مرسوم التجنيس يحرّك الجرح

  الطبش: لإعطاء الجنسية لأولاد اللبنانيات دون تمييز

شبّو: شبعنا خطابات وحان وقت التنفيذ

ـ فتات عياد ـ

تعطيه الحياة، وتربيه على حب الوطن، ليكبر منتمياً دون شرعية انتماء، مثله مثل الغرباء، حقوقه "مجمدة" وحياته "معقدة"، رغم أنه في وطنه الأم، فذنبه الوحيد أن أمه لم تستحصل على كامل حقوقها في وطنها بعد!

عقود من المطالبة بحق الأم اللبنانية في منح جنسيتها لأولادها أسوة بالرجل، والحق ما زال "قيد الدرس" بحجة مخاوف التوطين.

فزاعة التوطين التي تطفو على السطح مع كلّ مطالبة "نسوية" بأحقية منح الجنسية لأبناء اللبنانيات، تبحر نحو القعر مع صدور مراسيم تجنيس خاصة. فللميسورين من الذين لا تربطهم صلة أرحام بلبنان، الحق في الجنسية اللبنانية، فقط لأنّ الأموال تزيل مخاوف التجنيس، ولو أتى المجنّسون من دول الجوار!

منذ عدة أشهر طرح الوزير جبران باسيل مشروع قانون يقضي بمنح المرأة اللبنانية الجنسية لأطفالها باستثناء المتزوجة من "دول الجوار" منعاً "للتوطين". ومنذ عدة أيام تحدثت رئيسة الهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية كلودين عون روكز عن "إقامة دائمة" لأولاد الأم اللبنانية، لأن القانون الذي يراعي هواجس تتعلّق بالتوزيع الطائفي، سيتطلب "وقتاً طويلاً". أما الرئيس سعد الحريري بعد "بلبلة" مرسوم التجنيس، وعد بمشروع قانون جديد ستعدّه كتلة "المستقبل"، يضمن للمرأة حقها في إعطاء الجنسية لأولادها. توقيت سيء لـ "بلسمة" الجرح الذي حرّكه مرسوم التجنيس في قلوب الأمهات اللبنانيات، فهل يكون المرسوم "المشؤوم" سبباً لاسترجاع الأم اللبنانية حقها، كي نقول "ربَّ ضارة نافعة"؟

حملنا سؤالنا حول جديّة الطرح "المستقبلي" إلى النائبة "المستقبلية" المنتخبة حديثاً رولا الطبش، واستفسرنا منها كيف سيتخطّى مشروع الحريري "هواجس التوطين"، فأكّدت أنّ إعداد قانون يعطي المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي حق منح الجنسية لأولادها، يجب أن يكون من دون أي تمييز أو عنصرية، ليضع حداً نهائياً للظلم اللاحق بآلاف الامهات اللبنانيات، جراء حجب هذا الحق عن ابنائهن وبناتهن.

وأضافت: "الأم اللبنانية تربي ابنها الذي يحمل الجنسية الأجنبية، وتعلمه النشيد الوطني اللبناني، وتسهر على راحته حتى يكبر، وعندما يقرّر دخول سوق العمل يصطدم بطبيعة القوانين التي تمنع الأجانب من مزاولة مهن كثيرة".

أما عن "الإقامة الدائمة" التي تحدثت عنها السيدة كلودين عون كبديل مؤقت، ترى الطبش أن " المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي عانت الكثير ولا تستطيع تحمل المزيد، ونسعى إلى وضع حد نهائي للظلم اللاحق بآلاف الأمهات اللبنانيات". وأوضحت أنّ "كتلة المستقبل باشرت مع الهيئة الوطنية وجمعيات تعنى بالمرأة ورشة عمل كبيرة لتقديم مشروع قانون عادل، وستعمل الورشة بشكل سريع لإصدار مسودة القانون في أسرع وقت ممكن".

