لا طلاق سياسياً بين "التيار" و"حزب الله"

جوزف القصيفي

كثيرة هي الاحاديث التي تتناولها المنتديات السياسية عن تباعد بين "التيار الوطني الحر" والثنائي الشيعي، وكذلك السيناريوهات التي بدأت ترسم حول موعد الطلاق المزعوم بينهما، والاجتهاد في استيلاد الاسباب التي تعزز هذا التوجه لدى المراهنين على حصول هذا الامر. وينطلق هؤلاء من واقع العلاقة المتردية بين "التيار" و"حركة أمل" التي لم تنجح المساعي في ترتيبها، ونزع فتائل التوتر منها. اضافة الى واقع "حزب الله" المحكوم بعلاقة استراتيجية، وتحالف سياسي وانتخابي مع الحركة. ما يعني أنه عند التخيير والمفاضلة سيكون الى جانب الرئيس نبيه بري، ولو أدى ذلك الى إغضاب "التيار الوطني"، لأن للوسط الشيعي خصوصيته، كما للوسط المسيحي. فـ"حزب الله "لم يعترض على "تفاهم معراب"، وان لم يكن مرحباً به.

ومنذ اللحظة الأولى لإقرار قانون الانتخاب، أدرك الطرفان أنهما أمام تجربة جديدة يتعين عليهما التأقلم معها، بما يعني أن التفاهم الانتخابي في جميع الدوائر سيكون مختلفاً عن الاستحقاقات السابقة. وبالتالي، فإن اختلاف المصالح الانتخابية بين دائرة واخرى، لا ينبغي ترجمته خلافاً، ولا يجب أن يطيح  بنقاط التلاقي الاستراتيجية. والواضح ان هناك تباعداً انتخابياً كبيراً بين "التيار" و"الحركة"، أما الوضع بين الأول و"الحزب"، ليس كذلك.

ويجمع من التقيتهم من كوادر "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" على أن تفاهم "مار مخايل" سيبقى هو الرابط بين الفريقين والناظم لعلاقتهما، وأن هناك إصراراً من رئيس الجمهورية العماد ميشال  عون والأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله على تمتين هذا التفاهم وتطويره على الرغم مما يبرز بين الحين والآخر، من تناقضات حول بعض الموضوعات السياسية والادارية. وان الانتخابات النيابية لن تقف عقبة في طريق تجذير التقارب بين طرفي التفاهم، لأن ما يجمعهما هو أكبر وأوسع من أي خلاف طارئ لسبب انتخابي.

ويرى نائب من "التيار" أنه لا يمكن فك الارتباط بين حليفين عاشا "الحلوة والمرة" منذ العام 2006 ، خصوصاً في الوقت الذي يسعى البرتقاليون الى توسيع اطار تفاهماتهم لتشمل قوى أخرى كـ"تيار المستقبل"، وذلك بهدف أن يتحول "التيار الوطني الحر" إلى جسر يصل بين الضفاف المتباعدة، فيسعى إلى توفير حضور وطني وتأمين نصاب جامع لكل المكونات اللبنانية، في هذا التوقيت الحرج، حيث يواجه لبنان ملفات مصيرية تتناول نفطه وغازه، وماليته، واقتصاده الوطني، ونسيجه الاجتماعي في ظل تعثر حل مسألة النازحين السوريين.

العارفون من الفريقين يقولون: نعم هناك خلافات حول الانتخابات. لكن لا علاقة لهذه بالتفاهم، لأنه بعد السادس من أيار ستعود التحالفات بالخط العريض الى سابق عهدها، وسيلتحق كل "طائر" بـ"سربه" مع إطلالة صباح السابع من أيار، وسيكون مجلس العام 2018، مختلفاً بعض الشيء عن المجالس السابقة، نظراً لطبيعة القانون المختلف. لكن التحالفات – في حدها الأدنى ـ ستبقى كما هي، مع مرونة ستطبع علاقات الكتل ببعضها البعض، في المرحلة الاولى. مع الاشارة إلى أن المطلوب في هذه المرحلة الدقيقة هو تقويم التجارب السابقة واستخلاص العبر، لأن كل التقارير عن الوضعين الاقتصادي والمالي في لبنان مقلقة، وآخرها التقرير الصادر عن شبكة "بلومبرغ" الاميركية.

تبقى هناك العلاقة المتوترة بين "التيار الوطني الحر" و"حركة أمل"، وهي مرشحة للتفاعل إذا لم يجر وضع حدٍ لها، ومعالجتها من الجذور. فـ"التنكيع" و"التنتيع" يسودان لغة التخاطب بينهما في الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. وهي بطبيعة الحال لن تحل قبل الانتخابات النيابية. وبعد الاستحقاق سينصرف السيد نصرالله الى معالجة المشكلات المستعصية والمتمكنة من الفريقين. وسيبذل قصارى جهده لتقريب المسافات بينهما. ولـ"حزب الله" قدرة على التحرك بين الطرفين اللدودين اللذين يجيدان "الخناقة"حول المواضيع الداخلية التفصيلية، بالقدرة نفسها التي يجيدان فيها "فذلكة" التلاقي حول العناوين الوطنية الجامعة.

لن يترك "التيار الوطني الحر" و"حزب الله"  الأمور تتدحرج، ولا للخلاف حول الانتخابات  أن يكسر "جرة" التفاهم. وهما سيعمدان إلى دوزنة أي خلاف على إيقاع المصلحة الاستراتيجية التي تجمعهما. فالرئيس عون لا ينسى الدور الحاسم الذي اضطلع به السيد نصرالله في وصوله الى الرئاسة، كما أن الأخير لا يتنكر للتغطية المسيحية والاحتضان الوطني  الذي وفره "التيار الحر" للمقاومة.

ان هذه الخطوط الرئيسة التي تشد رئيس الجمهورية الى الامين العام لـ"حزب الله" توطد الاستقرار العام في البلاد، وتؤسس أيضاً لاستقرار سياسي، خصوصاً بعد التقارب الحاصل بين الرئيس عون والرئيس الحريري، والذي جاء نتيجة موقف الأخير من الاستحقاق الرئاسي. وكذلك الموقف المتقدم لرئيس الجمهورية من  المشكلة السياسية التي تعرض لها رئيس الحكومة في السعودية، وأدت الى اعلان استقالتها – التي لا تزال أسبابها الحقيقية غامضة – من الرياض.
"كل الناس مسلفين بعض، ومجبورين ببعض".. هكذا باختصار يمكن التعليق على المشهد السياسي الراهن، على الطريقة اللبنانية.

تنتهي الانتخابات، وبعدها يوم آخر. وصافرة السعاة، ستباشر جمع الشمل ولم الشتيت، وتعريب القوى، في انتظار ولادة التكتلات المنتظرة، وإن كانت التبدلات الجوهرية مستبعدة.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.