مواجهة بين "الأوفياء" و"الخونة" تحت سقف "المستقبل"!

خضر طالب /

يشعر "الفريق المستضعف" داخل تيار "المستقبل" أن ظروف "استضعافهم" قد تغيّرت، وبالتالي قد تكون الفرصة سانحة لاستعادة موقعهم القوي الذي شغلوه في دائرة القرار إلى جانب الرئيس سعد الحريري.

قبل سنة كاملة، كان الحريري في "الإقامة الجبرية" في الرياض، بعد استقالة مدويّة في توقيتها وظروفها ومكان إعلانها ومضمونها. يومها ظهر الفرز داخل تيار "المستقبل" بين "الأجنحة الكاسرة":

ـ فريق شكّل متراساً في الدفاع عن سعد الحريري، وخاض مواجهة قوية لحمايته، على الرغم من إدراكه أن الخسارة ستنعكس عليه مباشرة وسيدفع الثمن بالإقصاء مع سعد الحريري من دائرة تيار "المستقبل"، وكان رأس حربته مدير مكتبه (آنذاك) نادر الحريري ووزير الداخلية نهاد المشنوق.

ـ فريق كان تائهاً يفتّش عن موقع له بين الفريقين، فهو يخشى إغضاب السعودية وفي نفس الوقت يخشى أن يعود سعد الحريري إلى موقعه، وعندما شعر أن الدفة تميل لصالح سعد الحريري سارع للإنضمام إلى فريق الدفاع عنه. ومن أبرز رموز هذا الفريق الرئيس فؤاد السنيورة ومعه مجموعة من النواب الذين يدورون في فلكه.

ـ فريق تديره السعودية ويتناغم وينسّق مع "حليف" المملكة المتقدّم سمير جعجع. وقد تبنّى هذا الفريق "على العمياني" وجهة النظر السعودية، وكاد يعلن على الملأ البراءة من سعد الحريري، وبعضهم فكّر بإعلان "البيعة" لشقيقه بهاء الحريري نزولاً عند الرغبة السعودية، بل وإن بعضهم أبلغ السعودية استعداده للمشاركة في "الإنقلاب" على سعد الحريري.. لولا أن التطورات والمواقف الرسمية والسياسية اللبنانية والدولية ساهمت في حماية موقع سعد الحريري. ومن أبرز رموز هذا الفريق النائب السابق أحمد فتفت والنائب السابق عقاب صقر وعدد من النواب السابقين. وقد لاقى أعضاء هذا الفريق رفاقهم السابقين من مجموعة "المنشقين" عن "المستقبل" ومن أبرزهم الوزير السابق أشرف ريفي والنائب السابق خالد ضاهر. كما تلاقى هذا الفريق مصلحياً مع الرئيس نجيب ميقاتي، الذي كان أول من سارع إلى طرح نفسه كبديل عن الحريري بعد ساعات على إعلان الاستقالة الملتبسة من الرياض. وثمة من يقول إن تنسيقاً حصل بين ميقاتي وريفي وفتفت وضاهر وبينهم وبين بهاء الحريري.

انتهت تلك المواجهة بعودة سعد الحريري إلى موقعه، مع قرار معلن بترتيب أوضاع التيار، ما أوحى سريعاً أنه سيحاسب الفريق الذي خانه وتخلّى عنه وباعه "بثلاثين من الفضّة".

بدأ الحريري بعقد اجتماعات وتنظيم أوضاع تيار "المستقبل"، وحصر كل القرارات بيده وحده، لإنهاء "الجزر السياسية" داخل التيار. لكن المفارقة أن سعد الحريري لم يتّخذ أي قرار بحق أي من الذين انقلبوا عليه وخانوه أو خذلوه، كما أنه لم يكافئ الفريق الذي تولّى حمايته وواجه الإغراءات والتحديات. إنما اكتفى الحريري بسحب البساط من تحت أقدام الجميع، مساوياً بين "الأوفياء" و"الخونة".

لكن المفاجأة التي ظهرت لاحقاً تمثّلت باستبعاد الفريق الذي خاض المواجهة دفاعاً عنه. استقال مدير مكتبه نادر الحريري "بهدف التفرّغ للأعمال"… وفي الانتخابات النيابية استُهدف وزير الداخلية نهاد المشنوق من ماكينة "المستقبل" لإضعافه. وبعد الانتخابات اكتشف المشنوق أن لا مكان له في الحكومة الجديدة تحت شعار "فصل النيابة عن الوزارة".

شعر المشنوق أن هذا الشعار وُضع لإبعاده شخصياً عن الحكومة، خصوصاً أن المشنوق كان يتلقّى اعتراضات كثيرة على أداء فريق عمله في الوزارة لأنه "فاتح على حسابه"، بينما لا يستفيد "التيار" كما يفترض من الإمكانيات الضخمة لوزارة الداخلية.

