رسائل مشفّرة من بعبدا إلى الضاحية

الإستفزاز  يندلق  الى الشارع

/ جورج علم /

وقفت السفارة اللبنانيّة لدى واشنطن بكامل هندامها أمام المرآة، وعكست بشفافية تفاصيل الدفعة الثانيّة من العقوبات الأميركية على إيران، إلاّ أن الرئيس العماد ميشال عون لم يكتف بما جاء بين السطور، وراح يدقق بالأبعاد والخلفيات، ويطرح أسئلة على زوّاره، من دبلوماسييّن وأهل رأي، حول المرامي التي يسعى إليها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

لم يقتنع بمعادلة "لا نريد تغيير النظام، بل سلوكه". حدسه أن حبل العقوبات يوحي بوجود مشنقة لتنفيذ حكم الإعدام، علما بأن الجريمة الموصوفة تكاد أن تكون جنحة، او من الجرائم العاديّة التي يشملها قانون العفو، على إعتبار أن البرنامج النووي لا يزال يحمل توقيع روسيا والصين وبريطانيا وفرنسا وإلمانيا. أما الصواريخ البالستية فهي موجودة من قندهار الى طهران، الى العديد من عواصم الدول النامية المستهدفة من أنظمة جشعة تطبّق شريعة الغاب بإسم القيم، وحقوق الإنسان!.

يشير بعض المتابعين لمسار العقوبات الأميركية على إيران الى ثغرة ثقافية لم يتنبّه لها الرئيس ترامب، وفريق عمله، قد تحول دون تحقيق التغيير المطلوب في الداخل الإيراني، ذلك أن الدفعة الأولى من العقوبات قد ضيّقت الأفق، وحدّت نسبيّاً من كميّة الأوكسيجين التي تحتاج لها الرئة الإيرانيّة، لكن لم يحصل إختناق، أو حالة تسمّم مستشرية، والفضل يعود في ذلك الى المفاهيم الثقافيّة الجهاديّة التي زرعتها الثورة الإسلاميّة في وجدان مريديها وأتباعها، وحوّلتها الى قناعة عامة، أو نهج ودستور حياة. ويكفي ان يرفع القائد سبابته حتى تنحني الملايين، وتلبّي، وتستجيب، من دون التوقف عند الإرتدادات والمحاذير. وهذه الشموليّة، او التوتاليتاريّة الجديدة، هي سلاح أمضى من أي سلاح، فكيف إذا كانت الدعوة الموجهّة لإستنهاض الهمم مقرونة بعبارات النضال والجهاد والمثابرة، والتصميم على مواجهة "الشيطان الأكبر"؟!.

في إيران اليوم، جوع، وفاقة، وبطالة، وأزمات إقتصاديّة، وإجتماعيّة متنوعة، ومسيرات، وإضرابات، ومظاهرات، ويافطات مطلبيّة، وصيحات مجروحة تشق عنان الفضاء. وفي إيران اليوم عقيدة جهاديّة، وإحترام، وإلتزام، وعمامة رضيّة، وعباءة وقورة، ومرجعيّة مطاعة. ليس في إيران حزب جمهوري، وآخر ديموقراطي، وكونغرس، وصحافة تبحث عن الإبرة في كومة القش، لكن فيها مرشد إذا وقف وقفت الملايين من حوله، وإذا نطق تسمّرت العيون والآذان.. فما الذي يريد تغييره ترامب من خلال برنامجه العقابي داخل مجتمع يتنفس عقيدة جهاديّة مختمرة في النفوس، ضمن بيئة محافظة مترامية تلتف حول المرجعيات الدينيّة، والحوزات العلميّة، وأضرحة الأولياء الصالحين؟!.

والنموذج الأرقى موجود في الضاحية الجنوبية من العاصمة بيروت، والجنوب، والبقاع، ويكفي أن يقول "لا حكومة إلاّ إذا دخلها سنّة 8 أذار" حتى يتعذّر التأليف، ويطول التكليف، وتتسمّر البلاد على خشبة الإنتظار الممل، وتتكوّى على جمر الأزمات الماليّة، والإقتصاديّة، والإجتماعيّة، والمعيشيّة، والبيئويّة، والثقافيّة، والتربويّة، والأخلاقيّة، فضلاً عن مسلسل الحلقات المطلبيّة التي تضخ الإحباط في المجتمع، مضمخاً بالقرف، واليأس، ومعطّراً بروائح الفساد!.

يقرأ الرئيس مدوّنة العقوبات الأميركيّة، ولكن يحاول أن يقرأ ما خلف السطور. الأبطال على المسرح معروفون بأقنعتهم، أو بوجوههم السافرة، ولكن ماذا تحت المسرح؟ ماذا وراء الستارة؟ لقد بدأت مسرحيّة "العقوبات" بأبطالها، ووجوهها، وسيناريوهاتها.. ولكن أين، ومتى ينتصر البطل؟ وكيف ستكون النهاية؟ قاسم سليماني يقول: "نحن هنا، سنواجه".. هل بيروت خط المواجهة الأول؟ وهل الرئيس المكلّف سعد الحريري هو المتراس المتقدّم على خط المواجهة؟ قاسم سليماني، آو آخر من بيئته، ومعشره، قال يوماً، وبعيد إعلان النتائج الرسميّة للإنتخابات النيابيّة، أن لـ"حزب الله" 74 نائباً في المجلس النيابي الجديد. وفق هذا المنطق، وهذه الحسابات، يحقّ للحزب أن يشكّل الحكومة، وقد فعل وعطّل التأليف، وقال: "إما وزراء لسنّة 8 آذار، أو لا حكومة"!.

