"عقدة" توزير "السنّة المستقليّن".. أبعد من مقعد وزاري

رفعت البدوي /

اللبنانيون، من مختلف طوائفهم وانتماءاتهم، توّاقون لولادة حكومة الوحدة الوطنية الجامعة، وتوّاقون الى ترجمة فعلية لأقوال وتصريحات المسؤولين اللبنانيين، بعد إعلانهم الاستعداد للتضحية والتنازل عن الحصص الموزعة "تبرّعاً" من أجل ضمان تسهيل ولادة حكومة الوحدة الوطنية، أو كما يقال من أجل تأمين المصلحة الوطنية.

 لا غلو في القول ان كل تلك التصريحات والمواقف المتبرعة، هي عبارة عن كلام هامس في أذن صماء أو في واد سحيق لا قيمة له ولا فعالية ولا نية لترجمته!

إن تعدّد العقد التي رافقت ولم تزل ترافق مخاض ولادة حكومة الوحدة الوطنية، يجعلنا أكثر يقيناً من أن افرازات القانون الانتخابي هي إفرازات خطيرة أسهمت في شدّ عصب الطائفية والمذهبية في لبنان، خصوصاً بعد تعمّد البعض ضرب أسس اتفاق الطائف واستبداله باتفاق الحصص الوزارية، وبذلك أضحت كل طائفة متمترسة خلف المطالبة بحصصها الوزارية.

الانتخابات النيابية حصلت على أساس قانون انتخابي هو أسوأ من السيئ نفسه، لان القيمين اعتمدوا معياراً انتخابياً على أسس طائفية ومذهبية بامتياز ولا يمت لمعيار الانتماء الوطني بصلة، وذلك من خلال اجبار الناخب على الاقتراع لصالح صوت تفضيلي واحد يحدد الفائز من الخاسر في طائفته ومذهبه. ورغم هزالة الإقبال على صناديق الاقتراع في لبنان، الا ان صناديق الاقتراع قالت كلمتها واحتسب الصوت التفضيلي كل حسب طائفته او مذهبه، فأفرزت نتائج مرضية لبعض الشخصيات والتيارات ومخيبة عند بعض التيارات السياسية لانها قلصت عدد مقاعدها في المجلس النيابي (تيار المستقبل مثالاً).

يبقى مبدأ الاعتراف بنتائج الانتخابات والالتزام باحتساب تعداد المقاعد، طبقاً لنتائج الانتخابات او طبقاً لنشأة أي ائتلاف بين كتلة وأخرى حتى لو نشأ ذاك الائتلاف بعد صدور نتائج الانتخابات. ويبقى مبدأ الاقرار بالنتائج هو سيد الموقف وفي كل انحاء العالم.. الا في لبنان!

في لبنان وضعوا معايير لخوض الانتخابات النيابية مفصلة على قياس أهل السلطة. وأثبتت تلك المعايير عدم جدواها وفعاليتها، لأن نتائجها أدت الى تعزيز التطرف في الانتماء الطائفي والمذهبي، وإلى الغاء الحياة السياسية، وإلى الغاء مبدأ المحاسبة في لبنان وبشكل كامل.

ان نتائج الانتخابات النيابية، أفرزت صراعاً عنيفاً بين أبناء الطائفة الواحدة، وحتى بين أبناء المذهب الواحد، وهو ما نشهده في حدة الخلاف القائم بين "القوات اللبنانية" وبين "التيار الوطني الحر". فبعد ان كان شعار "أوعى خيّك" بين "القوات" و"التيار" طبقاً للاتفاق الذي وُقٌعَ في معراب، صار الشعارالسائد بين الطرفين المسيحيين "حجّم خيك" بأية تركيبة او تشكيلة حكومية مقبلة.

أفرز هذا القانون الانتخابي الهجين كتلاً صغيرة. وجعل من البعض نواباً يطلق عليهم زوراً وبهتاناً لقب "نواب الامة"، لكن الحقيقة المرة هي أن نتائج الانتخابات النيابية في لبنان افرزت نواباً عن زواريب، وعن شوارع، وعن مناطق طائفية ومذهبية فقط.

وأبرز القانون الانتخابي السيئ مشكلة التمثيل الدرزي، وعاد شد الحبال بين جنبلاطي وبين ارسلاني، وكاد أن يؤدي إلى صدام مباشر. وكل ذلك بسبب مقعد وزاري في التشكيلة الحكومية.

اما الثنائي الشيعي، حركة "أمل" و"حزب الله"، فقد عملا على تقاسم المقاعد باعتماد معيار خاص بينهما، مسجلين بذلك نجاحاً وتجاوزاً لكل العقد.

