بيدر الموازنة.. وحسابات علي حسن خليل

جورج علم /

علي حسن خليل وزير متعدد المواهب، والقدرات، والمهمات. صاحب المنزلة الخاصّة عند الرئيس نبيه برّي، وكاتم أسراره، والمنتصب دوماً عن يمينه، والهامس في أذنه، يفهم من الإشارة، ولبيب يلبّي، والتلبية مفتاح النجاح، والنجاح المعبر الإلزامي نحو النجوميّة، والنجوميّة مرتع الطموح.

خطيب "الحركة" المفوّه. وله المنابر في المناسبات، يعتليها بثقة ورهبة، يدرس الموضوع جيداً، ينسّق أفكاره، ويُعنوِن الرسائل التي يريد توجيهها، لأنها ستصل بسرعة البرق الى عين التينة، وبالصوت والصورة، وعندها سيُعرف "ما إذا كان الفول متطابقاً والمكيول"! إنه أمام إمتحان دائم في حضرة "أبو مصطفى".

في السياسة، إختار منصب "محامي الدفاع"، يستنبط الحجج، وينتقي المفردات اللاذعة للزود عن "المرجعيّة"، و"العصبيّة الحركيّة"، في وجه المتطاولين، أو المنتقدين. يعرف دوره جيداً، إنه "خط الدفاع الأول والأهم" عن "الرعيّة".. و"راعيها".

حاول أن يُقارب لغة الأرقام من موقع المتمكّن، لكن السباحة وسط العواصف الدوليّة، والإقليميّة، والمحليّة، مجازفة كبرى، فكيف إذا كانت معاكسة للريح؟! حاول أن يترك بصمة "إبداعية" خاصة في وزارة المال، ولكن "لا تلم كفّي إذا السيف نبا… صحّ منّي العزم والدهر أبى". ورغم سنوات العشق الطويلة لهذه الحقيبة، وما تحوي من دنانير، ومناشير، ودبابير، وجد نفسه بعيداً عن ليالي الأنس في "فيينا" محاصراً بالمطالب والمتاعب. حاول أن يكون صاحبّ همّة، وديناميّة كتلك التي يتمتع بها صديقه اللدود جبران باسيل، لكن وجع الرأس لا يداوى بالمسكّنات الظرفيّة، وكيف يصفو له الجو، وهو الحريص أن يؤالف ما بين السياسة، والإقتصاد، ولغة الأرقام، والمصلحة الماليّة الوطنيّة العليا، مع كامل الحرص ـ كلّ الحرص ـ على مصلحة المرجعيّة، أولاً، والرعيّة، وحسن هندامها، ودقّة إنتظامها.

وما يزيد من بطء العلاج، وسوء المزاج، مناكفات وإستفزازات جبران باسيل المتناسلة، وكأنّ شبحه يخيّم ويؤزّم في المكان. لكن في أوساط عين التينة، ثمّة من هو معجب بديناميّة الرجل، بحضوره الطاغي، ينطّ، ولا يحطّ، حاضر في الأروقة الدبلوماسيّة، والسياسيّة، والإقتصاديّة، والإغترابيّة، حتى إذا ما تعبت منه البرقيات، والمراسلات، والإجتماعات، والكولسات، إنتقل الى أروقة النفط والطاقة، لمتابعة المسار الذي تسلكه الخطّة الكهربائيّة، والتي كهربت يوماً العلاقة ما بين رئيس التيار، وبين من يتهمهم بقطع "التيار" بعد أن حجبوا الأموال المرصودة ـ وفق الحجّة المتداولة ـ عن ورشة بناء معمل دير عمار  للإنتاج، منذ سنوات، وعلى خلفيات كيديّة!

أن يكون علي حسن خليل كيديّاً.. ربما في ذلك اتهام ظالم. ولكن للسياسة ضروراتها، وعند الضرورات تُباح المحظورات، فكيف إذا كانت متطابقة الأوصاف مع ما تتطلّبه رغبات المتخندق في المتراس مدافعاً عن "الحركة" و"صولجانها"؟!

ومعارك علي حسن خليل ليست مع باسيل وحده، بل مع "الجبهويين" الكثر. لكن خارج الإصطفافات السياسيّة، والطائفيّة، والمذهبيّة، والفئويّة، تبدو معركته المنهكة مع الموازنة بأصولها، وفروعها، بزوائدها، ونواقصها، بإيجابياتها، وسلبياتها. قالها صريحة: "أنا وزير المال في لبنان"، ومن دون تبجّح! عظيم. تفضّل يا معالي وزير المال و"جيب الريح من قرونو". اللبنانيّون ينتظرون، ليطمئن بالهم الى يومهم وغدهم…

كان المفكّر الكبير النائب والوزير إدوار حنين يُقارب الأمور بحكمة، وبإيحاءات فيها الكثير من الطراوة والطرافة، مع شيء من الفلسفة، والكثير من البلاغة. صعد يوماً مع أركان "الجبهة اللبنانية" الى قصر بعبدا لمقابلة الرئيس سليمان فرنجيّة، والتشاور معه حول تداعيات الثورة الفلسطينيّة على الساحة اللبنانية، وعندما إحتدم النقاش حول سبل معالجة الأزمة بتداعياتها الأمنيّة، والسياسيّة، والإقتصاديّة، قال كلمته التي تحوّلت في ما بعد الى مَثَل مأثور "يا ريّس… إنتخبناك ريّس تاتجيب الريح من قرونو"، كون "الريّس" هو الأخبر وسط جمهور البحارة بأحوال البحر، والنوّ، ومدى دنّو العاصفة!

