رئيس المجلس بالمهام. موقع مفتي الجمهورية اللبنانية بعد اغتيال المفتي الشيخ حسن خالد وتعيين قائمقام المفتي. موقع شيخ عقل الطائفة الدرزية بوفاة الشيخ بهجت أبو شقرا وتعيين قائمقام شيخ العقل.. العدوى طالت الموقع الأول في الدولة، رئاسة الجمهورية، بعد انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميل والعجز عن انتخاب رئيس جديد بالرغم من محاولة البطريرك صفير جمع الموارنة تحت عباءته لتوحيد موقفهم وعدم خسارة الموارنة موقعهم المتقدّم في التركيبة اللبنانية.

لم يستطع صفير، قصداً أو بحكم الظروف، فك الارتباط بين الدور الكنسي الرعوي لبكركي وسيدها وبين العمل السياسي اليومي وتركيبة السلطة ونزاعاتها. ولذلك فإن علاقة اللبنانيين مع بكركي، من الموارنة ومن الطوائف الأخرى، كانت تشبه إلى حد بعيد الرسوم البيانية لمؤشرات الأسهم وسوق البورصة، فكانت تتحرك بشكل حاد صعوداً وهبوطاً تبعاً للعنوان السياسي والمرحلة والموقف واللحظة.

كان البطريرك صفير شخصية جدلية، لكنها أثبتت حضورها، وإن تسببت في أحيان كثيرة بتفرّق الرعايا والتلويح بـ"الحرمان الكنسي"!

هو رجل بأكثر من سيرة ذاتيّة (مواليد العام 1920). قضى نصف قرن في الخدمة الأسقفيّة (سيّم كاهناً عام 1950)، وربع قرن في الخدمة الوطنيّة (انتخب بطريركاً عام 1986)، وثماني سنوات كاملة في التقاعد (غادر منصبه عام 2011).

لم يلغ تنحّيه عن السدة البطريركية تاريخاً صنعه في مجد بكركي، ولكن هل بدأت سيرة الرجل الذاتيّة مع سيامته الكهنوتيّة؟ أم بدأت مع تصاعد الدخان الأبيض من بكركي ذات يوم ربيعي من عام 1986؟ أم أنّ سيرته الذاتيّة بدأت من اليوم الذي أُطلق عليه فيه اسم "أبو الطائف"؟ أم في العام الذي انقلب فيه على أسلوب تطبيق "الطائف"؟ أم مع نداء الاستقلال الشهير الذي أطلقه العام 2000؟ أم من تبنّيه للقاء "قرنة شهوان"؟ أم من تنصيبه قائداً لـ"ثورة الأرز"؟

كثر في تاريخ الكنيسة المارونيّة صنعوا تاريخ لبنان، من البطريرك الياس الحويّك "رجل لبنان الكبير"، إلى البطريرك أنطوان عريضة "رجل الاستقلال الأوّل"، وإلى البطريرك بطرس المعوشي "رجل المواقف الصلبة".. ولكن الثابت هو أنّ بكركي لعبت دوراً في عهد البطريرك صفير، قد يكون الأكبر في تاريخ لبنان، حتى أطلق عليه لقب "رجل الاستقلال الثاني".

في زمن الحرب، سلّم بـ"الطائف"، وحاك له غطاءً مسيحياً.. وفي زمن السلم، كان أوّل المنقلبين على طريقة تطبيقه، وقد فاجأ أركان الدولة اللبنانيّة عام 1992، كما الجهّات العربيّة والدوليّة، بالموقف الذي اتّخذه في حينها، والذي قضى بمقاطعة المسيحيين للانتخابات النيابيّة، ولم تنفع محاولات رعاة "الطائف" العرب والأجانب في إقناعه بالتراجع عن موقفه.

عُرف بالثبات على مواقفه إلى حدّ العناد، وكان يخرج عن ثباته آنياً في القضايا غير المصيريّة تقديراً لضيف أو إرضاءً له، ولكن شفافيّته كان تفضح "اقتناعه" الآني، وقد ذهب البعض إلى حدّ وصفه بـ"الكتاب المفتوح" نظراً إلى عدم قدرته على إخفاء قناعاته.

تميّز بانفتاحه الملفت على الإعلام وبقربه من الإعلاميين، وربّما فصاحته اللغويّة كانت عاملاً مساعداً في ذلك، وكذلك تواضعه الذي رافقه منذ اليوم الأوّل من مسيرته الدينيّة والوطنيّة، وتواضعه هذا هو الذي جعله يقول يوم انتخابه بطريركاً: "انتخبتموني بطريركاً وأنا لست بأعلمكم ولا بألمعكم ولا بأحكمكم.. ولكنّها إرادة الله".

