هل تُخترق "الثنائية الشيعية"؟

فتات عياد

هي أقل من انصهار وأكثر من تحالف. إنها الثنائية الشيعية الممثلة بـ"حزب الله" و"حركة أمل"، ثنائية "مرتاحة" لوضعها، ومتمسكة بالإنتخابات أشد تمسك، كيف لا وهي التي سعت لتطبيق القانون الإنتخابي الجديد، وارتدته فناسبها القياس، أو رُبما فُصِّل على مقاس أهوائها…

لكن.. كيف يستطيع أن يجدّد "الوفاء" بصوته من لم يعد لديه "أمل"؟ وكيف يثق من جديد من أصابه من كمّ الوعود فتورٌ وملل؟ وأين هي "الأقليات" التي جاء ليمثلها النظام النسبي؟ وأين هي العائلات الشيعية الكبرى والتي ليست بـ"أقليات"؟ وهل يُترجم "غضب" الشارع الشيعي في صناديق الإقتراع فيخرق تلك الثنائية "المقدسة"؟

لم يجدّد كل من "حزب الله" و"حركة أمل" معظم مرشحيهم، وبقيت غالبية الترشيحات تدور في فلك قيادات حزبية دونما تجديد، إن باستقطاب الروح الشبابية، أو بإدخال وجوه لطالما كانت في الخط نفسه إلى كتلتها النيابية، وها هي اليوم بعض الشخصيات العاتبة والتي بات يُسمع لها "عتب"، أو أقله تحفّظ وامتعاض.

لماذا الثنائية الشيعية؟

منذ أن انحصر التمثيل الشيعي بـ"حركة أمل" و"حزب الله" قاضياً على توارث العائلات السياسية الشيعية الكبرى للتمثيل الشيعي والمناصب السياسية، لم يعد لدى الحزبين أي منافس "حقيقي"،  فكيف إذا دخلا الانتخابات بتحالف ثنائي من شأنه أن يختصر أي تمثيل شيعي آخر، وضمور فرص جميع المنافسين بالفوز؟

لا شك أنَّ ما يمثله شخص الرئيس بري لدى جمهور "حركة أمل" أكبر من أن يتم خرقه.. هذه الشخصية التي خدمت "المحرومين" من الشيعة، و"الحامية للطائف" و"المنفتحة على الجميع" و"ضمان للعيش المشترك"… والأهم من كل هذا أنه رئيس لمجلس النواب منذ العام 1992، كيف لا وسماء بيروت أُشعلت بالدخان عندما قال عنه باسيل ما أغضب مناصريه؟ إذاً فحضوره أمر محتّم وأكثر من طبيعي كي تظل سماء بيروت صافية بلا دخان.

أما "حزب الله" فهو حاضر على مستويين، كل منهما يقوي الآخر: حضور سياسي وآخر عسكري. فقوته تنبع من عقائديته الجهادية وما يمثله باعتباره مقاومةً مسلحةً. ولأن سلطته تستمد قوتها عقائدياً، تمددت جذوره في البيئة الشيعية، خصوصاً بعد حرب تموز التي أظهرت قوة لا يستهان بها للحزب، وما زال إلى اليوم يبثّ الرعب في جانب العدو الإسرائيلي.. قوة عسكرية وسياسية ومادية يزيدها الدعم الإيراني قوة.

إذن، تختصر الثنائية الشيعية المشهد الشيعي اليوم، مع نقمة لدى العائلات السياسية الكبرى في البيئة الشيعية التي غُيّبت بعد حصر تمثيل الطائفة في كل من "حزب الله" و"حركة أمل"، لكن هذه العائلات ليست المتضرر الوحيد، فهناك قوى عديدة من المستقلين والمجتمع المدني والمعارضين تحاول أن تفوز ولو بخرق بسيط، كي لا تحتكر هذه الثنائية المشهد الشيعي ككل.

مرشح "دخيل"

أثار ترشيح "حزب الله" لشخصية عن المقعد الشيعي في دائرة كسروان – جبيل من خارج المنطقة، حفيظة أهلها، فالدكتور حسين زعيتر لم تشفع له صفته القيادية في الحزب. ابن بلدة القصر من البقاع الشمالي أتى "من كوكب أخر"، وغيَّب عائلات لها وزنها على الساحة الجبيلية من آل الحسيني  وآل حيدر وآل عوّاد وآل هاشم وغيرها من العائلات الجبيلية، واعتبر البعض ترشيحه الإهانة لهم، فمن غير المعقول ـ برأيهم ـ أن لا يوجد شخص كفوء من بينهم يمثلهم ويليق أيضا بتمثيل الحزب…

أما "حزب الله" فيعلّل الإستنكار الشعبي على اعتبار أن الأصوات المستنكرة "لا تمثل مزاج الناخبين، بل هدفها إثارة بلبلات يستفيد منها مرشحون منافسون للحزب".

ربما يُحجم البعض عن التصويت تعبيراً عن غضبه، وربما يصوت الباقون للمسيرة الحزبية لا لشخص زعيتر. وبما أن هذه الدائرة تمثل أقلية شيعية نسبة لدوائر أخرى حيث يتجلى التمثيل الشيعي، ما يعني أن الفوز هو إثبات وجود في جبيل لن يفرِّط فيه "حزب الله" حتى لو استنكر المستنكِرون وهُمِّش المُهمَّشون.

