بين "تلفيق" التهمة.. و"تلفيق" البراءة!

رفعت البدوي

آثرت عدم الكتابة عما تم تداوله في وطني لبنان من قبل بعض الشخصيات الرسمية مؤخراً بتبرئة أشخاص وإتهام اشخاص آخرين، وطريقة التعاطي مع ملفات ذات حساسية عالية حتى لا توجه إلينا تهمة الانحياز لهذا المتهم أو لذاك البريء، وحتى لا يتم احتسابنا لصالح أي فريق، خصوصاً وأننا نعيش في حمأة انتخابات نيابية يكثر فيها مراعاة البعض طمعاً في كسب أصوات إضافية، وسعياً الى تأييد عائلاتهم بحسب ثقل العائلة وتعداد الناخبين فيها.

من يعتقد ان التراجع عن تلفيق التهمة هي نتاج صحوة ضمير فهو مخطئ، لأن صحوة الضمير لن تكون صحوة بالمعنى والفعل، إلا اذا كانت شاملة لكل ما تعنيه كلمة الضمير الحي الذي بدوره يدفعنا نحو تصحيح الافعال الظالمة، الشائنة او المخلّة، ما يسمح برفع الظلم وإحقاق الحق في شتى المجالات وتجاه كل الاشخاص من دون تمييز. واذا ما اعتبر أمر التراجع عن تلفيق التهمة ضد شخص ما نعمة، فإن تحويل تلفيق التهمة من شخص معين نحو شخص آخر بغرض إثبات براءة الأول، هو لعنة تلبس منفذها و لن يغفرها الضمير الانساني، مهما كان الضمير معطلاً ومهما طال الزمن.

إن ما حصل في بعض الملفات الامنية مؤخراً على الساحة اللبنانية، هو أمر بغاية الخطورة ويدعو إلى القلق، ليس على صعيد الأمن الشخصي لكل منا كمواطنين، وهنا لا تقتصر الخطورة على مصداقية الاجهزة المولجة السهر على أمن الوطن والمواطن فحسب، بل ان الخطورة هي على مستقبل سمعة مؤسسات الدولة برمتها، الامنية والقضائية والاقتصادية والسياسية، وفي طريقة معالجة الملفات الساخنة والحساسة التي تخص أمن الدولة وأمن الوطن و المواطن وذلك على المستويات كافة.

لم أتخيل في يوم من أيام حياتي ان يصل الامر في وطني لبنان الى هذا الدرك من الاستخفاف بعقول وتفكير الناس، أو أن يصل بنا الخوف والهلع الى هذا المستوى من الذعر من أي شيء، حتى في علاقاتنا مع الاشخاص والمؤسسات، أو حتى من طريقة استعمالنا لأجهزة الكمبيوتر أو استعمال هواتفنا الخاصة، وحتى في طريقة التعاطي مع الدولة نفسها او اللجوء اليها بغرض الحماية من الظلم واظهار الحق.

المفترض أن تكون الدولة وأجهزتها الأمنية، الملاذ الامن للمواطن، والمظلة العادلة لرفع الظلم والغبن وكشف التلفيق عن كل المواطنين، من دون استنسابية في التعاطي مع مختلف الملفات والاشخاص بحسب انتماءاتهم العائلية أو معتقداتهم السياسية والحزبية أو الدينية.

في وطني لبنان، أضحت الكيدية السياسية لعبة مباحة  تستعمل بغرض استباحة المحظورات وامتهان كرامات الناس والعائلات، وصارت سمة من سمات العمل اليومي، لدرجة أضاعت معها الثقة بمؤسسات الدولة، وصار المواطن خائفاً تائهاً حائراً، همه الوحيد التفتيش عن زعيم أو نافذ يؤمن له الحدّ الأدنى من الدعم الامني والمعنوي، بعد أن ثبت له أنه يعيش في غابة من التلفيق والتشكيك في كل شيء. وبين مصدّق وبين رافض للتصديق، مشكك في تفسير كل ما يجري كل على هواه وبما يتناسب مع انتمائه السياسي أو الطائفي او المذهبي.

هنا يبرز السؤال عن المعايير المهنية المتبعة في مختلف المجالات الادارية في الدولة، ومستوى الخلل والفساد، وعن امكانية التزوير والتلفيق الذي بات يتحكم بالمؤسسات الرسمية التابعة للدولة، أمنية كانت أم سياسية أو اقتصادية أو طبية.. أو حتى قضائية…

هل من يدلنا على الجهة الصالحة التي تتصف بالمهنية والنزاهة الضامنة لكرامات العائلات اللبنانية وسمعة أفرادها، بعد ان  باتت عرضة للانتهاك والتعدي لمجرد توجيه أو تلفيق التهمة بالخيانة العظمى لصالح العدو الإسرائيلي، وابراز الاتهام عبر وسائل الاعلام ووصفه بـ "الإنجاز الامني النوعي والخارق"، مقروناً مع أدلة واعترافات مسجلة للمتهم، ما أسهم في تشويه تاريخ وسمعة، ليس عائلة المتهم وحدها انما سمعة منطقة بأسرها.. لكن المفاجأة المدوية كانت بـ "تلفيق" براءة المتهم مع أدوات أدلة البراءة، بعد تلفيق التهمة عينها لكن باتجاه مغاير وبحق شخص آخر!

ان "مهنة التلفيق" باتت تتحكم بالعامة والخاصة، وعلى مختلف الأصعدة، في الدولة وأجهزتها، إلا من رحم ربي وبقي محافظاً على ضمير ولو كان مستتراً.

نحن اليوم عشية انتخابات نيابية يكثر فيها تلفيق التهم، كما يكثر فيها تلفيق البراءة، لتبتعد فيها النزاهة في "إجازة إجبارية". وهنا يتبادر الينا التساؤل عن مدى نزاهة العملية الانتخابية ونتائجها، خصوصاً في ظل انعدام ثقة المواطن بأجهزة الدولة الراعية للانتخابات النيابية المولجة تنفيذها والسهر على اجرائها. اما في ما خص عملية فرز الاصوات وضمان عدم التلاعب بصناديق الاقتراع، كما جرى في جولات انتخابية سابقة ومن ثم اعلان النتائج، فمن هي الجهة الصالحة النزيهة، أو الجهاز الضامن لإجراء عملية فرز الاصوات المنتخبة ونزاهة اعلان نتائجها الصحيحة؟

إن ما جرى تداوله في الاسبوع المنصرم من تبرئة أشخاص قبل صدور القرار القضائي، واعادة توجيه الاتهام نحو شخص آخر ـ أو آخرين ـ أصابنا بالصدمة وهزّ الثقة بأجهزة الدولة ومؤسساتها، كما هز ثقة المستثمرين في لبنان وأبعد البعض منهم، تجنباً لمواجهة عمليات تلفيق سبق لها ان حصلت في ما سبق.
وبين تلفيق تهمة وتلفيق البراءة، يبقى الضمير في وطني لبنان مستتراً، حتى تبيان الفتحة الظاهرة في آخره..
أقول وبضمير وطني خالص، صرت خائفاً أن أغفو على  وطن لأصحو في اليوم التالي وأجد نفسي في وطن تم تلفيقه في غفلة الضمير.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.