"المهر" السعودي شرط للعودة.. والصواريخ الإيرانية لا تطعم خبزا

لودوريان في طهران يحدّد المسارات

جورج  علم

سأل جان إيف لودوريان عن "الزعفران" الإيراني، أدرك أن في هذا البلد الذي تحكمه عمامة، ما هو قابل للتصدير غير "الصواريخ الباليستيّة" و"الإتفاق النووي" و"الحرس الثوري"، هناك مجالات هائلة يمكن الإستفادة منها، إن إعتمد الحوار سبيله لتحقيق الأهداف المرجوّة.

ليس بالخبر العادي أن تحطّ طائرة رئيس الدبلوماسيّة الفرنسيّة في مطار مهرباد، وسط أنواء العقوبات الإقتصاديّة الهاجمة من المحيط الأميركي ـ الأوروبي. وليس بالخبر العادي أن يأتي منسّقاً خطواته مع البيت الأبيض. بالطبع صدر ملحق فرنسي يجمّل الموقف، لم يأت مفاوضاً عن الأميركييّن، والملف الذي يحمله تحت إبطه، يتضمّن الأولويات، والإهتمامات المشتركة.

سبقت وزيرة خارجيّة الإتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، نظيرها الفرنسي، في زيارة طهران. حصل ذلك في الماضي. أمّا أن تأتي زيارة الفرنسي اليوم، وفي هذا التوقيت، فمعنى ذلك أن عند الدبلوماسي الهرم شيئاً ليقوله الى الإيرانيين حول المصالح المشتركة، في كلّ من لبنان وسوريا والخليج، وهو الطافح بالخبرة والحنكة والمعرفة..  وطول الأناة.

عندما وصل الى طهران، كان الحديث في بيروت عن السعوديّة، والدور السعودي، وزيارة رئيس الحكومة سعد الحريري الى الرياض، والتحليلات والإستفاضات حول النتائج والأبعاد والخلفيات، وعن الدور الذي لعبته الدبلوماسيّة الفرنسيّة في هندسة معالم الطريق، والجهود التي بذلها الرئيس إيمانويل ماكرون شخصيّاً لتأمين دفء الإستقبال للصديق العائد الى مربعه  بعد أن تركه مجروح الكرامة!.

كان على الوزير لودوريان أن يُدّور الزوايا الحادة، وأن يقنع الإيرانييّن بأن السهوب الزاحفة من صحراء شبه الجزيرة العربيّة لن تستهدف مضارب "حزب الله"، لا في الضاحيّة الجنوبيّة، ولا على إمتداد القرارين 1559 و1701، بل هناك ضابط إرتباط تريد فرنسا أن تنتزع دوره، وتمارس صلاحياته بشكل عادل ومحكم، وعلى قاعدة "لا يؤكل الذئب، ولا يفنى الغنم"!.

تسعى فرنسا ـ ماكرون للعودة الى سوريا والعراق والشرق الأوسط الجديد، من البوابة اللبنانيّة، والمشكلة أن لهذه البوابة خصوصيتها المعقّدة، أرض مفخخة، فيها الألغام الطائفية والمذهبية والفئوية والمناطقية، وفيها ألغام الفساد الذي تحوّل الى نمط عيش، وفيها الوساطات والمحسوبيّات على حساب الكفاءات والمؤهلات، وفيها  "بلطجة" من كلّ الأصناف والأنواع والألوان، وفيها فائض هائل متراكم من الإفرازات العربيّة التي تثقل كاهل البنيّة اللبنانية الداخليّة الضعيفة المتآكلة المتهالكة، والتي لا تقوى على إحتمال هذا القدر الهائل من الأوزار المتناسلة من القضيّة الفلسطينيّة، وصولاً الى القضيّة السوريّة المتفاقمة بشكل مضطرد. أما كيف السبيل للدخول، والإنطلاق؟ فهنا السؤال. لا بل هنا تكمن المشكلة!…

