"حزب الله" يطوّق "أعراف" الرئاسة

نورما أبو زيد /

لا يمكن لجاحد، أن ينكر بأنّ الرئيس ميشال عون أعاد لرئاسة الجمهورية الدور والهيبة والمكانة والحضور، على الرغم من افتقار موقع الرئاسة الأولى للصلاحيات "النصيّة" التي حرمه منها "اتفاق الطائف".

الرئيس المحصّن بشخصية صلبة وشعبية واسعة، أحدث تغييراً في المشهد السياسي اللبناني، منذ تجاوزه عتبة القصر، ولذلك سُمي قوياً.

فبالرغم من صلاحياته الدستورية الضعيفة، رفع مقام رئاسة الجمهورية إلى مستوى شبيه برئاسات ما قبل "الطائف"، وأدخل بأدواره المحورية والطليعية المسيحيين إلى ثنائية القرار الرسمي الشيعيّة – السنيّة التي كانت سائدة سابقاً، محوّلاً إيّاها إلى ثلاثية، حلّ فيها المسيحي شريكاً مقرّراً.

في المعادلة الثلاثية المسيحيّة ـ الشيعيّة ـ السنيّة التي كرّسها عون من خلال جلوسه على طاولة الحكم كمقرّر لا كملحق، أعاد لبعبدا مركزية القرار من جهة، وجعل منها نقطة وصل ما بين "بيت الوسط" و"حارة حريك" من جهة أخرى، بعدما كانت بعبدا "خطّ تماس" في عهد الرؤساء السابقين.

إدارته بثقة واقتدار للخلاف والاختلاف ما بين "قصر إياس" و"حارة حريك"، جعلت الرئاسة الأولى متقدّمة لفظاً وفعلاً على الرئاستين الثانية والثالثة. أمّا شعبيته وشخصيته، فقد ساعدتاه في تكريس سوابق عرفية لا يسمح بها النص. وعليه، ساهم الرئيس عون من حيث يدري في تصحيح الخلل الذي أصاب ميزان التوازن الوطني.

التصحيح في التوازن الوطني، تُرجم تصحيحاً في أكثر من موقع سياسي. حكومة العهد الأولى، التي تضمنّت تمثيلاً مسيحياً نوعياً، كانت ترجمة فاقعة لعودة المسيحيين القوية إلى الدولة بعدما هَجّرتهم وهَجَروها. استحصل الثنائي المسيحي "التيار" ـ "القوات" الذي دخل حكومة العهد الأولى متّحداً في القلب والقالب، على "الثلث المعطّل" الذي يضمن التوازن الوطني في ظلّ الصلاحيات المفقودة.

لم تكن "البقجة" الوزارية التي احتُسب فيها وزراء لرئيس الجمهورية، المحاولة الرئاسية الوحيدة لتحصين التوازن. خطوات كثيرة قام بها العهد قبل تكبيله بعُقَد التأليف، لتكريس صلاحيات الرئاسة المفقودة نصاً.. بالأعراف. واستكمالاً لهذه المسيرة "العرفيّة"، سعى عون في حكومة ما بعد الانتخابات، للاستحصال على "ثلث ضامن"، لاستمرار التوازن، من خلال فَصْل حصته الوزارية الشخصية عن حصة تياره السياسي، على أن يرسو المجموع على 11 وزيراً من أصل 30. ولكن المفارقة هي أنّ "ثلثه الضامن" حظي بموافقة ضمنيّة من كلّ الآخرين، بما في ذلك المسيحيين الذين سلكوا في علاقتهم معه طريق اللاعودة، لإدراكهم أنّه يكرّس أعرافاً لكلّ الذين سيدخلون القصر من بعده، والرفض جاء من بوابة "حزب الله" الذي سلّفه عون غطاءً مسيحياً في الداخل، وآخر رسمياً في الخارج.. وآخِر تجلياته تمثّلت في مطالعته قبل شهر في نيويورك، حيث العين "محمرّة" من سلاح "حزب الله".

سلّف رئيس الجمهورية "حزب الله" أفعالاً كما لم يفعل أيّ ماروني من قبل، ومع ذلك لم تجد "حارة حريك" حرجاً في سحب الحكومة من "فم" العهد في وقت بالغ الحساسية من عمره.

تختلف النظرة من مراقب إلى آخر، لأرنب سنّة "8 آذار" الذي أخرجه "حزب الله" من قبعته قبل ساعات من ولادة حكومة العهد الثانية، بعدما كان في عِداد "مكتومي القيد". كثر ربطوا استحداث "العقدة السنيّة" بانتخابات أميركا النصفية وبالعقوبات المنتظرة على "حزب الله" وإيران، ولكن يبقى أنّ البعد الداخلي أكثر عمقاً من الأبعاد الخارجية.

