رسالة من تحت الجمر

فادي سعيد دقناش (*)

سألني ابني ببراءة:

ـ لماذا يا والدي نقف في الطابور (في إدارة رسمية) بينما هناك من يتجاوزنا لإنجاز معاملته.. "شو هو أحسن منا يعني؟".

ـ لماذا يا والدي يتم تفتيشنا عندما نسافر، في حين يمر أقراننا بجانبنا مع ذويهم "خط عسكري" مع مواكبة دون أي إجراء: "يعني هم يَشُكّون بأننا مجرمون؟".

ـ لماذا يا والدي لوحة سيارة هذا الشخص تختلف عن لوحتنا، إن باللون أم بالأرقام القليلة المميزة؟ "يعني هو رجل مهم وأنت لا؟!".

ـ لماذا يا والدي يتم تداول هذه العبارة دائماً عندما يتم الإعلان عن وظيفة بأن المطلوب أناس من "الفئة الأولى" (تصنيف طائفي): "ماذا تعني هذه العبارة؟".

ـ لماذا يا والدي تطلب منا وضع حزام الأمان لدى ركوب السيارة، بينما تسرح وتمرح الدرجات النارية بجانبنا وتهدد سلامتنا وسلامة من يقودها لأنه لا يتقيد أصلاً بأي معيار من معايير السلامة المرورية: "حاجة تعقّدا علينا!".

ـ لماذا يا والدي لا يتم منح الجنسية اللبنانية لصديقي (من أب أجنبي وأم لبنانية): "مش حرام!"، بينما يتم تجنيس أجانب لأنهم من الأغنياء المقتدرين.. وأنت من تقول لي دائماً بأن لا ميزة لجنس على الآخر، وأن الدّين كرّم المرأة ورفع من شأنها بعد أن كانت تدفن حية عند ولادتها.. "أليس هذا احتقار للمرأة اللبنانية؟".

ـ لماذا يا والدي تتكلمون كثيراً عن فلسطين وتدعون بأنها ثالث الحرمين الشريفين، وأنها في قلوبكم ووجدانكم، ولكن أفعالكم لا تعبر عن أقوالكم التي هي أشبه  بالغثاء؟.
ـ لماذا يا والدي تنتشر هذه "البسطات" العشوائية على الشواطئ والأرصفة: "أليست أملاكا" عامة من حقنا استخدامها كما علّمونا في كتاب التربية المدنية؟."

لماذا، ولماذا، ولماذا، التي تؤرقني يومياً…

ماذا أجيبه، وأنا من أُنظّرُ عليه دائماً بأن الاقطاعية والعنصرية والعنترية انتهت منذ زمن بعيد، وأن اتباع القيم الأخلاقية والانسانية واحترام القانون وحُسن تعاملنا مع الآخر واجبٌ أخلاقي وإنساني، وهو ما نادت به أصلاً كل الشرائع الانسانية، وأن دستورنا ينص على المساواة والعدالة بين جميع أبناء الوطن الواحد الذي توافقنا عليه أو بالأحری فُرض علينا منذ حوالي ١۰۰سنة.

الواقع لسوء الحظ يحاكي عكس ذلك تماما، فالقيَم السائدة هي قيَم الفساد، والجهل، والانانية، والحقد، والجشع، وثقافة الإستكلاب على جمع المال (حرام أو حلال لا يهم)، لأن القيمة المادية أصبحت القيمة الأولى والباقي ملحقات، هي قيَم الرأسمالية المتوحشة والنيوليبرالية التي أدخلت البشرية في نفق المادية الأنانية، أضف إلى ذلك "النظام الأبوي" المتحكم في الذهنية المجتمعية  المسجونة في قفص "ذهنية قَبَليَّة" رغم التطور الشكلي الذي أفرزته "ثورة الموجة الثالثة" – الثورة التكنولوجية.
وبالخلاصة، تَعُمّ المجتمع حالة من الشيزوفرينيا (الإنفصام في الشخصية)، هو مجتمع جاهل، عنصري يدّعى الحضارة والرُّقي، يعيش على أمجاد الماضي، ويبني مستقبله بالإتكاء على هذا المجد الزائف، من دون أي محاولة للتغيير أو حتى لنقد الذات بموضوعية…

عذراً يا ولدي لا توجد لدي إجابات شافية، فأنا أيضاً أعيش هذه الحالة من التخبط، ولن أجيبك ما أجابني به أحد المفكرين العرب، لدى إجرائي مقابلة معه وسؤاله عن الحل المقترح، للخروج من حالة التخبط والأزمة التي نمر بها كي لا تُحبط، لأن الجواب كان صادماً: "زلزال كبير يأخذ قوماً ويأتي بقوم آخرين".. طبعاً بتهكّم، كتعبير عن اليأس والحزن وعن الحالة المرضية التي تعم مجتمعاتنا.

(*) باحث في علم اجتماع المعرفة والثقافة

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.