عبق "أبو راشد".. والعشق السلطاني!

** خضر طالب **

يستحق "أبو راشد" التكريم.. هو أحد أبرز أولئك الذين لم "يقبضوا" ثمن مرحلة النضال. بقي "أبو راشد" مستبعداً عن المواقع التي جرى "سَبْيُها" بـ"التراضي" بين المتحاربين السابقين، وإذا بتلك المواقع تصبح "جواري" السياسة والسياسيين، سواء لمن كان مناضلاً منهم أو من اشترى موقعاً سياسياً بالمال أو بالتزلّف أو بكتابة التقارير…

لم يحصل "أبو راشد" من "غنائم الحرب" ولا حتى على كرسي خشبي، بينما كان ينظر إلى أولئك الذين يجلسون على الوسائد الشرقية والغربية الوثيرة، وهم ممن كانوا سابقاً ينتظرون وقوفاً على بابه.

المفارقة اليوم أن محاولة "إنصاف" توفيق سلطان تأتي متأخرة جداً.. و"من كيسه"!

فالذين يمنّون على "أبو راشد" ترشيحه لن يقدموا له الفوز في الانتخابات، على العكس، هم يريدون الاستفادة من رصيد "أبو راشد" ليقولوا له "لقد حاولنا.. ولكن"!

لا يكبر توفيق سلطان بمقعد نيابي.. لردح طويل من الزمن كان "أبو راشد" نائباً غير منتخب ووزيراً غير معيّن.. بل وكان من صانعي السياسة والسياسيين في لبنان، وهو صديق الملوك والرؤساء العرب، والصديق الصدوق لزعامات لبنان الكبار، من كمال جنبلاط إلى رفيق الحريري.

لا يحتاج "أبو راشد" إلى "واسطة" من هنا أو تدخّل من هناك، لمنحه مقعداً في لائحة انتخابية تخوض الانتخابات بقانون شعاره "يا رب نفسي"…

في الأساس جاء ترشيحه غير منصف في ظل قانون لن ينصف المرشحين ولا الناخبين.. وفي ظل حسابات رؤساء اللوائح ومصالحهم وأولوياتهم و"صوتهم التفضيلي" الذي يرجّح هذا المرشح المقرّب ويقصي ذاك المرشّح الحليف.

كان الأولى بالغيورين على "أبو راشد" إبعاد كأس الانتخابات عنه لا دفعه إليه دفعاً.. لأن إنصاف توفيق سلطان كان ممكناً في الحكومة المقبلة، بدل الإيحاء بإنصاف متأخّر ولا يأتي إلا بجهد "أبو راشد" و"عضلاته".

لقد "صام" توفيق سلطان طويلاً، قسراً حيناً وإرادياً أحياناً، لكن إفطاره المتأخر على طاولة الآخرين لا يعني أنهم أصحاب فضل عليه، وتكريم "أبو راشد" كان ممكناً بطرق أخرى.

يكفي "أبو راشد" هذا التعلّق الاستثنائي بمدينته التي زرع فيها الكثير من الجهد، والثمار صارت معالم متجسّدة في كثير من المفاصل والمرافق في فيحائه.

ما بين توفيق سلطان وطرابلس عشق متجذّر حتى النخاع الشوكي.

في الرجل ميزات لا يعرفها إلا من يقترب منه:

ـ وفاء نادر، بالرغم من الطعنات التي تلقاها في الظهر والوجه.

ـ ثبات سياسي لا يلين ولا يضعف ولا يتلوّن.

ـ التزام بالعهود ودفاع عنه حتى آخر كلمة يستطيع نطقها.

ـ نقاء وصفاء في علاقاته مع الآخرين، أصدقاء وأصحاب ومعارف.

ـ طيبة لا تعرف الخبث، مع أنه تعامل مع كثير من الخبثاء الذين استغلّوا موقعه.

ـ جرأة لا يستطيع أحد مزاحمته فيها، أياً كانت النتائج والتداعيات عليه.

ـ صدق في التعامل مع الآخرين، بالرغم من أن كثيراً من الآخرين لم يصدقوا معه.