في تاريخ لبنان عرفت الطائفة السنية بانها طائفة فوق كل الطوائف والمذاهب، لأن امتدادها موجود على مساحة الوطن العربي. لكن هذا القانون الانتخابي السيئ استطاع تقليص موقع الطائفة السنية من دور فاعل وحاضر على مستوى الوطن العربي، ليصبح دوراً ثانوياً لا يتعدى تمثيل شارع أو منطقه ومن دون اي فعالية.

ان محاولة احتكار تمثيل الطائفة السنية في لبنان هو محاولة فاضحة لادخال هذه الطائفة في محور الاستسلام العربي لاسرائيل، وجعل الطائفة تابعة لمحور الاستسلام تنفيذاً لأوامر دول وانظمة عربية وغربية.

ان السنّة الذين انتموا تاريخياً إلى العروبة والقومية والناصرية، شكلوا على الدوام عصب التحرك في الشارع العربي المناصر لفلسطين، وكانوا دوماً توّاقين لتحقيق الوحدة العربية، وفي طليعة المقاومين للإحتلال الإسرائيلي. اما اليوم، وبعد ظهور التطبيع إلى العلن، وبعد تحول الشارع العربي الى شارع غير مبال بفلسطين يغط في سبات عميق، وبعد تهيئة الظروف الملائمة لتنفيذ صفقة القرن على دفعات… كان لا بد من العمل على اخماد صوت السنّة والغاء دورهم، ليس في لبنان وحسب انما في الوطن العربي، وذلك بهدف ابراز صورة الطائفه السنية بانها طائفة خانعة مستسلمة لاسرائيل ملحقة بمحور الاستسلام والتطبيع مع اسرائيل تحت شعار أنها "معتدلة".

ان عقدة تشكيل الحكومة المسماة بـ"العقدة السنية"، ليست عقدة تتوقف عند امكانية الفوز بمقعد وزاري من عدمه، بل ان المشكله تتعدى ذلك بكثير. فعندما يُوصَف النواب السنّة الستّة بأنهم نواب ملحقين بـ"حزب الله" وايران وسورية، فإن مثل هذا الوصف يؤكد أن المشكلة تتعدّى التمثيل الوزاري المحلي، وأن حقيقة المشكلة تكمن في السعي لإزاحة أي شخصية سنية مؤيدة لمحور المقاومة ومناهضة لاسرائيل وسياسات أميركا في المنطقة.

اذا كانت المشكلة المسيحية والمشكلة الدرزية ومشكلة تأمين الحصص كلها وجدت طريقها للحل، فهل من المنطق والحكمة أن تجعل ما يسمّى بـ"العقدة السنّية" من الرئيس المكلف رئيساً معتكفاً لا يريد محرد البحث عن الحلول الممكنة؟

أين ذهبت الوعود بالتضحية والتنازل لصالح تحقيق الوحدة والمصلحة الوطنية؟

هل ان الرئيس المكلف صار رئيساً لطائفة فقط.. أم انه رئيس لحكومة تتحقق من خلالها الوحدة الوطنية؟

هل ان الاستنجاد بدار الفتوى والمجلس الشرعي ومجلس المفتين والمشايخ السنة، هو لاجل تحقيق الوحدة الوطنية.. أم لأجل إخماد أي صوت سنّي مناصر للمقاومة؟

هل ان النواب السنّة من خارج تيار "المستقبل" هم من الطائفة السنية.. أم انهم خارج القيد السني فقط لانهم محسوبون على تيار المقاومة ضد العدو الاسرائيلي؟

هل بات على السني واجب الانضمام الى محور الاستسلام العربي شرطاً للإعتراف بأنه سني؟ وهل إذا كان السني مؤيداً ومتماهياً مع محور المقاومة فإنه يعتبر خارج عن قيد الطائفة السنية؟

لماذا هذا الاستهزاء والخفة بالتعامل مع قضية تمثيل النواب السنة بمقعد وزاري، وهو حق مشروع، خصوصاً اذا ما اخذنا المعايير التي وضعت لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية والتي وافق عليها الرئيس المكلف نفسه؟

ان المشكلة ليست بمقعد وزاري، انما المشكلة بعدم افساح المجال لأي شخصية سنية باعلاء صوتها تأييداً للمقاومة، أو اظهار معارضتها لمحور الاستسلام ورفضها للتطبيع العربي مع عدو العرب.

كفى نفخاً في بوق الانقسام المذهبي. وكفى شد عصب الطائفة. وكفى استدرار تأييد المشايخ والمفتين. كفى حطباً ونفخاً في أبواق مذهبية لأنها لعبة خطرة ستأكل ماضي وحاضر ومستقبل الطائفة السنية.

لأجل أجيالنا، ولوحدة الطائفة السنية لأن في وحدتها أساس تحقيق الوحدة الوطنية، ولأجل نهضة الوطن، ولأجل التاريخ.. اجنحوا نحو الاعتراف بحق الآخرين من السنّة حتى لا نخسر الاعتراف بموقعنا ودورنا.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.