في الطريق نحو تشكيل الحكومة، حاول كلّ طرف سياسي أن ينتزع سلاحاً يحارب به داخل الحكومة. رئيس "اللقاء الديمقراطي" وليد جنبلاط حاول انتزاع سلاح الميثاقية، من خلال إصراره على الاستئثار بالحصة الدرزية، مستنداً إلى نتائج الانتخابات التي تتيح له ذلك، ولكن دروب الجمهورية سدّت بوجه "شهيّته الميثاقية" في لحظة ضعف إقليمية. و"السقطة" الإقليمية ذاتها أسقطت رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع من أعلى شجرة مطالبه.

من جهته، سعد الحريري الذي يدخل أيّ حكومة مقبلة ضعيفاً، بعدما صادر القانون النسبي أوراقه، وأجلسه على رأس كتلة نيابية هزيلة مقارنةً بما كانت عليه كتلته سابقاً، يحاول "حزب الله" سلبه المزيد. انتظر لحظة الانتهاء من تفكيك اللغمين، الدرزي و"القواتي"، ليوقِع الحكومة المنتظرة في فخّ عقدة السنّة المستقلين، علماً أنّه لو عاد كل منهم إلى "الكتلة ـ المنشأ" تُحلّ العقدة تلقائياً.

لا يمكن لعاقل أن يغفل بأنّ "حزب الله" يريد ترجمة عملية في الحكومة العتيدة لغلبته وانكسار أحادية الحريري سنياً، وإذا نجح في انتزاع أحد المقاعد السنيّة، يكون قد ضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد. العصفور الأوّل هو "التمريك" على الحريري سنياً. والعصفور الثاني هو تكريس شراكة سنّة "8 آذار" في القرار السنّي. أمّا العصفور الثالث والأهم، هو منع العهد من امتلاك سلاح حكومي فعّال يتيح له استقلالية في القرار.

من الواضح أنّ "حزب الله" يريد استعادة تجربة الوزير الملك التي اختبر "نجاحها" في حكومة الحريري الأولى، علماً أنّ ميشال عون ليس ميشال سليمان، ولا يقبل بعدنان السيد حسين ثانٍ، يطلق العنان لرجليه، ما إن تصله إشارة من الضاحية الجنوبية. فالرئيس لم يطالب بوزراء أربعة ليكونوا جوائز ترضية لـ "الحردانين"، وإنّما لإدراكه بأنّه لا يمكن ضمان التوازن في الحكم إلاّ بـ "ثلث ضامن"، و"حزب الله" مدرك لـ "استدراكات" الرئيس "العرفية"، وعليه يحاول استدراك الوضع كي لا يقع "المحظور".

"حزب الله" الذي يعاني البلد من فائض قوته، انتزع على طريق التشكيل قوة من الأطراف الحكومية ليزيد من قوته. نجح في إخضاع كلّ من جعجع وجنبلاط عبر إدارته لمعركة التشكيل عن بُعْد، ومن ثمّ وضع نصب عينيه معركة تطويع العهد، وهو يديرها عن قُرب.

يدرك "حزب الله" أنّ الحريري يملك نصاً سلاح الاستقالة، وأنّ هذا السلاح كسلاحه غير قابل للنزع. ولكنّه يدرك في الوقت عينه، أنّ رئيس الحكومة المكلّف مكتّف بـ "نقص موارده" المالية والشعبية، وعليه لن يشذّ عن حدود الخطوط الحمر المرسومة له داخل الحكومة. وبمعنى آخر، لن يستخدم الحريري سلاحه الدستوري، لأنّ استمراره على رأس الحكومة حاجة سياسية واقتصادية بالنسبة إليه.

في المختصر، يملك الحريري سلاحاً بلا خرطوش، بينما رئيس الجمهورية أثبت تاريخياً أنّه يُصوّب ويصيب، وبما أنّ "حزب الله" يطمح بحسب ما هو ظاهر لأن يكون في الحكومة المقبلة صياداً وحيداً بين مجموعة عصافير، يرفض تسليم عون السلاح الذي يؤمّن توازناً في الردع والرعب، ويرى في الجميع مشروع صيد محتمل في لعبته السلطوية. فهل يسلّم الرئيس عون بوزير ملك ويصبح عصفوراً من بين مجموعة عصافير، أم يطلق صفارته في وجه الحزب ويقول له: Game Over؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.