"التنجيم".. "مهنة" الكذب!

هدى عبد الله

التبصير، قراءة الفنجان، قراءة الكف، التنجيم، التوقعات، الأبراج، التنبؤات… كلها سلوكيات تستحوذ على حياة فئة كبيرة من الناس، وتصب جميعها في خانة اللعب على أوتار العقل وأنغام حب المعرفة والغوص في المجهول، بل وانها باتت جزءاً لا يتجزأ من حياتهم وتتحكم في أصغر تفاصيلها.

كانت هذه الأعمال منتشرة سابقاً في بيئات صغيرة، لكنها، وفي فترة وجيزة، كسرت حدود نطاقها وخرجت نحو مجتمع تتملّكه حشرية تفوق قدرات مخطط حياته، وتغلغلت في أعماق أفراد يرفضون الإكتفاء بعيش الحاضر بل يتخطونه لمحاولة معرفة مسار حياتهم المستقبلي.. ومع المجهول والقلق والخوف، تحولت هذه السلوكيات الى ظواهر قلبت موازين الحياة الطبيعية.

رأي الدين ودور الإعلام

ساهمت الوسائل الإعلامية، في السنوات الأخيرة، بشكل كبير في تضخيم "المنجمين"، فأصبح التّكهن والتوقّع "مهنة تجارية" يستندون عليها، و"خدمة إنسانية" بحق بعض المتعطشين لتوقعاتهم، محطمين بها الروادع الأخلاقيّة والدينيّة، نظراً لأن كل الأديان السّماوية تؤكد بأن معرفة الغيب تخصّ القدرة الإلهية وحدها، ولا يعرف المستقبل سوى الخالق.

موقف الدين الإسلامي معروف بشأن هذا الموضوع "قُل لاَ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ"، بالإضافة الى حديث واضح يصف الحال كما هو"من أتى كاهناً أوعرّافاً فسأله فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أنزل على محمد". وموقف الدين المسيحي مماثل تماماً، وقد أوضحه سابقاً الأب الدكتور جورج مسوح بالقول: "إن معرفة المستقبل هي حصراً من خصائص الله، جلّ جلاله، وحده لا شريك له في هذه المعرفة. والناس يشركون، من حيث لا يدرون، حين يصدّقوا المنجّمين والمنجّمات، والعرّافين والعرّافات، والبصّارين والبصّارات، والمتنبّئين والمتنبّئات كيف يؤمن المؤمنون بأشخاص، ليسوا أنبياء أو مرسلين من الله، أثبتت الوقائع كذب ادّعاءاتهم وتوقّعاتهم؟ كيف يؤمنون بأنبياء كَذَبة؟".

إذن، تتفق الأديان جميعها على خطورة هذه الأمر. أما في مجتمعنا وعصرنا الحالي، فقد تحوّلت "معرفة الغيب" الى "قدرة" يزعم بعض البشر بإتقانها، فأصبح الاتكال عليهم يندرج ضمن لائحة الأولويّات والإهتمامات، ويستحوذ على طريقة العيش، بحيث بات عدد كبير من الأفراد يكيف حياته بحسب أقوالهم ونصائحهم.

البعض يعتبر أن صوت فيروز وقهوته هما أساس بداية نهاره، وآخرون يبدأون يومهم بتصفح الجرائد والأخبار، وهناك من يبدأ صباحه بممارسة الرياضة.. لكن هناك بعض الناس يتسمّرون أمام شاشات التلفزة والراديو لسماع الأبراج والتوقعات.، فيخضعون للإستخفاف بعقولهم والإنصياع لما يُلقّن لهم من خبراء في مجال الإحتيال والخدع.

بات مع الوقت لكل محطة تلفزيونية منجمٌ ومتنبّئ خاص، ولكل منجم منهم برنامج موقّع باسمه إما يومياً أو شهرياً أو سنوياً، بل ويستندون في التسويق على استعراض ما تحقق من تنبؤات سابقة، وهذا عامل جذب أساسي لربط المُشاهد أكثر، علماً أنه من أصل 100 توقع يصيب 10. من ليلى عبد اللّطيف (LBC) ، مايك فغالي (OTV)، ميشال حايك (MTV)…

وعذراً.. لا يمكنك أن تنادي هؤلاء بـ"المنجم"، ويجب أن تحترم "مهنته" واللقب الذي أطلقه على نفسه (أستاذ، دكتور، عالم روحاني، خبير فلك). ولتكون منجماً ناجحاً يجب أن تتمتع بشروط معينة، كالبراعة في الكذب والضحك على الذقون وادعاء المعرفة.

