المرأة تقتحم الترشيحات بكثافة.. والعبرة في "التفضيلي"

محمد شرف الدين

لا يزال الاستحقاق الانتخابي صامداً في وجه الخضات السياسية التي تعصف بلبنان بين الفترة والأخرى، ومع إقفال باب الترشح الى الانتخابات، بات الترقب في أعلى مستوياته. كيف لا؟ وهو الاستحقاق الغائب منذ تسع سنوات، يعود اليوم، وبحسب قانون جديد سمي بـ "النسبي".. والأهم أنه عائدٌ بعد سلسلة خيبات أكثر من أن تذكر، أفقدت المواطن ثقته بمن أعطاه صوته، ودفعت بالآلاف للنزول الى الشارع احتجاجاً واعتراضاً، للمرة الأولى في تاريخ لبنان من دون دعوات حزبية، ليشكّلوا "مجتمعاً مدنياً" يرفع صوته في وجه السلطة التي خذلته.

الآمال والترقب على صعيد العمل البرلماني لا تقتصر فقط على ناحية دخول فئاتٍ مدنيّة من خارج الطبقة السياسيّة التقليديّة شابة ومندفعة وتحمل لواء التغيير، ولكن أيضًا لناحية دخول النساء الى البرلمان، خصوصاً في ظل تنصّل مجلس النواب من الوعود التي قطعها حول "الكوتا النسائية".

بحسب وزارة الداخلية، قدم 976 شخص، بينهم 111 من النساء (11.4 في المائة)، طلبات ترشحهم للانتخابات النيابية المقررة في أيار المقبل، ويشكل عدد النساء المرشحات "سابقة استثنائية" في لبنان، بعدما اقتصر عددهن على 12 فقط من إجمالي 706 مرشحين، تقدموا بطلبات ترشحهم في الانتخابات الأخيرة عام 2009، نجح منهن أربعة، هن: ستريدا طوق جعجع، بهية الحريري، جيلبيرت زوين، ونايلة التويني. حصلوا على مقاعدهن "بالوراثة". هذه الدورة تضم لائحة المرشحات عدداً كبيراً من الناشطات في المجتمع المدني، وإعلاميات، وحقوقيات، يقدمن ترشيحهن للمرة الأولى.

"نيابة بالوراثة!"

على مقاعد البرلمان الـ 128، تجلس أربع نساء فقط، وهو عدد متواضع لا بل مخجل مقارنة بدول أصبحت فيها النساء صاحبات قرار ولا تقتصر المناصب التي تحتلها على النيابة او الوزارة، بل تصل الى رئاسة الوزراء أو حتى رئاسة الدولة. والحديث هنا لا يعني البلدان الغربية "المتقدمة" فقط، فكثير من البلدان العربية تفرض كوتا نسائية معينة في مجالس نوابها، وما يدعو إلى الاستغراب أن دولاً عربية كثيرة عرفت التمثيل البرلماني بعد لبنان بسنوات طويلة، سبقته في حجم تمثيل المرأة. ويمكن القول بأن من وصل الى مجلس النواب من النساء، لم تصل بكفاءة بقدر ما لعبت "الوراثة" دورها على هذا الصعيد، فثلاث نساءٍ من أصل أربع تربطهنّ "قرابة" بأحد الزعماء، وهنّ: ​بهية الحريري​ شقيقة رئيس ​الحكومة​ الأسبق ​رفيق الحريري​، و​نايلة التويني​ ابنة النائب السابق ​جبران التويني​، و​ستريدا جعجع​ عقيلة رئيس حزب "القوات اللبنانية" ​سمير جعجع​. حتى النائب جيلبيرت زوين، كان لعائلتها تاريخ سياسي أيام "المتصرفية".

أما البرلمانات السابقة لبرلمان 2009 فلم تكن أفضل حالاً، فـ"الوراثة السياسية" لطالما كانت العامل الأساسي في وصول أيّ امرأة إلى البرلمان، بدليل تجربة كلّ من ​نايلة معوض​ أرملة الرئيس الراحل ​رينيه معوض​، وصولانج الجميل أرملة الرئيس السابق ​بشير الجميل​، أكثر من "فاقعة" في هذا المجال، إذ إنّ المرأتين اختارتا التواجد في البرلمان لـ"حجز" مقعدٍ بانتظار بلوغ "الوريث الذكر" السنّ القانونيّة، وهو ما حصل مع اعتكافهما، بحيث ذهب مقعد الجميل لنجلها ​نديم الجميل، في حين يتحضّر ميشال معوّض لخوض المعركة الانتخابية المقبلة بعدما بات جاهزًا لاستلام الأمانة، التي تصدّت لها والدته لمرحلةٍ مؤقّتة.

