هل يتقاعد نبيه برّي؟

خضر طالب /

هي المرة الأولى التي لا يكون فيها رئيس المجلس النيابي نبيه بري على خط التماس في المفاصل السياسية.

رفع صوته مراراً موجهاً رسائل صريحة وواضحة: "أنا لست شريكاً في المشاورات". كان ينتظر جواباً أو مبادرة أو اللجوء إليه ـ كالعادة ـ ليبتكر مخارج للإنسداد في الأفق السياسي.. لكن المفارقة أن رئيس المجلس بقي وحيداً، ثم انضمّ إليه حليفه "الأبدي السرمدي" وليد جنبلاط.

هل ثمة استهداف لشخص نبيه بري؟ أم هو استهداف لموقع الرئاسة الثانية لقضم صلاحيات منها، على غرار القضم الجاري لصلاحيات الرئاسة الثالثة، وذلك بهدف "إقامة التوازن" السياسي في "سيبة" الحكم؟

والواقع أن رئيس المجلس لم يخسر صلاحيات دستورية لا بالنص ولا بالعرف، إلا أنه خسر موقعاً كان اكتسبه بفعل الدور والخبرة وقوة الشخصية.. وقوة الاستشعار التي يتمتع بها في المحطات الوطنية والمفصلية.

لا يريد نبيه بري التقاعد السياسي اليوم، لكنه يتركهم وحدهم لنزع الشوك طالما أنهم مقتنعون بقدرتهم وذكائهم "المفرط"، أو بسبب حسابات سياسية تقيس بمنطق مختلف عن حسابات رئيس المجلس.

لكن نبيه بري مقتنع أنهم سيأتون إليه عندما يعجزون عن تفكيك الألغام السياسية في التركيبة الوطنية، وعندما يفشلون في فك شيفرة التوازن الوطني. عندها سيكون نبيه بري هو صاحب الكلمة الفصل في توجيه دفة البلد، وإدارة الخلافات ونزع فتائل التفجير التي أشعلوها بممارسات مراهقة ونزقة.

يشعر نبيه بري أن شركاءه السياسيين اليوم مراهقون.. يجرّبون أنفسهم ويتدرّبون بالبلد ومصيره.

لكن.. ماذا لو أصر هؤلاء على تفادي المثول أمام "الأستاذ"؟

سيكون منطقياً الاعتراف آنذاك أن دور نبيه بري قد تراجع.. لكن هل يستسلم نبيه برّي لـ"شيخوخته" السياسية، وبالتالي يقبل بما يرسمه الآخرون من أدوار لهم وله؟

وهل يسلّم نبيه برّي بتقاعده السياسي مع احتفاظه بموقعه الرئاسي في الولاية الحالية للمجلس النيابي، على قاعدة "كفى الله المؤمنين شرّ القتال"؟!.

الأرجح أن نبيه بري لا ينام على ضيم، وسيكون له في الوقت المناسب الكلام الذي يُسمِع ما كان به صمم.

والأرجح أن نبيه بري يمارس اليوم رياضة التأمل، إدراكاً منه أن الحركة في هذه المرحلة هي من دون بركة، لكنه بالتأكيد سيستعيد "شبابه" السياسي عندما تصبح الساحة مفتوحة للرقص على إيقاع يعرف جيداً تفاصيل حركاته وآلاته الموسيقية.

الواقع أن نبيه بري ليس "مغيّباً"، ولا يستطيع أحد من القوى السياسية "تغييبه" أو "عزله" أو "إقصاءه" أو منع محرّكاته من الدوران في الفضاء السياسي اللبناني.

ثمة عيون محمّرة من قدرة نبيه بري على احتواء الآخرين.. لكن عيونه هو محمرّة اليوم من "شراهة" سياسية لا تكتفي بما تحصل عليه وتطلب المزيد… ولهذا، فإن رئيس المجلس ينتظر على كرسيّه باسترخاء وهو ينظر إلى الراقصين على حافة الهاوية من دون حبل أمان.. وقد ينفخ نبيه بري عليهم ليسقطوا، أو قد يرأف بحالهم فيرمي إليهم خيط إنقاذ!

هل هذا التوصيف منطقي؟

الذين يعرفون نبيه بري جيداً، يعرفون أنه لم يستهلك حتى اليوم أي أرنب من مزرعة الأرانب التي يملكها، والتي تحتوي أنواعاً وألواناً مختلفة تصلح لكل حالة، وصالحة للإستعمال في أي وقت، ويمكن وضعها في الكم أو حتى القبعة أو الجيب…

الذين يعرفون نبيه بري يردّدون بيت الشعر الشهير "إذا رأيت أنياب الليث بارزة.. فلا تظنّن أن الليث يبتسم".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.