ومن التنجيم الى الأبراج مع كارمن شماس، ماغي فرح، نجلاء قباني، عبير فؤاد، سمير طنب، جاكلين عقيقي، عبير اللبّاد.. وغيرهم  من "علماء" الفلك والابراج! والصحف، كما التلفزيونات والإذاعات، تخصص مساحات خاصة للأبراج لزيادة مبيعاتها نظراً للطلب عليها بقوة!

هذا العلم تحديداً، يطغى بأهميته على الكثير من العلوم بالنسبة لبعض الأفراد اللذين يهتمون بمعرفة تفاصيل حياتهم اليوميّة بشكل خاص على الأصعدة العاطفية والمهنية والصحيّة، ويرغبون بمعرفة صفاتهم وصفات غيرهم من خلال الأبراج لتحديد الطريقة الأنسب للتعامل مع المحيط، بالإضافة الى معرفة التوقعات المتعلقة بأحداث محلية وعالمية والتي يعتقدون أنها "وليدة علم الفلك". ويحظى هذا النوع من "التنجيم" بمتابعة كبيرة من قِبل المشاهدين، حيث أصبحت ظاهرة التنجيم والتوقع هي ركن أساسي من سهرات رأس السنة التلفزيونية، فلن ننهي سنة لندخل في أخرى ما لم يتوقّع لنا المنجم أحداث السنة التالية التي لم تقرع الجرس بعد.

إن كان "أكبر القتلة قاتل الأمل"، فأخطر المجرمين هم المنجمون واللحاق بهم كاللحاق بالغراب الذي يُوصل الى نفس الخراب. والغريب أن هناك طبقات اجتماعية وعلمية وثقافية تؤمن بمصداقيتهم وبقوة الرابط الموجود بين حياتهم وبين النظام الشمسي!

لعبة التنجيم اللاأخلاقية

لا يرتبط التعلّق بالأبراج والتوقعات بالمستوى الثقافي والعلمي للأفراد، فأصبحت التّكهنات ثقافة بحدّ ذاتها تسيطر على عقول جميع الفئات من مختلف الأعمار ومن النساء والرجال.

وان كانت الأبراج هي مصدر تسلية للبعض وركناً أساسياً من حياتهم، إلا أنه يغيب عن "لعبة" المتوقِّعين، الضمير الإنساني، فهم لا يهتمون بما تتركه هذه التوقعات من آثار نفسية في حياة بعض الأفراد والعائلات.

"صفقوا لي.. لقد توقعت اغتيال فلان ونجح التوقع"، "توقعت موت فلان.. وما زال بخير" أقلّه جسدياً.. ولكن، كيف تكون الحالة النفسية لشخص قيل له "أنت ستموت"؟! كيف سيكون وقع هذا التوقع على عائلته وأحبائه؟ كيف سيعيش وهو يترقب تحقيق توقع اغتياله وموته العظيم؟! بالاضافة الى ان بعض "قضاة التنجيم" يتدخلون بتدمير الحياة الزوجية للبعض بنطق الحكم النهائي "سيقع طلاق بين فلان وزوجته".

هذا بالنسبة للتوقعات الفردية والشخصية، لكن هؤلاء المنجّمين يصولون ويجولون في توقعاتهم المحلية والعالمية فيظهر البوم ونعيقه، وما أن تبدأ بسماعهم ينتهي بك الحال وانت تردد "ان شاء الله لأ.. الله يستر"، وتشعر بأن القيامة حلّت والحروب تقرع الأبواب.

لقد أصبح اللعب والاستخفاف بعقول ومشاعر الأشخاص مهنة تجارية سهلة ومربحة، وعلى الرغم من التطوّر الهائل الذي وصل إليه الانسان من الناحية العلمية، إلّا أن هنام فئات لا زالت تؤمن بالتنبّؤات، وأصبح التعلّق بالمنجمين يتخطى حدود الحشرية والجهل والغموض.

لقد وصل الإنسان بعقله وابداعه الى القمر ومشى عليه، لكن البعض لا يتحمل فكرة النزول الى الشارع إذا نصحه برجه بعدم النزول، والآخر يمتنع عن عمله لأن المنجّم وعده بالفرصة الذهبية على الصعيد المهني قريباً، وذاك لم يحقق حلمه بالسفر لأن التنبؤات بمغادرة أرض الوطن ليست في صالحه!

ألم يحن الوقت للإقتناع فعلاً بأنه "كذب المنجمون ولوصدقوا"؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.