يقرأ الرئيس مدوّنة "حزب الله"، لكنّه يحاول أن يقرأ ما خلف السطور… ماذا يريد الحزب من الحكومة؟ هل يريدها "ثورجيّة" تواجه إدارة ترامب، وتتصدّى للعقوبات الأميركيّة التي تستهدفه؟ أغلب الظن أنه يريد هذا، وأبعد منه أيضاً. وفي الأروقة النيابيّة المتفرعة عن "ديوانيّة الأربعاء النيابي" في عين التينة، ثمّة من يقول بأن الحزب لم يعد يرضى بثلاثيّة "الجيش، والشعب، والمقاومة" في البيان الوزاري، هذا مطلب قديم، ومكسب قد تحقّق، ولا بدّ من فتح الدفتر على صفحة جديدة بعد التضحيات التي قدمها على ضفاف نهر بردى في ملاحقة فلول الإرهاب، وبعد المؤازرة التي تطوع لها في دعم الجيش اللبناني، والقوى الشرعيّة الأخرى في القاع، وجرود عرسال، وفوق مرتفعات سلسلة جبال لبنان الشرقيّة، وثغورها، ومنحدراتها، دفاعاً عن الوطن وأهله من الإرهاب الزاحف، والذي كاد أن يأكل الأخضر واليابس. صفحة أقل ما يقال فيها بأنها المكان المناسب لتدوين شيء من عبارات الشهامة والوفاء والإلتزام بالوقوف الى جانب الحزب في مواجهة "الكاوبوي" الأميركي الطاحش على متن حصانه الأبجر، وفي يده سيف الإنتقام، وفي الأخرى فرمان العقوبات!.

لا يمكن للرئيس أن يفتح أبواب الهيكل أمام الأهواء، والأعاصير، والعواصف، والتقلبات المزاجيّة لحال الطقس السياسي المتقلّب، والذي يحمل في طيّاته الكثير من الجشع، والطمع، والفئويّة، وحب الهيمنة، والتفرّد المدعوم بفائض القوّة. لا يريد الرئيس أن يحوّل الهيكل الى حاضنة لكل أزمات المنطقة. لا يريد أن يقدّم الوطن كعكة شهيّة على طاولة المصالح الإقليميّة والدوليّة، حيث العيون الشرهة، والسكاكين المسنونة المتأهبة للغرز والتقطيع والتقسيم وفق المخططات المرسومة، والخطط المتفاهم عليها بين الكبار لإشباع نزواتهم. ليست إيران وحدها على الطاولة. السعوديّة أيضاً، والخليج أيضاً وأيضاً، بعد سوريا والعراق، وصولاً الى اليمن. ومن ليبيا، مروراً بمصر، والسودان، وصولاً الى القرن الإفريقي؟!.

يعرف الرئيس تماماً ما هو المطلوب، ولكنه يعرف ما بإمكانه أن يقدّم، ونقطة عالسطر.

لم يكتف بالإشارة الى ما هو مطلوب، وما هو قادر عليه، في حديثه المتلفز عشيّة إنتهاء السنة الثانية من ولايته، بل جاد وأفاض في الدفاع عن الرئيس المكلّف – المستهدف، "نريده قويّاً كي يواجه التحديات"، وفي ذلك إشارة الى "اللبيب"، إذا كان "اللبيب" مستعدّاً للسمع.   

كان يريده حديثاً إستشرافيّاً للمستقبل مع بداية السنة الثالثة من العهد، والى جانبه حكومة وطنيّة تحضّه، وتحفّزه على أن يشرح الإنجازات التي يطمح الى تحقيقها خلال هذا العام، لكن وجد نفسه في ظرف مغاير، وأمام دفتر من الشروط التعجيزيّة دفعت بالرئيس المكلّف أن يكظم غيظه، ويتوجّه الى باريس في نزهة تأمل على ضفاف السين!.

يعرف الرئيس تماماً ما هو المطلوب، ويعرف أكثر أنه في غرف الأحزاب والقيادات والفعاليات المغلقة ثمّة سؤال محوريّ كبير: "ماذا يريد حزب الله من لبنان؟ لا بل أي لبنان يريد الحزب؟ وهل لبنان الذي يريده يبعث على الطمانينة في نفوس الجماعات الثقافية الأخرى التي تشاركه المواطنيّة، وهموم الوطن ومصير أبنائه؟ وإذا كان الذي يريده يعتمد على الأسلوب الذي يتبعه، ويحاول من خلاله وضع بصمته على تركيبة الحكومة الجديدة، فإن في العبارة عبرة ثمرتها تعطيل التأليف، والتعطيل يوفّر البيئة الملائمة لنشر الفوضى، والفوضى تستفزّ الشارع! ورايات الإستفزاز بدأت تتمايل في الشارع، ومن وسط بيروت صعوداً الى شارع الحمراء صور كبيرة للرئيس المكلف، ويافطات حملت عبارات "لا نريد غيرك رئيس"… ولا ضرورة للمزيد، لأن في العبارة عبرة، والعبرة لمن يريد أن يعتبر!.

مشكلة لبنان أنه بالكاد يستطيع أن يحمل وزره، نظراً لتركيبته الفريدة، وإمكاناته الإقتصاديّة المتواضعة، في حين أن هناك من يريد أن يحمّله أوزاره، وأوزار الآخرين في منطقة ملتهبة، مشرّعة أبوابها على كل الإحتمالات والمفاجآت غير السّارة.. فما العمل، وأين المفرّ؟!.  

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.