السلطة.. في الغربة السياسية وجنونها

  بسام ضو (*)

يُحدد العلم السياسي السلطة ـ بكل مكوّناتها ـ بأنها هيئة سياسية تستمّد هيبتها من الشعب إنطلاقًا من شرعة حقوق الإنسان، وفي لبنان إنطلاقًا من مقدمة الدستور سندًا للفقرة /د/ منها. كما يلحظ العلم السياسي أنّ السلطة، وبكل مندرجاتها، هيئة تختص بطرح قوانين وإقرارها وتنفيذها، والنهوض بعبء الوظائف الإدارية والتشريعية والسياسية.

إنّ العلم السياسي واضح في توصيفه عمل السلطة التنفيذية، ويُدرج إختصاصاتها بتنفيذ القوانين التي تُقرِّها السلطة التشريعية "وهي المفسّرة والمنفذة والمفصلة للقوانين بإعتبارها Réglements معرض ممارستها لهذا الإختصاص تقوم بإصدار اللوائح أقرب للواقع والأكثر فهمًا له من السلطة التشريعية". ويعتبر العلم السياسي أنّ السلطة التنفيذية تختص بمهام حفظ الأمن على ما جاء في الدستور اللبناني الباب الثالث: مجلس الوزراء ـ المادة /65/ الفقرة /2/ والتي تنص: "السهر على تنظيم القوانين والأنظمة، والإشراف على أعمال كل أجهزة الدولة من إدارات ومؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية بلا إستثناء". كما أنّ مهام السلطة التنفيذية تشمل مهام حفظ الأمن وبصورة مطلقة لا جزئية على ما هي اليوم، والأمثلة كثيرة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:

السلاح اللاشرعي المتفلِّتْ والمخالف لبند وثيقة الوفاق الوطني باب "حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية".

وأيضًا قضية السلاح الفلسطيني في المخيمات الذي يُخالف مبدأ السيادة الوطنية الناجزة، ولا حاجة لذكر ما قاله الرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في إحدى زيارته إلى لبنان "المخيمات الفلسطينية يجب أن تخضع لسلطة الدولة اللبنانية"، والأكيد أنّ هذا المطلب لم يُنفّذ من قِبَلْ السلطات اللبنانية المتعاقبة.

إنّ أولى مهمات السلطة، وبكافة مندرجاتها:

إحترام الدستور والقوانين المعمول بها والإلتزام بها وعدم إهمالها وتجويفها من مضمونها، كما يحصل اليوم.

نبذ العنف كوسيلة للتعبير أو العمل السياسي، أو البقاء في السلطة والتنديد بالديمقراطية، خلافًا لِمَا يحصل اليوم.

إحترام الحريات الفردية والجماعية وإحترام حقوق الإنسان، وهي أمور تُخالفها السلطة اليوم.

رفض الممارسات الإقطاعية والمحسوبية، وهي أمور للأسف حاصلة ولا خجل من السلطة القائمة في إعادة فرض مناصريها والمحسوبين عليها ولا سيّما الأقارب.

الحفاظ على السيادة الوطنية، وهو أمر تخطته السلطة منذ الخمسينات.

إحترام مبدأ التداول على السلطة عن طريق الإختيار الحر للشعب اللبناني، وهذا أمر لم يحصل لأنّ القوانين الإنتخابية يَضعها من هم قيّمون على السلطة وغالبًا ما تأتي نتائجها لصالحهم.

الحفاظ على سلامة التراب الوطني. وهنا حدِّثْ ولا حرج لأن كل مكوّن سياسي يفهم هذا المبدأ وفقًا لحاجات الدول التي يأتمر بأمرها…

العالم السياسي Maurice Duverger يعتبر أنّ النظام السياسي يحتوي، ومهما كانت طبيعته، على عناصر ملكية وعلى عناصر أوليغارشية وعلى عناصر ديمقراطية، élements monarchiques – élements oligarchiques – élements démocratiques. وفي لبنان للأسف تحتل العناصر الديمقراطية موقعًا هامشيًا في النظام السياسي اللبناني، وهذا الأمر لا يُسهِّلْ مهام بعض المؤسسات التي يُفترض منها العمل على وقف السلطة عند حدودها، وهذا ما ينعكِسُ سلبًا على الواقع السياسي في لبنان.

هذا ما يُفهم منه أنّ هناك إشكالية جوهرية في معرفة ما إذا كانت السلطة اللبنانية القائمة اليوم تعمل وفقًا للأصول الديمقراطية. وعمليًا لا يوجد سلطة مضادة، وحتى لا إمكانية لإيجاد سلطة مضادة تعمل على وقف السلطة القائمة الحاكمة عند حدودها من أجل حماية الحقوق والحريات الفردية. والظاهر أنّ هناك سلطة صُوَرية قائمة اليوم، وهي مجرد آليات لدعم هذه السلطة القائمة والتي تزيد الأمور سوءًا: أمنيًا ـ سياسيًا ـ إقتصاديًا ـ إجتماعيًا…

دائمًا في محاضراتنا وأبحاثنا، وسندًا للعلم السياسي، نعتبر أنّ الممارسة السليمة في المراكز السلطوية الشرعية هي ممارسة قانونية دستورية، أي أنه يجب أنْ تتقيَّد بالقوانين وتلتزم بأحكام وثائق التنظيم التي تبنّتها. كما هي ممارسة منضبطة تتبع بدقة إجراءات وقواعد المداولات التي تستقر عليها الدول الحديثة.

حبذا لو يأتينا من يُطبق ما يحدّده العلم السياسي كي لا نبقى في الغربة السياسية وجنونها.

(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.