الاقتراع و"التقريع" في بلاد اليأس والتيئيس!

  حالة إفلاس غير معلنة تبدأ بقروض "المؤسسة العامة للإسكان" ولا تنتهي عند السياسيين

نورما أبو زيد

لم يخطئ سليم الحص عندما كتب ذات يوم، أنّ "في لبنان كثير من الحرية وقليل من الديمقراطية".

في الإجمال، كل ما هو مضر، كثير في لبنان.. وكلّ ما هو مفيد، قليل.

بعد سنوات خمس على التمديد، وتمديد الممدّد، يزهو لبنان الرسمي بانتخاباته، ويزهو لبنان الشعبي باقتراعه، تماماً كما في الأنظمة الديكتاتورية المتشدّدة. أساساً، بماذا نختلف نحن عن هذه الأنظمة؟

قد يكون هذا الكثير من الحرية الذي حدّثنا عنه الحص ذات يوم، هو الفارق الوحيد بين النظام اللبناني وسائر أنظمة العالم المتخلّف، من فاشية وديكتاتورية وتوتاليتارية. وعليه، لماذا نقترع؟ ولمن نقترع؟

تمتاز المجتمعات الديمقراطية بالاقتراع العام، أما نحن فنمتاز بالتقريع العام.

التصويت في الدول المتقدّمة هو إثبات لحضارية مجتمع ودولة، ولكن التصويت "عاللبناني" هو وسيلة لإسباغ شرعية على "النخب" الحاكمة بأمر الفساد والسمسرات والمال.

بحسب "أعرافنا الديمقراطية" الأصيلة والمتأصلة، "دولتنا الأمنية والأمية" توقع بناسها، و"بدري أبو كلبشة" الأجهزة الأمنية، "أنفه لا يخطئ".

بحسب "أعرافنا الديمقراطية"، كلّنا عرضة للـ "تهكير" ولتعكير صفو حياتنا وحاضرنا ومستقبلنا وربما ماضينا. قضية "عيتاني ـ الحاج حبيش"، ظاهرها ومضمونها يشيان بملف جرمي ضدّ السلطة برمتها، ومع ذلك نحتفل بالاقتراع لها، وبتقريعها لنا.

بحسب "أعرافنا الديمقراطية"، فبركة تهمة العمالة شطارة، والمفبرك ابن دولة أكبر من دولته، والقرصان المخبر شاطر يحميه جهاز دولة.

في "دولة صناديق الاقتراع"، يُخترق "الموساد" ويُحوّل إلى صندوق بريد لتسديد الضربات الداخلية.

وفي "دولة صناديق الاقتراع"، يخبرنا الأمين العام لـ "حزب الله" أنّه لا يشتري الأصوات بالمال، ويتناسى أنّ مناطقه تشهد تزكية لا اقتراع.

وفي "دولة صناديق الاقتراع"، يطوف رئيس الحكومة في الخارج، وفي رحلة طوافه السياسية، يبلع "البحصة" العالقة منذ أشهر في زلعومة، ونصاب جميعنا بـ "المرارة".

وفي "دولة صناديق الاقتراع"، يخبرنا رئيس حكومة سابق، في بيان عزوفه عن الترشّح، عن برنامج عمل طموح لمرحلة ما بعد الانتخابات، علماً أنّ طموحه هذا لم يترجم إلاّ ارتفاعاً في ديننا العام يوم كان على رأس السلطة.

وفي "دولة صناديق الاقتراع"، السجال الكهربائي بين "خليلي" المالية والموارد المائية والكهربائية، يقطع "التيار" الكهربائي، و"العوض بسلامتنا".

وفي "دولة صناديق الاقتراع"، الهواء ملوث، والماء ملوثة، والنفايات منتشرة، والبطالة "ضاربة طنابا".

في "دولة صناديق الاقتراع" حالة إفلاس غير معلنة، تبدأ بقروض "المؤسسة العامة للإسكان"، ولا تنتهي عند السياسيين.

في "دولة صناديق الاقتراع" أسئلة كثيرة عن مدى مطابقة المرشحين للمواصفات التمثيلية؟ هل هؤلاء يمثلون لبنان بناسه ونفطه وأرضه؟

في الحديث عن المواصفات، الوراثة السياسية لمن يستحقّ ولمن لا يستحقّ، أمّا "ديمقراطية التنافس الرأسمالي" على مقاعد البرلمان، فهي آخر صيحات نظامنا السياسي "الديمقراطي".

