البطاقة الصحية.. متى تجتاز الاختبار "الصحّي"؟

عراجي: الكلّ مستفيد!

/ محمد شرف الدين /

استطاعت اللجان النيابية أن تكسر أخيراً المناخ السلبي المرتبط بتردي الوضع الاقتصادي، وتأخّر تشكيل الحكومة، وحالة الشلل التشريعي الذي تعيشه البلاد، من خلال إقرارها مشروع قانون البطاقة الصحية التي قد تكون مدخلاً لحصول اللبنانيين على نظام طبي موحّد يؤمّن رعاية طبيّة لائقة.

مشروع القانون سلك طريقه في لجنة الصحة، ولجنة الإدارة والعدل، وأخيراً في لجنة المال، وأصبح اليوم على أبواب الهيئة العامة في انتظار إقراره في مجلس النواب. وفيما يعتبر البعض أن القانون مليء بالشوائب ويلفّه الغموض، إلا أنه يبقى خطوة مهمة للأمام، خصوصاً أن 40 في المئة من اللبنانيين لا يستفيدون من الضمان الاجتماعي، أو من أيّ من مؤسسات الرعاية الطبية الأخرى.. فما هي البطاقة الصحية؟ ماذا تقدم؟ ومن المستفيد من خدماتها؟

ملف طبي الكتروني

البطاقة الصحية هي بطاقة الكترونية، يحصل عليها أي لبناني، من دون أي شرط، من خلال تقديم طلب شخصي إلى وزارة الصحة العامة. هي بطاقة شخصية، يستفيد منها المواطن بمفرده، وعليه، لا تشمل خدماتها أي فرد آخر من الأسرة. تتضمن هذه البطاقة كل تاريخ المواطن الطبي منذ ولادته حيث يعمل فريق مخصص من الوزارة على جمع كل المعلومات الصحية والفحوصات التي أجراها المواطن في المستشفيات والمراكز الطبية، فلا يضطر المواطن إلى إجراء الفحوصات كلها من جديد في حال نقل ملفه من طبيب إلى آخر. وتغطي البطاقة الخدمات المحددة بحسب بروتوكولات وزارة الصحة، وهي تشمل الرزم الصحية الأساسية والعلاجية، كتوفير الفحص الطبي والفحوصات المخبرية والشعاعية السنوية في المستشفيات الحكومية، والاستشفاء في المستشفيات الحكومية وفي المستشفيات الخاصة المتعاقدة مع وزارة الصحة، وتأمين غسيل الكلى، وتقديم أدوية الامراض السرطانية والمستعصية.

يستفيد من البطاقة جميع اللبنانيين، وهم يقسمون الى فئتين: فئة مضمونة من إحدى الجهات كالضمان الاجتماعي أو التعاونيات. فتبقى نسبة التغطية من التكاليف كما هي ولكن المواطن يستفيد من البطاقة كونها تتضمن كل ملفه الطبي فلا يكرر الفحوصات. وفئة غير مضمونة: يقدر عددها بأكثر من مليون ونصف لبناني ستحصل على الرعاية الطبية على حساب وزارة الصحة بنسبة 90% من قيمة الاستشفاء في المستشفيات الحكومية والخاصة المتعاقدة مع وزارة الصحة. وبنسبة 80 % من قيمة الفحص الطبي والفحوصات المخبرية والشعاعية في المستشفيات الحكومية.

كيف ستمول البطاقة؟

يشرح رئيس لجنة الصحة النيابية النائب عاصم عراجي، أن 35% من الشعب اللبناني ينتسبون للضمان الصحي و15% إلى أسلاك عسكرية وتعاونية موظفين وصناديق تعاضد، أما ما يتبقى، أي ما بين 45 لـ 50 % من الشعب اللبناني ليس لديه مؤسسة ضامنة سوى وزارة الصحة، ويشرح أنّ وزارة الصحة تقوم كل عام بفتح اعتمادات برقم محدد لكل مستشفى، لكن هذه الاعتمادات تنتهي بحلول الأسبوع الثاني من كل شهر، فيأتي رد المستشفى بعدها أن لا أسرّة على حساب الوزارة. ويوضح عراجي أنّ النقص في الادوية السرطانية، دفع بالوزارة لتقديم اقتراح قانون يقضي بفتح اعتماد 75 مليار ليرة لتلبية الحاجات.

وفق النظام الجديد، الأموال التي تصرفها الوزارة سنوياً، ستحول الى صندوق البطاقة الصحية، التي تعتبر اطاراً تنظيمياً للاستشفاء على حساب الوزارة، ويضاف اليها واردات جديدة للبطاقة. وقد كان الطرح الاول ان يدفع الفرد 100$ بالسنة، فتدفع العائلة المكونة من خمسة أشخاص 500$ سنوياً، وهو مبلغ لا تستطيع معظم شرائح المجتمع تحمله، لذلك سوف تكون هناك استثناءات لحاملي بطاقة الأشد فقراً، أضف إلى الذين تجاوزوا الـ 64 سنة، ومن هم تحت سن معين". لكن هذا الطرح لم يسلك طريقه في اللجان النيابية خصوصاً أن موضوع بدل الاشتراك السنوي يتعارض مع إلزامية البطاقة الصحية.