وفيما خصّ القضايا التي ستعمل عليها الطبش خدمة للمرأة اللبنانية تقول: "أنا ملتزمة ببرنامج تيار المستقبل السياسي والاقتصادي، وأخذت على نفسي تعهداً منذ إعلان ترشحي إلى الانتخابات أن أحمل مطالب المرأة وأكون صوتها وصوت الشباب في مجلس النواب. لذا، فمنح المرأة اللبنانية جنسيتها إلى أبنائها من أولى أولوياتي."

من جهتها، تعرِّف المنسقة الإعلامية لحملة "جنسيتي حق لي ولأسرتي" كريمة شبّو الحملة التي بدأت عام 2000 في لبنان وبعض الدول العربية، بأنها تعمل على مساواة المرأة بالرجل في الحقوق على المستويات كافة، ورفع كل أنواع التمييز.

وترى شبّو أن "حق المرأة في منح الجنسية نابع من منطلق حقوقي". برأيها "المواطنة تتكرس في الحقوق كما الواجبات". بنظرها "الوطن هو الأم، والحق الطبيعي للأم اللبنانية أن تمنح الجنسية لأولادها، والحرمان من هذا الحق يطال أبسط الحقوق الأخرى لأولادها كالتعليم، والطبابة، والضمان، والعمل…"

تعلٌّق شبو على مرسوم التجنيس الأخير، وتعتبر أن: "تعديل القانون بالشكل الذي يسمح للمرأة اللبنانية منح جنسيتها لأولادها أمر طبيعي. فالرجل اللبناني يعطي أولاده الجنسية اللبنانية، ونرفض أن تكون جنسية الأم منّة من أحد في الوقت الذي يذهبون فيه للتجنيس من تحت الطاولة". وتضيف: "الأولوية لأولاد النساء اللبنانيات ولاستعادة الجنسية للمغتربين، أي لمستحقيها"، وتسأل: "هل هناك أحق من المرأة اللبنانية؟!".

أما عن الخطوات المقبلة لتحقيق المطلب تقول شبو: "نحن لم نتوقف يوماً عن العمل ولن نتوقف، وقد أطلقنا في مرحلة الانتخابات حملة "صوتي بيساوي حقي"، ومستمرون في الحملة على وسائل التواصل الاجتماعي".

وتضيف: "كلّ الأمهات اللبنانيات المحرومات من حقّ منح الجنسية لأبنائهن، شكّل مرسوم التجنيس الأخير حافزاً لهنّ ليدافعن أكثر عن حقوقهن، ونحن جميعنا ندعم نواب اللقاء الديموقراطي، ورئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميل في الطعن بمرسوم التجنيس".

أما عن مخاطر التوطين تسأل شبّو: "مرسوم التجنيس الجديد أليس توطيناً؟ نطالب بإعطاء المرأة حقها عبر مساواتها بالرجل كما ينصّ الدستور، وليكفّوا عن إقحامنا بحججهم العنصرية الواهية، وتمييزهم المرفوض".

وأضافت: "حقوقنا مغتصبة من قبل دولة لم تتمكّن من تغيير قانون وضعه الانتداب الفرنسي منذ العام 1925. المرأة اللبنانية تعطي الحياة لأطفالها ولا تستطيع منحهم الجنسية!".

في مقابل صرخة الوجع التي تطلقها شبو، لا تعوّل كثيراً على وجود آذان صاغية، لأنّ التجربة مريرة، ولا تعوّل كثيراً أيضاً على التزام السيدة كلودين عون روكز بما سبق لها أن وعدت به، وتعتبر أنّ "كلامها عن حقوق المرأة كان كلاماً انتخابياً صرفاً، ولكن نأمل أن تجد ترجمة له بعد الانتخابات".

السيدة عون روكز ليست الوحيدة التي يجب أن تجد ترجمة لوعودها بنظر شبو، وإنما أيضاً عدد من النواب الفائزين، الذين حملوا في حملاتهم الانتخابية شعار الدفاع عن حقّ اللبنانية في منح جنسيتها لأبنائها.