حفظ علي حسن خليل الموازنة بأبوابها، وأرقامها، وعجزها، وإزعاجها… ولكن هذا وحده لا يكفي، لأن "الفذلكة" أربكت الشارع، إستنهضته، وإستفزّته. الأرقام مخيفة، والمعالجات على طريقة "حط كفّك وشيل"، لا تبعث على الإطمئنان، بل على العكس، لقد زرعت القلق في النفوس نظراً "لإعتباطيتها"، وإستفزّت الرأي العام، من أصحاب الدخل المحدود، وصعوداً حتى مصاف النجوم المرصّعة فوق منكب الجنرالات، مع عموم عائلات الذوات، وصولاً الى أصحاب المليارات، لكن هؤلاء ينامون ملء جفونهم عن شواردها… ويسهر الخلق جرّاها ويختصم!

المطروح على بساط النقاش، ليس مشروع الموازنة، بل مشروع وطن منهوب، مسلوب، منكوب، معطوب. تشخيص حالته لم تتم في مختبرات "سيدر"، هذا ظلم، وإتهام للدول "المتورّطة" ـ عفوا ـ المشاركة، بل تمتّ في مختبرات جون بولتون، وجاريد كوشنير، المؤتمن على تطبيق "صفقة القرن"، ومرشال بيلنغسلي المسؤول في وزارة الخزانة الأميركيّة عن مكتب مكافحة تمويل الإرهاب. ماذا قال الأخير للوزيرين غسان حاصباني ومنصور قطيش؟ ألم يقل: "رياض سلامة خط أحمر في حاكميّة مصرف لبنان، ونائبه محمد بعاصيري"؟! من يريد رأس رياض سلامه في لبنان؟ ومن يريد الهيمنة على إستقلاليّة مصرف لبنان؟! المعنى في قلب الشاعر… وهل بإسلوب "حط كفّك يا خال وشيل" يمكن إنقاذ الموازنة من العجز، وتوضيح صورة مستقبل لبنان الشاحبة؟!

لقد فجّر مشروع الموازنة "مصداقيّة" لبنان، تجاه الأشقاء، والأصدقاء المسعفون. وعدناهم بمشوار ربيعي في منتزه الإصلاح، لكن الخطوات تعثّرت منذ الدعسة الأولى التي جاءت ناقصة! من يتحدث عن الإصلاح اليوم وقد إزدادت صفوفنا بحملة الطرابيش؟ ماذا حلّ بالفساد بعد أن حضنته "الخطوط الحمر الطائفيّة، والمذهبيّة"؟ وكيف يصحّ أن نبني وطناً، في ظلّ معاول الهدم التي لا تزال تفتك ليلاً نهاراً ببنيانه لاستخدام حجارته في بناء الصروح الإقطاعيّة، والمذهبيّة، والفئويّة؟ ثم يأتي من يحدّثك عن العجز في الموازنة، وعلى قاعدة "طابخ السم، ليس بآكله، بل يريد من المواطن أن يأكله"! من صنع العجز؟ من فبركه؟ من إفتعله؟ هل المواطن الذي اقترف الجريمة، أم الطبقة التي منحها ثقته لتحكم بالعدل، وتحتكم لصوت الضمير؟!

مسكين المواطن، مفعول به، ومغلوب على أمره! ثم من يوجّه أصابع الاتهام؟ إقرأوا التقارير الصادرة عن المنظمات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، والتي تفنّد أحوال لبنان، وأحوال غالبية المؤتمنين على مقدراته، وصياغة قراراته! أعيدوا الى مساعمكم ما تلاه، ويتلوه عليكم في مجالسكم سفراء "المجموعة الدوليّة لدعم لبنان". وهل وقع نظركم على بلد آخر إحتضنته خريطة العالم، ويملي عليه سفير ما يجب عمله وما لا يجب عمله؟! وما هو المفيد، وما هو المرفوض والمستفظع؟! تذكّروا جيداً ما يقوله لكم المندوب الفرنسي، والبريطاني، والألماني، والإيطالي، والإسباني، وغيرهم… ثم ألا يحطّ الطير على رؤوس الجميع عندما يأتي مندوب هذه الدولة الخليجيّة، أو تلك، ليتقدّم المجالس ويتصدّر اللقاءات والكولسات؟ حصل ذلك في القرن الثامن والتاسع عشر عندما كان المفوّض السامي يحكم جبل لبنان… ويحصل الآن في مطلع القرن الحادي والعشرين!

وتتوالى جلسات مجلس الوزراء لإقرار مشروع الموازنة قبل أن تكرّ السبحة لتشمل مجلس النواب، ولكن على الرغم من كل الضجيج المتلفز، وغير المتلفز، ستبقى التشوهات ماثلة، لأن الأزمة ليست في الموازنة بل في النظام السياسي، إنه نظام مشوّه يبيح النهب، والسرقة، وهدر المال العام، ويؤدي الى فلتان أعمى لغرائز الطمع والجشع، لأن أنياب الطائفيّة أشدّ حدّة من أنياب القانون، وأظافر الفئويّة أطول من أظافر الدستور.

إن وزير المال في لبنان معروف إسماً، وكسماً، وحسباً، ونسباً… ولكن مع فائق التقدير والإحترام، هذا لا يكفي للتعريف عن الهويّة الفعليّة التي يفترض بها أن توفر جواباً لائقاً مقنعاً على سؤال طالما رددّه اللبنانيّون في مجالسهم: هل وزير مال لبنان سيتمكن من إسقاط العجز في الموازنة بالضربة القاضية، أم أن العجز سيتغّلب وينتصر؟ وهل الضربة القاضية ستقضي على الشعب أيضاً، وخصوصاً أصحاب الدخل المحدود، أم ستستقر في قرون العجز فقط؟!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.