يرحّب الفرنسي بعودة الدور السعودي، فهو "بين أهله، والحريص على عشيرته ضمن البيئة الطوائفيّة المذهبيّة للمكوّن اللبناني"، ولكن ثمة أسئلة  تنتظر أجوبة واضحة. هل تناهى الى مدارك السعوديّة بأن الجيش اللبناني قد حارب الإرهاب، وخاض معارك "فجر الجرود" وإنتصر على "أبو مالك"، وأتباع "داعش"، بسلاح متواضع ودبابات يعود بعضها الى الحرب العالمية الثانيّة؟ وهل تناهى للسعوديّة بأنها تعلن جهاراً نهاراً أنها ضد الإرهاب، وأنها ترأس تحالفا دوليّا لمكافحته، وأنها خصصت يوماً هبة للجيش اللبناني هي كناية عن ثلاثة مليارات دولار تدفع ـ بموجب إتفاقيّة خاصة ـ الى "الأم الحنون" كي تتولى هذه تزويد الجيش بأسلحة فرنسيّة حديثة، وفجأة، وبسحر ساحر، طارت الهبة، وطارت المليارات، ومعها الأسلحة، من دون معرفة خلفيّة الأسباب؟!.

والسؤال الذي تطرحه فرنسا راهناً: كيف ستعود السعوديّة الى لبنان؟ وهل من اللائق أن تدخل فارغة الوفاض، تلوّح بيديها في الهواء من دون هديّة تذكر، ومن دون "مقبّلات"؟!.

ويطرح الفرنسيّون مخرجاً: هناك مؤتمر روما الخاص بدعم الجيش اللبناني، وهناك الأعمال التحضيريّة له، والتي لا تزال ناشطة على قدم وساق. وبهذه المناسبة يمكن للمملكة  أن تقتنص الفرصة، وتعلن أمام مجموع الدول المشاركة عزمها على إعادة تسييل المليارات الثلاثة التي سبق الحديث عنها، لتزويد الجيش ببعض ما يحتاجه من سلاح وعتاد حديث يليق ببطولاته وإنتصاراته على الإرهاب؟!".

هل يصلح العطّار الفرنسي ما أفسده الدهر؟.

الجواب رماديّ لغاية الآن. هناك حوار بعيد عن الأضواء بين باريس والرياض، وقطار منطلق بقوّة، وإن كان يمرّ بطرق متعرّجة، ومحطات  صعبة، بينها محطة الحريري الأخيرة في الرياض، والتي جاءت مغايرة تماماً، إن في الشكل أو المضمون عن تلك التي كانت في الرابع من تشرين الثاني الماضي.

كان هناك تخابر بين الشيخ سعد والرئيس ماكرون، أطلع خلاله الأول، الثاني على حقيقة ما جرى خلال "الكولسات" الطويلة مع ولي العهد محمد بن سلمان. لم يتم الغوص بكامل التفاصيل، وقد تركت حبكتها للقاء مباشر خلال زيارة يقوم بها الشيخ سعد الى الإليزيه لإطلاع ماكرون مباشرة على العناوين والتفاصيل. إلاّ أن "الحشمة" لا تكتمل مواصفاتها مع الثوب القصير، ولا يكفي أن تشارك السعوديّة بمؤتمر روما عندما يعقد، بل عليها أن ترخي سدولها على مؤتمر "سيدر ـ 1" الذي تعوّل عليه فرنسا. وعليها أن تقدّم "رقصة العرضة" التي تغوي دول الخليج الأخرى، خصوصاً دولة الإمارات، وتبادر لأن تشكّل الرافعة التي يعوّل عليها لإنجاح المؤتمر، نظرا لما لذلك من مردود إيجابي يفتح أمامها أبواب عودة مرغوبة ومشكورة من غالبيّة اللبنانييّن.. وليس من بعض السنّة فقط.