كاد المشنوق أن "يبقّ البحصة" مراراً، ويعلن انفصاله عن تيار "المستقبل"، لكنه كان يخشى "الشماتة"، خصوصاً من أولئك الذين يتهمونه بأنه سبب خروجهم من دائرة القرار في "المستقبل" إلى جانب الرئيس الحريري. الاشتباك بين المشنوق وبين وزير العدل السابق اللواء أشرف ريفي، كان حاضراً في تقييم الخطوة التالية. سيكون أشرف ريفي أكثر الناس سعادة بإعلان المشنوق خروجه من "المستقبل"، ولن يكتفي بالفرح المكبوت أنه خرج من دائرة القرار إلى جانب الحريري.

لكن.. ثمة متغيرات يشعر نهاد المشنوق ونادر الحريري،  وغيرهما من فريق "الأوفياء"، أنها قد تسمح لهم بالعودة إلى دائرة القرار وباستهداف فريق "الخونة". هؤلاء يشعرون أن السعودية كانت تقف خلف قرار إبعادهم، والسعودية مشغولة اليوم بظروفها الصعبة التي أعادت سعد الحريري قوياً في الرياض ووكيلاً حصرياً لها في لبنان.

بدأ هؤلاء تنفيذ استراتيجية الهجوم على ثلاثة "محاور":

ـ تذكير سعد الحريري وجمهور تيار "المستقبل" بالدور الذي لعبوه لحماية ظهر الحريري عندما كان ضعيفاً وكاد يسقط بقرار سعودي، لولا أن واجهوا هذا القرار وتحمّلوا تبعاته.

ـ التصويب على الفريق "المتردّد" الذي وقف مكتوف الأيدي وانتظر جلاء غبار المواجهة، وعندما تبين له أن سعد الحريري عائد ركب موجة المصفقين وحاول الإيحاء أنه من فريق "الأوفياء".. ولو بـ"ملحق".

ـ الانقضاض على فريق "الخونة" الذي "تآمر" على الحريري، وكان يريد إلغاءه من المشهد السياسي في لبنان. ومحاولة إقصائه عن دائرة الرئيس الحريري الذي سيجد نفسه محكوماً باستعادة أعضاء فريق "الأوفياء" إلى دائرة القرار.

ويبدو أن عرقلة تشكيل الحكومة ساهم في منح فريق "الأوفياء" فرصة لتنفيذ خطتهم في الوقت الضائع حكومياً، خصوصاً أن الحريري يشعر أن هناك محاولة لاستفراده والاستقواء عليه.

نفّذ هذا الفريق "غارته" الأولى بتسريب بعض أسرار ما رافق "الإقامة الجبرية" للحريري، ويبدو أنه حقّق إصابات مباشرة، ونجح في هدم بعض الجدران التي كان يتحصّن خلفها خصومهم تحت سقف "المستقبل"، وأحياناً داخل بيت الوسط.

لكن ما هي الخطوة التالية؟

هل يلجأ هذا الفريق إلى مزيد من التسريب المدروس للأسرار الذي يكشف النقاب عن وجوه "خونة" آخرين حول الرئيس الحريري؟ أم يواصل تركيز استهدافه للفريق نفسه؟

ثم، هل يملك هذا الفريق أوراقاً كافية لدفع الحريري إلى منحها مجدداً مقاعد قريبة منه؟

أساساً، لا يوجد موقف سلبي من الحريري تجاه أعضاء هذا الفريق. قد تكون هناك ملاحظات، لكن ليس هناك موقف رافض لهم، علماً أن الحريري الذي يعلم جيداً من تولّى حماية ظهره ومن طعنه في الظهر، لم يلجأ إلى منطق "الثأر" من الذين طعنوه، سواء من خارج التيار أو من داخله.

الواضح أن أعضاء فريق "الأوفياء" يراهن على وقت إضافي ضائع حكومياً، كي يواصل هجومه المنسّق لاستعادة موقعهم وتأثيرهم في دائرة الرئيس سعد الحريري. أما إذا تشكّلت الحكومة، فإن خطة هذا الفريق قد تتعرّض لنكسة، إلا إذا كانت استراتيجيتهم تتجاوز تشكيل الحكومة الحالية إلى رسم إطار جديد حول سعد الحريري يكون لديه تأثير كبير ويكون أعضاؤه "وزراء" غير معينين.

لكن بعض ما يتردّد يتحدّث عن "تعويض" لأعضاء هذا الفريق عبر دور له وموقع وحصّة في مشاريع الإنفاق من ضمن مشاريع مؤتمر "سيدر 1"، خصوصاً أن تشكيل الحكومة سيطلق هذه المشاريع وأن البازار مفتوح على تلزيمات ومشاريع بقيمة 11 مليار دولار.

من المبكر الحكم على هذه الاتهامات، كما أنه من المبكر معرفة ما سيحقّقه فريق "الأوفياء"، وما إذا كانوا سيكتفون بالثأر من فريق "الخونة" على قاعدة "عليّ وعلى أعدائي"!

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.