أسماء واعدة

كبرلمان 2009، وما قبله، من المتوقع أن تحصل بعض النساء على مقاعد نيابية بـ"الوراثة"، أبرزهن ستريدا جعجع لولاية جديدة، وميريام طوق سكاف التي قررت دخول المعترك السياسي بعد رحيل زوجها النائب الياس سكاف. لكن لائحة المرشحات الـ 111 تضم أسماءً واعدة لنساء يمتلكن كل المقومات، هن نساء عاملات، ناجحات.. وجميلات أيضاً. ونذكر منهن على سبيل المثال لا الحصر، الكاتبة والصحافية جمانة حداد، التي يتم اختيارها سنوياً منذ العام 2014 كواحدة من المئة امرأة عربية الأكثر نفوذاً في العالم (جاءت في المرتبة 36 في سنة 2016) من جانب مجلة Arabian Business، بسبب نشاطها الثقافي والاجتماعي. تعمل حداد مسؤولةً عن الصفحة الثقافية في جريدة "النهار"، وأستاذة في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت، هي ناشطة في مجال حقوق المرأة، ومؤسسة مجلة "جسد" الثقافية المتخصصة في آداب الجسد وعلومه وفنونه. تولّت بين عامي 2007 و2011 مهمّة التنسيق الإداري للجائزة العالمية للرواية العربية (أو الـ"بوكر" العربية)، وهي الآن عضو في مجلس أمناء الجائزة. ولأن الصحافي هو الأقرب الى السياسة من سياسييها، ترشحت الصحافية راغدة درغام، محللة سياسية لبنانية – أميركية كانت تعمل مديرة مكتب جريدة "الحياة" في نيويورك، درغام وصّلت إلى مرتبة رفيعة في الصحافة الدبلوماسية في هيئة الأمم، وهي اليوم برتبة "كبير المراسلين الدبلوماسيين" في هيئة الأمم. إلى جانب المقال الأسبوعي الدائم في جريدة "الحياة"، تكتب في الكثير من الأحيان لجرائد "نيويورك تايمز"، و"واشنطن بوست"، وغيرها من وسائل الاعلام العالمية. من المجال نفسه، تأتي بولا يعقوبيان التي تقدمت بطلب ترشيحها ضمن لوائح "حزب سبعة" بعدما كانت من أكثر المتحمسين لـ "المجتمع المدني" وتحركاته. ليعقوبيان مسيرة إعلامية تمتد على مدى 23 عاماً حاورت فيها أهم الشخصيات السياسية، وقد أطلقت مؤخراً مجموعتها الخاصة من الحقائب النسائية "صديقة البيئة"، وتنظم بشكل سنوي حملة تبرعات تحت عنوان "حملة دفى". ومن خارج المجال الإعلامي تأتي نعمت بدر الدين التي كانت واحدة من مؤسسي حملة "إسقاط النظام الطائفي في لبنان" عام 2011، وبعدها حملات "لا للتمديد" ثم "بدنا نحاسب". في كل تحرك مدني كان لبدر الدين حضور بارز ينم عن طاقة واندفاع و"تعطش" للتغيير، وتم توقيفها أكثر من مرة على خلفية مشاركتها في التحركات المدنية.

الخلاصة أن الانتخابات المرتقبة قد تكون نقطة فاصلة في تاريخ النضال النسوي اللبناني، في لبنان نساء كفؤات، وراغبات في العمل السياسي، وعدد المرشحات المرتفع لا بد أن ينعكس على عدد المتوقّع نجاحهم، فبالعودة الى أرقام انتخابات العام 2009، نرى أن 4 نساء من أصل 12 وصلن الى المجلس، أي ما نسبته 30% وهي نسبة مرتفعة مقارنة بعدد المرشحات المنخفض، أما من حيث المقترعين، فالأرقام تتوزع بنسبة 49.2 في المئة من المقترعين الذكور، و50.8 في المئة من الإناث، وهي نسبة قادرة على ضمان وصول عدد لا يستهان به من النساء الى البرلمان.

أين المشكلة؟

قد يعتبر البعض أن النساء هن المسؤولات في المقام الأول عن غياب العنصر النسائي عن مجلس النواب في السنوات السابقة بسبب قلة الترشيحات، لكن قرار الترشح الانتخابي ليس قرارًا فردياً بل يتطلب دعماً سياسياً، وإذا كانت الأحزاب السياسية ماضية في تهميش النساء ودورهنّ، فإنّ النساء داخل الأحزاب باتت تبذل دورًا مضاعفًا لتغيير هذا السلوك، وفرض وجودهنّ بدليل نسبة الترشيحات المرتفعة هذه السنة. ولعل هذا الأمر لا يتعدى كونه نصف الجواب فقط، فالعقلية الذكورية لا تزال تعتبر أن "السياسة بدّها رجال". هذه الذكورية لا بد أن تترجم بالصوت التفضيلي، الذي تتخوّف المرشحات من أن الناخبين سيفضّلون منح صوتهم التفضيلي، الذي لا يملكون غيره، للذكور، ولا سيما "القادة" منهم، ولعلّ دور النساء بمنع مثل هذه الممارسات يكتسب أهمية مضاعفة، باعتبار أنّ كلّ الإحصائيات تدلّ على أنّ نسبة النساء تفوق نسبة الرجال أصلاً ضمن فئات الناخبين.

 

لائحة التحدّي "نساء عكار"

للمرة الأولى في لبنان، يتم تشكيل لائحة غير مكتملة لقضاء عكار تقتصر عضويتها على النساء فقط. ضمت لائحة "نساء عكار": ثلاثة أعضاء عن السنّة هن رولا محمد المراد، غولاي خالد الأسعد، وسعاد حسن صلاح، وعن الموارنة ماري سالم الخوري، ونضال كرم سكاف عن أحد مقعدي الروم الأرثوذكس، في حين لم تتضمن اللائحة اي مرشحة للمقعد العلوي.

 

نموذج جيلبر زوين

في السنوات الماضية، ​ تحوّلت جيلبرت زوين​ إلى "مضرب المثل" في النكات، بسبب ندرة ظهورها و"عدم سماع صوتها" طول ولاية المجلس.

 وإذا كان صحيحًا أنّ زوين لم تلعب دورها كممثلة للشعب بالطريقة الصحيحة، وهي الغائبة دومًا عن السمع، فإنّ "ظاهرتها" ـ إن جاز التعبير ـ تؤكد على ما تعاني منه النساء في الحقل العام، لأن لدى زوين زملاء من الرجال يتفوّقون عليها في عدم القيام بواجباتهم، بل إنّ بعضهم "مغترب" عن الوطن منذ يوم انتخابه، إلا أنّ أحدًا لا يتعرّض لهم بسوء!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.