أما عن سير "تيار المستقبل" في إعداد قانون يكرس هذا الحق لا تخفي شبو تخوفها من "مسايرة الحريري للحلفاء"، مستذكرة عبارته "ما بدنا ننكر في مشكلة طائفية"، مطالبة بإقرار قانون "لا يكرس العنصرية عكس الذي طرحه جبران باسيل، لأننا لا نريد للمصالح السياسية أن تتحكم بمناقشة القانون".

وعن عدد النساء المتزوجات من أجنبي، تلفت شبو إلى أن المتزوجات من فلسطينيين نسبتهن حوالي 0.14% من نساء لبنان، معتبرة أنه لو كانت امرأة واحدة متزوجة من أجنبي ممنوع منعها من حقها.

وتختم حديثها بالقول: "شبعنا خطابات ومسكنات وحان وقت التنفيذ."

قصة أم لبنانية: "ظلمت ولادي لما جبتن على هالدني"

عناية، أم لبنانية لثلاثة شباب أعمارهم 19-24-25، متأهلة من سوري. تروي معاناة أولادها في حرمانهم من الجنسية: "بالنسبة للتعليم كنت أواجه مشكلة إخراج قيد الأولاد فاضطر للذهاب لسوريا عند تجديده، أما بالنسبة للطبابة، فابني كان يعاني من مشكلة في الكلية وعالجناه على حسابنا الخاص كونه ليس لبنانياً.

لكن "المشكلة الكبيرة" بدأت عندما قرر ابن عناية الثاني أن يدرس الهندسة، إذ ترك اخوه الكبير تعليمه ليساعد بالتكاليف "الباهظة" للجامعة الخاصة. وعندما اخد الليسانس حلّت الصدمة على العائلة: "لم يدع ابني شركة في لبنان إلا وقدّم طلبا فيها، لكنّ صدمتنا كانت بردّ الشركات أنها لا توظف سوريين، ابني الذي ربته ام لبنانية، يتحدث بلكنة امه وثقافته لبنانية، لكن كل هذا لم يشفع له عند التوظيف، إنه سوري في أعينهم"!

وتكمل عناية: "أما ما حزَّ في قلبي أكثر هو ابني الصغير الذي ترك المدرسة اعتبارا منه أنه لن يتعب ليكرر ما حصل مع أخيه".

أما عن شعورها  تقول: " انا صرت استحي اطلع بعيون ولادي، كل ما انفتحت سيرة هالموضوع بحس حالي ظالمة وبحس اني تعديت عليهن وجبتهن عهالدني"، لا تنفي عمق التأثر الذي يعانيه أولادها خصوصا أن زملاءهم الذين تعلموا يخططون لمستقبلهم، فيما أولادها"مربّطين".

تتحدّث عناية عن صدمتها بمرسوم التجنيس: "هذا حقنا وهم يعطونه لغيرنا! أين هي الانسانية التي يتكلمون عنها؟ قالوا إن هناك حالات انسانية شملها المرسوم، فليفسر لي أحد هل من حالة إنسانية أكثر من الأم اللبنانية؟"

وترفض عناية "حجة" الخوف من التوطين: "عن أي توطين يتحدثون وأنا وأولادي لم نغادر لبنان يوما، ولن نغادره أبدا، هذا وطننا ونحن لسنا لاجئين". وعن جدية طرح قانون يعطيها الحق في منح أولادها الجنسية تقول: "كلهم يماطلون وخائفون من التوازن الطائفي، لا أعتقد أن هناك جدية في طرح الموضوع، ففي كل مرة يفتعلون حجة ليسكتونا، لكنني سأظل أطالب بحقي وحق أولادي مع حملة جنسيتي كرامتي، أولادي لبنانيون اكتر منهم ونحن نقوم بواجباتنا ولن نتنازل عن حقنا حتى تحقيقه".

"يعد لبنانياً كل شخص مولود من أب لبناني" تتعطش لاستكمالها بجملة "وأم لبنانية".. فهل تُسقى قوانين الدستور مياه المساواة والعدالة فتروي تعطش المرأة اللبنانية لجزء من حقوقها المسلوبة؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.