الظروف السياسيّة التي سادت بعد "الطائف"، فرضته مرجعيّة سياسيّة "بدل عن ضائع" بسبب الانقسام الحاد بين الزعامات المسيحيّة، ثم تدرجت مرجعيته صعوداً مع الغياب التدريجي للقادة المسيحيين التاريخيين، ثم بايعه المسيحيون في مواجهة هشاشة التمثيل المسيحي في السلطة زمن الوجود السوري في لبنان. وفي الوقت الذي سلكت فيه كلّ المرجعيات المسيحيّة غير المقصيّة طريق دمشق، قال: "لن أذهب إلى سوريا في زيارة سياسيّة"، وفعل ما قاله. وفي سابقة تاريخيّة، رفض البطريرك صفير ملاقاة البابا في زيارته إلى سوريا كي لا يسجّل عليه أنّه زار دمشق.

حاول "المندوبون الساميون" لسوريا في لبنان التودّد إليه أكثر من مرّة، وفي أكثر من مناسبة، وعبر أكثر من وسيط، ومع ذلك أبقى على سياسة الأبواب الموصدة، وقد قال رئيس جهاز المخابرات السوريّة في لبنان غازي كنعان ذات يوم لمسؤول أمني لبناني كان قد طلب وساطته مع بكركي وأتاه بجواب سلبي: "كثيرون ينتظرون على أبوابنا بالأشهر ونتدلّل عليهم، ونحن ننتظر على أبواب البطريرك بالسنين ويتدلّل علينا".

رغم الأفق المسدود في بعض الأحيان، بقي يردّد: "نحن الذين لجأنا إلى المغاور والكهوف في عهد الظلم والظلام، طوال مئات السنين في هذه الأرض، وعلى هذه الشواطئ، ليسلم لنا الإيمان بالله وعبادته على طريقتنا، ولتسلم لنا الحريّة التي إذا عدمناها عدمنا الحياة".

عُرف بطلاقته المنبريّة التي يسكب فيها المنمّق والعميق من الكلمات، بلغة عربيّة سليمة، وكان يقول كلمته ويبقى في مكانه، فلم يضطر طوال ربع قرن على رأس الكنيسة لتبرير أو توضيح أيّ موقف، واعتاد عند كلّ استيضاح منه تكرار عبارة "لقد قلنا ما قلناه".

حوّل إخراج الجيش السوري من لبنان إلى قضيّته الأولى، فزار كلّ أصقاع الأرض "محرّضاً" ومستنهضاً، ولم يأبه لغياب البيئة الحاضنة لمشروعه داخلياً وخارجياً، وكان وحيداً في مواجهة سياسة التخلّي الدولي والعربي والتسليم المحلي، ويُسجّل له أنّه لم يتراجع قيد أنملة عن موقفه، فأشعل شرارة "الانتفاضة" الأولى على الوجود السوري في النداء التاريخي الذي أطلقه في أيلول من العام 2000، وفي العام 2001 جاهر علناً برعايته لقاء "قرنة شهوان"، ورفع عنوان الخروج السوري من لبنان حتّى كان يوم "14 آذار" 2005، ومليونيّة ساحة الشهداء… وعليه، كان قائد "الثورة" المستتر.

احتكر البطريرك صفير التمثيل المسيحي طيلة سنوات الوجود السوري، وعبّر في حينها عن تطلّعات وأماني الأكثريّة المارونيّة، التي أصبحت في ما بعد بعيدة عن سياساته. فانحيازه بعد العام 2005 إلى فريق "القوّات اللبنانيّة" ورئيسها سمير جعجع، جعله مع فريق مسيحي ضدّ آخر، وتسبّب بـ"شُعرٍ" لمرجعيّة بكركي المسيحية.. وعلى المستوى الوطني العام.

لم يتوقّف "نضال" البطريرك صفير مع خروج الجيش السوري من لبنان، إذ طالب "حزب الله" بعد هذا التاريخ، وبكثير من التشدّد، بتسليم سلاحه الذي كان يرى فيه امتداداً للوجود السوري في لبنان. وقد سُئل في إحدى المقابلات في 27 حزيران من العام 2005: "هل تعتقد أنّ السوريين رحلوا فعلاً؟"، فأجاب: "السوريون هنا.. ألا تشعرون بذلك؟!". ورغم مآخذه لاحقاً على أفرقاء "14 آذار"، كان يحرص دائماً على التمييز بين فريق "حزب الله" المسلّح والفريق الآخر "الأعزل".

لم يستطع البطريرك صفير في سنوات خلافه مع زعيم الأكثريّة المسيحيّة العماد ميشال عون، ومع رئيس "تيار المردة" النائب سليمان فرنجيّة، تغيير نهج طائفته المختلف معها، كما لم يستطع تغيير نهجه، فقرّرت روما تغيير البطريرك، أو قرّر هو التنحّي.. تقاعد بطريرك "الثورة"، فتقاعد "الثوّار".. بينما صارت "الثورة" في سجلات التاريخ!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.