يتابع عراجي أنّه تم طرح طريقة ثانية للتمويل تتمثل بفرض ضرائب على الخليوي، بحيث يتمّ اقتطاع 8% من اشتراك الهاتف الخليوي، وتحول هذه النسبة الى صندوق البطاقة الصحية. وقد أجرت الوزارة دراسة على هذا القطاع، واحتسبتها بشكل تصبح فيه الضريبة تصاعدية. كلما زاد التخابر كلما ارتفعت الضريبة لصالح صندوق البطاقة الصحية. فعلى سبيل المثال بالنسبة للخطوط المدفوعة سلفاً، من لا تتخطى قيمة تخابره الـ 50$ يدفع ضريبة 6$، ومن يتخطى هذه القيمة يدفع ضريبة أعلى. يشرح عراجي أنّه حصل نقاش معمق حول مصادر تمويل البطاقة، لكن اللجان لم تتمكن من الوصول الى اتفاق، فترك الامر للهيئة العامة، لكن البنود المتبقية كلها متفق عليها.

مؤسسة ضامنة واحدة

يقول عراجي ان نواب "كتلة المستقبل" التي تقدمت باقتراح القانون، وعملت عليه لجنة الصحة برئاسة النائب عاطف مجدلاني اعتبرت ان هذه الهيئة يجب ان تكون مستقلة. الطرح الثاني كان ان تتبع للضمان الصحي، على اساس ان المادة 12 من نظام الضمان الصحي تنص على ان الضمان الاجتماعي يجب ان يشمل كل شرائح المجتمع اللبناني، لكن الكتلة اعتبرت ان الضمان الاجتماعي يعاني من مشكلة مالية كبيرة.  فالضمان الذي يتألف من ثلاثة صناديق هي فرع المرض والأمومة، التعويضات العائلية، وتعويضات نهاية الخدمة، اضطر لاستلاف مليارين من صندوق نهاية الخدمة لصالح فرع المرض والامومة، ما أدى الى مشكلة توازن مالي، ليتم الاتفاق في النهاية على ان تبقى البطاقة الصحية تحت رعاية وزارة الصحة، وتكون تابعة للجنة معينة تديرها، وتكون هذه اللجنة مؤلفة من مدير عام وزارة الصحة، مدير قسم الصيدلة في وزارة الصحة.. بالإضافة الى خبير اكتواري وخبير مالي".

وعن إمكانية تهرب ارباب العمل من تسجيل موظفيهم في الضمان الصحي كي لا يضطروا لدفع الرسوم، طالما انهم سيستفيدون من البطاقة، يقول عراجي: "لا اعتقد ان هذا الامر سيحصل، وبالمناسبة هناك مشروع قانون تقدم فيه النواب أنور خليل وياسين جابر لضم أصحاب المصالح للضمان الاجتماعي، على ان يدفعوا رسوم اشتراك اعلى من المواطن العادي، ولا اعتقد ان ارباب العمل سيتهربون من تسجيل موظفيهم في الضمان الاجتماعي، ويجب ان يحصل ضبط لهذا الموضوع وان تفرض عقوبات على المؤسسة التي لا تضمن موظفيها".

ويختم حديثه بالقول إن "هذه البطاقة تعني كل اللبنانيين وكل الأحزاب والأطراف، والمفروض ان لا يقف احد بوجه هذا النظام لما فيه من افادة لجميع المواطنين على اختلاف طبقاتهم، وان اختلفنا على بعض المواد في القانون يجب الموافقة على القانون بشكل عام ليسلك طريقه ويستفيد منه الجميع".

الكل له فضل!

بحفاوة كبيرة استقبل اللبنانيون خبر اقرار قانون البطاقة الصحية في اللجان النيابية (الصحة، الادارة والعدل، والمال والموازنة)، وأصبحت محور حديث المواطنين حتى قبل وصولها الى ابواب الهيئة العامة. على مواقع التواصل الاجتماعي، نقاشات وحوارات وجدالات، البعض رحب بهذه الخطوة واعتبرها تشكل بصيص أمل يضع حداً للموت على ابواب المستشفيات. لكن النقاشات بمجملها اتخذت طابعاً سياسياً، وتحولت البطاقة الصحية الى انجاز يرغب الجميع بأن ينسب فضله الى حزبه وزعيمه. "يا رايح كتر الملايح"، غرد أحد مناصري حزب "القوات اللبنانية" عن نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الصحة غسان حاصباني مثنياً على هذا الانجاز الذي "سيضع لبنان على خارطة الدول الأكثر تقدّماً وتقديماً للخدمات الطبية"، فيما غرد أحد محازبي التيار الوطني الحر "مشروع البطاقة الصحية صرلو 10 سنوات في الادراج واليوم أبصر النور.. العهد بدون حكومة قادر على الانجاز كيف اذا مع حكومة؟" ليرد قواتي آخر "غريب أن أحداً لم يعرقل انجازكم كما عرقلوا انجازاتكم في ملف الكهرباء". وفيما تداول البعض تصاريح للوزير السابق محمد جواد خليفة، تعود للعام 2008، تأكيداً أنه أول من تحدث عن هذا المشروع، تداول اخرون روابط تعود للعام 2017 تؤكد أن تيار المستقبل، ممثلاً بالنائب عاطف مجدلاني رئيس لجنة الصحة في وقتها، هو أول من تقدم بمشروع قانون التغطية الصحية الشاملة عام 2013!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.