… وماذا عن إيران؟.

عند الفرنسييّن حديث طويل. لم يذهب جان إيف لو دوريان الى طهران ليستجدي، ولا "ليحشك" خيشه من مال هارون، بل ذهب ليوفّر مناخاً مختلفاً، ويرمم أواصر ثقة متداعية، ويرسم خريطة طريق واضحة المعالم حتى لا تصطدم المصالح الفرنسيّة مع المصالح الإيرانية في لبنان والمنطقة. وقد نسّق مهمته على هذا الصعيد مع إدارة الرئيس ترامب بشكل يسقط أي إلتباس، او حذر متبادل، وعلى قاعدة أن مجموعة (5+1) عندما أبرمت الإتفاق النووي مع إيران، إنما فعلت لتغيير المسارات، والإنتقال من سباق التسلح الى سباق بناء المصالح المشتركة، "لكن الذي حصل أن إيران أساءت التصرّف، أرادت رفع العقوبات من خلال إبرامها الإتفاق، وأبقت على مصانع أسلحتها الصاروخيّة شغالة، وبوتيرة عاليّة. وسعت الى عودة المصارف، والشركات والإستثمارات الغربيّة الى طهران، مع حرصها  على إطلاق يد الحرس الثوري في الدول العربيّة بصورة غير مسبوقة، فضلا عن أنها تصرّفت كما لو أنها تريد من خلال هذا الإتفاق فرض أولوياتها على الغرب، وتحديدا الدول الموقعة، وهذا ما دفع بالرئيس الأميركي الى أن يرفع الصوت، ويهزّ العصا، ويعلن: إما الإتفاق كما نريده، وكما نريد تطبيقه، وإلا الطلاق".

وإختار المسؤول الفرنسي التوقيت المناسب للقيام بالزيارة، حيث وتيرة الإحتجاجات المطلبيّة تتفاقم في المدن والأرياف الإيرانيّة، تطالب بالخبز، بالدواء، بالغذاء، بالحد الأدنى من الحياة الحرّة الكريمة، الى حدّ أن المحافظين المتشددين المخلصين للعمامة، شعروا بأن الأرض بدأت تميد من تحتهم، وأن الزلزال تزداد وتيرته، وأن الصواريخ الباليستيّة لا تطعم خبزاً، وجولات وصولات الحرس الثوري وفيلق القدس والجنرال سليماني، في مشارق الدول العربيّة ومغاربها، لا تصنع إقتصادا مزدهراً ولا توفّر فرص العمل للشباب المحبط، ولا تأتي بالإستثمارات الواعدة، ولا تغري رجال الإعمال  الى الأسواق الإيرانيّة.

أما في لبنان، فإن لغة السلاح قد تعطلت أبجديتها، وأصبح المنظر نافراً جدّاً، حيث بات من الصعب بناء مجد الدويلة فوق أكتاف الدولة. الفرنسيّون مشاركون بفعالية في عديد قوات "اليونفيل" في الجنوب، ويعرفون الكثير عن طبيعة الأرض، وعن الخصوصية المجتمعيّة القائمة على توازنات دقيقة، ويدركون جيداً بأن هذه الخصوصية لا يمكن أن تحافظ على إتزانها وتوازنها، وهي ترى فائض قوّة عند مكوّن يريد أن يفرض حساباته، وخياراته على المكونات الأخرى، خصوصاً وان هذا الذي يحاول أن يفرضه ليس من بضاعة "صنع في لبنان" بل مستورد من إيران!.

ما يريده الفرنسي، ويسعى اليه بسيط: "تشجيع الصناعة اللبنانية مقابل التخفيف من المستوردات الإيرانيّة".

هل هذا ممكن؟

لم تعد فرص الإنقاذ المتاحة  أمام إيران كثيرة.. درجات الزلزال الداخلي تزداد إرتفاعاً يوماً بعد يوم…

 

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.