أفيون الشعوب.. "كنز" لبنان!

لبنان الأخضر يشرّع زراعة الحشيش الأخضر!

/ فتات عياد /

لطالما اعتمد لبنان الاقتصاد الريعي، فهزّته ضربة أمنية، أو جمّدته حكومة استعصت على التشكيل. ولأن "الإنتاج" عوض "الريع" هو البديل، هل تمتلئ سهول البقاع بالحشيشة فنصدّر أوراقاً خضراء، تدرّ علينا أموالاً "خضراء"، على وقع "خضرا يا بلادي خضرا"؟!

"ماكينزي".. خطة لم تكتمل سطورها

أوصت شركة الإستشارات الأميركية العالمية "ماكينزي" بتشريع زراعة القنب الهندي (الحشيشة) لأغراض طبية، بعد دراسة أجرتها ووضعت فيها عدة توصيات للنهوض بالإقتصاد اللبناني.. تلقف رئيس مجلس النواب نبيه بري التوصية بالإيجاب، وأعلن المضي في إقرار قانون يشرّع الحشيشة وينظم زراعتها.. رحّب النائب السابق وليد جنبلاط  بالخطوة، كيف لا وهو الذي لطالما طالب بتشريعها، مستبقاً بذلك الخطة ـ باهظة الثمن ـ التي خلصت إليها ماكينزي.. فيما بقي بعض النواب على تحفظهم من تحول هذا القطاع إلى "مزراب" جديد للفساد، أو استخدامها لغير الأغراض التي ستشرع لأجلها، أي لـ"الكيف"، وعدم مقدرة الدولة على ضبط هذا القطاع. لكن حتى "ماكينزي" استبعدت أن تدر الحشيشة علينا الأموال في القريب العاجل، معتبرة أن تحويل هذه التوصية إلى واقع سيستغرق وقتاً ليس بقريب…

الدولة اللبنانية.. "قدّها وقدود"؟

إن تشريع زراعة الحشيشة وتصديرها للخارج بقانون، سيحتاج لمراسيم تطبيقية، كغيره من القوانين، أما التحديات التي ستواجهها الدولة في هذا الخصوص، فهي تعدد بين جودة النبتة واستيفائها للشروط الطبية، وحصر الأراضي التي ستزرع فيها كي لا يتحول سهل البقاع كله إلى "حشيش"، كما ومراقبة تصريف الإنتاج وضبطه، وغيرها من التحديات…

لكن هل ستفلح الدولة في حصر زراعة وتصدير الحشيشة،  هي نفسها التي "تعثرت" لسنوات ولم تفلح في وعود بالكهرباء 24/24، أو إيجاد مخرج "صحي" لأزمة النفايات؟

هل ستفرض الدولة الشكل الذي تريد لهذه الزراعة، وتحصرها بالتصدير لشركات الأدوية؟ هذه الدولة نفسها "تصارع" اليوم لتنفيذ كلمتها على أصحاب المولّدات، فكيف لها أن تواجه هاربين من العدالة وتجار مخدرات في البقاع، وتقنعهم بأن هذه الحشيشة هي لأغراض طبية حصراً؟!

أما المعضلة الثانية، إن صحّ التعبير، فهي تكمن في حصول لبنان على المرتبة 143 في مؤشر الفساد من أصل 180 دولة، في وقت يحاول لبنان كسب ثقة المجتمع الدولي المهزوزة به أصلاً. بلد قد تآكلت مؤسساته بالفساد، هل يكسر القاعدة بـ "شفافية" و"مصداقية" في تطبيق زراعة الحشيشة؟ أم هي "مزراب" جديد سيدرّ على "فاسدي" لبنان المزيد من الأموال، ويدرّ علينا المزيد من "الهدر"، و"المُحشِّشين"؟!.

إنماء بعلبك-الهرمل.. انتخابات "حشيش"

لا يخفى على أحد أن زراعة الحشيشة كانت مقبولة أيام الحرب، بل ومحميّة، كما أن جودتها مشهود لها عالمياً. وها هي اليوم تُتلف محاصيلها ويُلاحق أصحابها، وتقع صدامات بين الدولة والعشائر في كل مرة "تصادر" الدولة فيها أرضاً مزروعة بالحشيش…

تزامن الحديث عن تشريع هذه النبتة، مع الإنتخابات النيابية في لبنان. ولأن منطقة البقاع، لا سيما بعلبك –الهرمل، هي "منطقة المحرومين" إنمائياً، ولأنها المنطقة الأكثر زراعة للحشيشة نظراً لطبيعة أرضها الزراعية، نجح القنّب الهندي بأن يكون ورقة تلوّح بالإنماء، ليس فقط للأرباح الطائلة والعائدة على المزارعين بالدرجة الأولى، بل لأن قانون تشريعها سيبطل مذكرات توقيف بحق الكثيرين ممن زرعوها أو تاجروا بها. ورقة الحشيش تزامنت مع ورقة "العفو العام" حينها، لكن تلك الانتخابات لم ينبت "حشيشها" بعد!

هذا الاكتفاء الذاتي لمنطقة "منكوبة" إنمائياً واقتصادياً، جعل الحلم في زراعة الحشيشة ينتقل لمختلف المناطق اللبنانية التي باتت تحسد طبيعة المنطقة الجغرافية.. الحشيشة إن زُرعت وبيعت ستدرّ أرباحاً طائلة، ليس فقط على ذويها بل على الاقتصاد اللبناني ككل، وربما تكون الركيزة التي "تنتشل" إقتصادنا من مستنقعه العميق!

لأغراض طبية انتاجية.. "يا فرحة ما كملت"!

إن جودة نبتة الحشيشة يجب أن تستوفي شروط الأغراض الطبية التي زُرعت لأجلها، لا أن تستوفي مزاج "كيفنا". لذا فإن الرقابة على زراعتها، واستيفاءها للشروط، سيمكّنها من الاستحواذ على مكانة عالمية تستطيع بها الدخول إلى عالم تصنيع الأدوية من بابه العريض، أدوية لأمراض مزمنة، كالصرع والسرطان وغيرها، في حين أن الشعب اللبناني يعاني من مرض "الإحباط" و "فقدان الأمل".. ومن "أفيون الشعوب" الذي هو الطائفية المستشرية في نفوس أهله، ويخافون عليه من الحشيش!.

كندا.. إلى الكيف در!

شرّعت كندا زراعة وبيع الحشيشة لـ"الكيف" في 17 من تشرين الأول لهذا العام، وتهافت الناس لشرائها في أولى ساعات المبيع العلني القانوني. كندا ليست الوحيدة في هذه الخطوة، بل سبقتها الأوروغواي وعدة ولايات أميركية أيضاً.

حشيشة الكيف شُرِّعت في أقوى الدول من حيث الإقتصاد، وحشيشة لبنان ما زالت على سكة الإنطلاق نحو الأغراض الطبية، سكة علَّها لا تشبه سكك لبنان الحديدية، كي لا تصدأ الحشيشة حتى قبل موسم الحصاد!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.