عتاة الرأسمالية هم الأكثر حماسة لدخول البرلمان. يتمّ الحديث تحت الطاولة وفوقها عن تجار سلاح، وتجار مخدرات، وتجار نساء. نسبة عالية من "التجار الأشاوس" مرشّحة لتمثيل مجموعة تنتمي إلى قبيلة "الفجّار".

الصوت التفضيلي هو آخر ما "تفتّقت به "ديمقراطيتنا" الأصيلة. نستبدل من خلاله التغيير بوهم التغيير. وبعد، نسأل لماذا كلّ هذا التعتير. نُسقط ورقة في صندوق الاقتراع، ونخال أنّنا نمارس ديمقراطيتنا الموهومة من خلالها.

على الصعيد الشخصي، قرّرت في ظلّ حمأة "التجار" و"الفجار"، وضع معايير أقترع على أساسها.

قرّرت أن أقترع لمن يرفع شعار لبنان أولاً، فعلاً لا قولاً، وألاّ أقترع لمن يكتفي بارتداء زيّ الوطنية في المواسم الانتخابية.

قرّرت أن أقترع لمن لم يفتتن يوماً إلاّ بالأرزة، ولم يفضّل عليها لا زيتوناً ولا بلحاً.

قرّرت أن أقترع لمن لا ينتمي إلى محاور محلية وإقليمية ودولية، ولمن لا يحوّل ربطة عنقه إلى ربط رقبته بهذا المحور أو ذاك.

قرّرت أن أقترع لمن ينحني أمام تضحيات المؤسسة العسكرية، لا لمن يبجّل الجيوش الأجنبية.

قرّرت أن أقترع لمن يعيد تأميم الأملاك العامة المسلوبة من بحرية وبرية.

قرّرت أن أقترع لمن يؤمّن فرص عمل للمعوقين.

قرّرت أن أقترع لمن لا يحرّض طائفياً ومذهبياً.

قرّرت أن أقترع لتغييري لا لمتغيّر ومتبدّل ومتلوّن.

في الانتخابات المقبلة، سأقترع لمن يكنس النفايات من شوارعنا ويزرع مكانها شجراً وورداً.

سأقترع لفقير صادق يمثّل الفقراء، لا لرأسمالي ما حلّ علينا نائباً إلاّ طلباً لغطاء، ويحدّثنا في الإعلامين الداخلي والخارجي أنّ "الفساد والهدر من أسوأ ما يشهده لبنان".

سأقترع لمن ينحني أمام المرأة ويقدّر وجودها وعطاءها وتضحياتها.

سأقترع لمرشحة تطالب بالمساواة التامة بين المرأة والرجل من دون اعتبار لشرف الذكور الرفيع.

سأقترع لمرشحة تعتبر أنّ كلّ يوم هو يوم المرأة، ولا تنتظر يوماً واحداً في السنة للاحتفال بعيد المرأة.

سأقترع لمرشحة مفكرة لا لمرشحة تنتمي إلى مقاهي المجلات النسوية.

باختصار، سأقترع لمن يسير أو تسير عكس السير. فهل من يسير عكس السير في "ديمقراطيتنا" الأصيلة والمتأصلة التي تشهد على أكبر عملية سقوط للدولة، ونحن على بعد شهرين من فتح صناديق الاقتراع؟

الأكيد هو أنّ المنافسة ليست على البرامج، وتقتصر على المقاعد، وقد يكون الحلّ بإسقاط ورقة بيضاء، ولكن بما أنّ الانتخابات طبخة بحص، فلنقترع لكسارات الشمال والجنوب والبقاع التي تعمل 24/ 24، ولكسارة كفرفالوس التي تأجّل العمل بها إلى ما بعد الانتخابات، و… و…

الدولة تقضم ظهرنا، والكسارات تقضم ظهر الدولة، لذا فلنقترع للكسارات التي تقضم ظهر من يقضم ظهرنا، وأهلاً بنا جميعاً في بلاد اليأس والتيئيس.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.