"سلمى الداية".. ذاكرة صيدا الجميلة

عبد المولى خالد

"سلمى الداية". هكذا يُطلق أبناء صيدا عليها. هي واحدة من أشهر القابلات القانونيات في فترة الستينات من القرن الفائت، حيث كان أطباء النساء قلّة، وحيث كان يحبّذ الرجل أن تلد زوجته الحامل على يد امرأة لا على يد طبيب رجل.

على مدى أربعة عقود من الزمن، نساء كثيرات أنجبن على يد سلمى البساط، التي استتر اسم عائلتها خلف لقب الداية، ووصل عددهن إلى نحو 7 آلاف امرأة، معظمهن وضعن مواليدهن بشكل طبيعي، أما في الحالات المتعثرة، فكانت تستعين بالطبيبين المختصين روبير عبود وهشام دلاعة.

تتذكر سلمى حكايتها مع مهنة التوليد وتقول: تتلمذت على يد عمتي (أم سليم) التي كانت أشهر القابلات على الإطلاق، رغم وجود قابلات أخريات في حينها، كن يعملن في مهنة التوليد.

تتحدّث "سلمى الداية" عن الأحلام التي كانت تراودها وهي طفلة ترى عمل عمتها (أم سليم)، وتقول كنت أحلم في حينها بأن أكون طبيبة، ولكن ظروفنا الإقتصادية لم تكن تسمح بتحقيق حلمي. وتضيف: مرّت سنوات كنت خلالها الطيف الدائم لعمتي. كنت أرافقها في الليل والنهار، وكنت أساعدها في توليد النساء الحوامل.

تتابع الداية سلمى: تعلمت الكثير من عمتي، حتى أصبحت تعتمد عليّ، فبتّ أنوب عنها في عمليات التوليد، وقد لقيت موجة استحسان منها ومن أهالي الذين أشرفت على توليدهم.

تضيف: عندما توفيت عمتي، حزنت عليها كثيراً، وفكّرت أن أترك المهنة حداداً على من دعمتني مادياً ومعنوياً طوال مسيرة حياتي التي كانت حافلة بالعذابات والمسؤوليات نتيجة رحيل زوجي عن الحياة باكراً، وتحمّلي وحدي مسؤولية خمسة أطفال. ولكن أطفالي الخمسة كانوا حافزي الذي جعلني أعود عن استقالتي من المهنة.

المرأة التي أخرجت معظم أطفال صيدا إلى الحياة في حقبة تاريخية معينة من تاريخ المدينة، محفورة في ذاكرة هذه المدينة، تلبسها ألقاب كثيرة كـ "سلمى الداية"، و "ماما سلمى"، و"تاتا سلمى"، و"المعلمة".

هذه "المعلمة" هي نفسها التي جالت بسيارتها على المدينة وجوارها، بيدها حقيبة جلدية، من أجل توليد النساء الحوامل.

تحفظ سلمى في ذاكرتها، أحداثاً كثيرة من عملها، وتحتفظ بدفتر مذكرات عتيق دونت عليه أسماء من ولدتهم من النساء وقد تجاوزن السبعة آلاف امرأة. أمّا عدّة التوليد، فقد عمل أولادها على إخفائها كي تستريح من أتعاب مهنة، قضت فيها كلّ سني شبابها، وتحنّ إلى إعادة ممارستها اليوم، وهي فوق عتبة الثمانين من عمرها.

سلمى، الشهيرة، اشتهرت بمواقفها الحادة في وجه الذكورة الفاقعة. فهذه المرأة القوية، اشتهرت بـ "علقاتها الساخنة" للرجال الذين كانوا لا يتقبلون المولودة الأنثى. وهذه المرأة القوية كانت حنونة، لا تتقاضى أموالاً من النساء الفقيرات. وهذه المرأة القوية والحنونة، هي أيضاً المرأة الفرحة، التي كانت تشارك الأمهات أفراحهن بمواليدهن داخل الحمامات الشعبية في صيدا.

سلمى الداية، التي أخرجت إلى الحياة رجالاً بعضهم عمل ويعمل في السياسة وفي مجالات الطب والهندسة والسلك العسكري والمحاماة، ونساء مدرسات ورئيسات جمعيات وربات منازل، حازت على شهادة قانونية من وزارة الصحة.

سلمى الداية، هي ذاكرة صيداوية بامتياز. تعرف الكلّ، والكلّ يعرفها. وهي نموذج لإمراة طموحة عاركت الحياة بكل مرارتها وحلاوتها، وحققت الكثير.

هي اليوم تعيش "حياة التقاعد" في منزلها في صيدا، وسط أولادها وأحفادها، وكلما زارها أحدهم تستعين بدفتر الذكريات الذي تطبع عليه بخطّ يدها أسماء المواليد الذين أبصروا الحياة على يدها، وتردد على مسامعهم إنه دفتر الأيام الجميلة، وتتمنى لو أنّ عقارب الساعة تعود يوماً بها إلى الوراء لتعود إلى مزوالة مهنتها.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.