نائب رئيس "الحركة الوطنية" هو من زمن كمال جنبلاط ورشيد كرامي وسليم الحص وحسن خالد.. ومن زمن "أبو عمار" وكوفية "الفدائيين".. ومن زمن الثورة على الواقع من أجل التغيير.

إنكفأ مع انتهاء الحرب، ولم يلتحق بطوابير المنتظرين بسياراتهم ساعات طويلة عند مدخل عنجر سعياً للحصول على "بركة" تفتح لهم الطريق نحو "مجد" السلطة و"مغانمها".

أدار أبو راشد ظهره لتلك الإغراءات، ووقف إلى جانب رفيق الحريري، صادقاً في قوله وصديقاً له في السراء والضراء.. في الحكم وخارجه. لم يستثمر قربه من رفيق الحريري في الحكم، لكنه خسر معه خارج الحكم.

كان توفيق سلطان شريكاً دائماً في مجالس الكبار، لكنه لم يحمل لقباً.. بقي اللقب الأحب على قلبه "أبو راشد".

مفارقة وحيدة كانت تلاحق توفيق سلطان، ذلك "الاشتراكي" بالانتماء السياسي، "البورجوازي" بسلوكه الظاهر، "الزاهد" في سلوكه الشخصي بسبب عدم امتلاكه ثروة مالية!

لكن "أبو راشد" لم يتبدّل.. بقي هو نفسه في كل الشخصيات التي يعيشها.. وحافظ على ثوابت بدا لوهلة أنها صارت من الماضي: العروبة والوطنية واللاطائفية والعقلانية… ثوابت تمسّك بها عندما صارت عند الآخرين "موضة قديمة"، او لا تحقق لهم مصالحهم ولا تتلاءم مع "عصر التزاحم" على الكراسي والمواقع وتقديم الطاعات والتقارير الوصولية لبلوغ أهدافهم.

بقي توفيق سلطان "دقّة قديمة" في السياسة.. لكنه "دقّة" الزمن الجميل التي لم تتلوّث بما طرأ على العمل السياسي من مفاهيم غيّرت المعنى النضالي الذي كان يحمله "أبو راشد"، وغن كان شاهداً على هذه المتغيّرات وبعضها كان يحصل تحت أنظاره مباشرة.

الذين يعرفون "أبو راشد" قبل 20 أو 30 أو 40 سنة، يدركون أن الرجل ما زال هو نفسه. صوته الجهوري ما زال يصرخ منادياً بالثوابت نفسها.

عندما ارتفع التوتّر المذهبي في البلد، أمسك توفيق سلطان بناصية عروبته المتجذّرة لحماية تاريخه النضالي. وتصدّى لتلك الخطابات العنصرية التي أرادت إلغاء التاريخ والجغرافيا.

وعندما تعرّضت المقاومة ضد العدو الإسرائيلي للسهام في الداخل بسبب الشرخ مع "حزب الله"، لم يتمكّن من الوقوف على الحياد، بل حمل درعاً للدفاع عن فكرة المقاومة وليميّز بين المقاومة وبين "حزب الله".

لم يغادر "أبو راشد" المختارة روحياً، ولم ينسى مصر جمال عبد الناصر، ولم يستثمر صداقاته الشخصية العميقة مع أمراء المملكة العربية السعودية، ومن بينهم من أصبح ملكاً، وخصوصاً الملك سلمان.

قدّم "أبو راشد" لهذه الانتماءات كل ما يستطيع، بينما لم تقدّم له شيئاً إلا العلاقة الجيّدة والود الذي "لا يُصرف".

أن يصبح "أبو راشد" مرشّحاً، فذلك ليس مرتبة شرف، لأن توفيق سلطان هو قيمة مضافة بينما لا يضيف له الترشيح شيئاً.

من يعرف توفيق سلطان، يدرك جيّداً أن نتيجة الانتخابات ليست مهمة في تصنيف موقع "أبو راشد" ودوره وحضوره الذي يضخّ العبق السلطاني لزهر الليمون في شوارع المدينة التي تحمل شوارع كثيرة فيها أسماء أجداده الذين سبقوه من عائلة سلطان.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.