"لو خضت البحر خضناه معك.. لكن"

ضجَّت وسائل التواصل الإجتماعي منذ فترة بصورة تُظهر يافطة كتب عليها: "سماحة الأمين العام إن خضت البحر خضناه معك.. لكن لم ولن ننتخب من ساهم بتشويه بيئة بلدتنا الدكتور حسين الحاج حسن . ـ اهالي بلدة تمنين الفوقا البقاعية". لم تكن هذه الصورة التعبير الوحيد للإمتعاض من قبل الكثيرين في منطقة بعلبك – الهرمل، لكن اللاَّفت أنها استدعت رداً من الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، في محاولة منه لاستدراك الممتعضين وشد عصب الناخبين كي لا تذهب أصواتهم حيث لا يريد الحزب.

غضب منطقة بعلبك ـ الهرمل لم يقتصر على ممارسات نائب، بل هو غضب من أداء النواب بشكل عام، إنه امتعاض جراء الوعود التي "لم تتحقق" وغياب الإنماء، وتشويه البيئة بالكسارات. فللمرة الأولى يظهر بوضوح غضب شعبي في البيئة الحاضنة لـ"حزب الله" على الحزب نفسه، يُبرره الغاضبون بتأييدهم المطلق لخط المقاومة من الناحية السياسية والعسكرية، وتحفظهم على أداءها الإنمائي.

هذا الغضب نتج عن جو عام عززه تغييب الإنماء، وتراجع الإقتصاد المتجه إلى الهاوية، إلا إذا أسعفتنا المؤتمرات الدولية التي تعول عليها الدولة وأولها "سيدر واحد".

إذاً فالنقمة والغضب ليسا حكرا على طائفة لبنانية دون غيرها، إنما بدأ يتجلى أكثر من ذي قبل نتيجة للفساد الذي مارسته الطبقة السياسية الحاكمة، والتي لم تُعطِ بل أخذت وتمادت في الأخذ ومددت لنفسها لتسع سنوات.

المستقلون في المواجهة: معركة "افتراضية" أم حظوظ حقيقية؟

أما في دائرة الجنوب الثالثة (النبطية ـ بنت جبيل ـ مرجعيون ـ حاصبيا)،  فتأمل قوى اليسار والمستقلين بخرق الثنائية الشيعية، خصوصاً أن الحزب الشيوعي هو الأقوى في الدائرة مباشرة بعد الثنائي الشيعي. وما يزيد احتمال فوزه هو القانون الجديد الذي سيمكنه ربما من توفير حاصل انتخابي، خصوصاً إذا ما جيّر مناصرو حزب "الكتائب" في الدائرة أصواتهم له. وتأتي أيضا لائحة "فينا نغير" التي يترأسها أحمد الأسعد في صلب المواجهة، يحاول رئيسها حصد مقعد نيابي علَّه يسترجع دور آل الأسعد في الشارع الشيعي.

أما في دائرة الجنوب الثانية، فتأتي لائحة "صور ـ  الزهراني معا" في المواجهة. لائحة مكتملة تضم عدداً من المستقلين ومن الشيوعيين، ومن أبرز مرشحيها رياض الأسعد ورائد عطايا. ورغم ندرة الأموال الإنتخابية إلا أنها كغيرها من اللوائح، تحاول الإستفادة من القانون النسبي علّها تحجز لها ولو مقعداً واحداً .

ومع انتظار اكتمال جميع اللوائح، موسم استجداء الأصوات قد بدأ، ووحدها صناديق الإقتراع يوم الإنتخاب ستعطي لكل ذي قوة حجمه.

عناية عز الدين تكسر القالب

كان لافتاً عدد النساء المرشحات للإنتخابات النيابية، والذي وصل إلى 111 مرشحة مقارنة بـ 12 مرشحة فقط في العام 2009. تقدم نوعي للمرأة على مستوى المشاركة السياسية، ولو من باب الترشيح، إلا أن معظم النساء المرشحات تمثلن المجتمع المدني أو مستقلات، بما معناه أن تمثيل المرأة في الأحزاب السياسية ما زال خجولاً، الأمر الذي ينطبق أيضاً على الثنائية الشيعية التي لم تفعِّل دور المرأة في هذا المجال، خصوصاً "حزب الله" الذي كان واضحاً بعدم ترشيح أي امرأة، معللا ذلك أن دور النائب أقلع عن مساره وأصبح خدماتياً، ما يرتب عليه واجبات مناطقية ميدانية كتقديم التعازي في الأتراح، والتهاني في الأفراح، الأمر الذي لا يحبذه "حزب الله" للنساء. هذا الموقف ترك استهجانا لدى الكثيرين الذين اعتبروا أن المرأة لا يعيقها شيء للوصول للتمثيل النيابي، وهي التي نجحت في شتى الميادين.

أما "حركة أمل"، والتي كانت الكتلة النيابية الوحيدة التي قدمت وزيرة امرأة في الحكومة الحالية وهي عناية عز الدين، فقد رشحتها أيضا للانتخابات المقبلة عن دائرة الجنوب الثانية (صور- الزهراني)، وبترشيحها تكون "حركة أمل" قد "كسرت القالب".

27 مقعدا شيعياً في المجلس النيابي، ريما تستحوذ الثنائية الشيعية على أغلبيتها، إلا أن مجرد خرق هذه الثنائية من قبل المعارضين والمستقلين سيُنتج قوى جديدة في الشارع الشيعي، فالمعركة الحقيقية لا تقتصر فقط على نيل المقاعد بل على كمية الأصوات التي ستعكس حجم القوى المعارضة، التي ربما تقلب الموازين، مخرجةً هذه الطائفة من حصرية التمثيل.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.