عرش "أبو نبيل".. ومطبخه!

خضر طالب ـ 

لم يفهم أقرب المقربين من فريد مكاري قراره بالانكفاء النيابي طوعاً، بالأصالة والإنابة، مع أن المقعد النيابي كان بمتناوله، وهو الذي صار متجذّراً في الكورة، بل ويصعب العبور إلى واجهتها السياسية من دون دعمه.

نموذج فريد مكاري جاء فريداً، هو الذي رفض التوريث النيابي لنجله طوعاً، بينما كان كثيرون ينقلون العباءات إلى أولادهم بسبب إجبارهم على الانكفاء، وليس طوعاً.

الأرجح أن نائب رئيس مجلس النواب السابق لمدة 13 سنة، قد أصيب بالإحباط السياسي. 26 سنة نائباً، قدّم فيها جهداً متواصلاً في سبيل إنماء منطقة الكورة، من دون أن يتخلّى عن موقعه السياسي.

صديق رفيق الحريري.. بل وربما كان أقرب أصدقائه، حيث كانا رفيقا جهد وعرق جبين في المملكة العربية السعودية. دخل معه العمل السياسي من بوابة الانتخابات النيابية في العام 1992، واستمر إلى جانبه حتى الرمق الأخير للرئيس الشهيد رفيق الحريري.

بقي "أبو نبيل" محافظاً على شخصيته الهادئة، بالرغم من الجرح الكبير الذي أصابه باغتيال صديقه. لم ينجرف خلف الخطابات المتوتّرة وردات الفعل. صحيح أنه كان في مقدّمة الصفوف لثورة الأرز، لكن خبرته وعقلانيته أبقت فيه ذلك الهدوء الذي لم يقطع خيوط التواصل في مختلف الاتجاهات، حتى أنه شكّل في لحظة معيّنة جسراً بين الانقسام اللبناني الحاد، هو الذي دفع مراراً ثمن تلك الانقسامات.

يكاد يكون فريد مكاري "مطبخ" مرحلة حساسة في تاريخ لبنان. وهو يحتفظ بأسرار كثيرة عن تلك المرحلة التي انشطر فيها البلد وكاد ينزلق نحو حرب أهلية. لكن فريد مكاري، وبالرغم من موقعه السياسي في قيادة قوى "14 آذار"، إلا أنه بذل جهوداً خلف الستارة ساهمت في كثير من الأوقات بتجاوز حقول الألغام التي انتشرت على طول مساحة لبنان.

الذين يعرفون بعض مفاصل تلك المرحلة، والأدوار التي لعبها فريد مكاري، يعرفون أن الرجل لم يحاول استغلال موقعه، ولم يغرق في مستنقع المزايدات، ولم يركب الموجة، ولم يستثمر من أجل مصلحته، ولم يمارس "بروباغندا" إعلامية من أجل تقديم نفسه بصورة البطل أو صانع السياسات.

كثيرون لا يعرفون أن فريد مكاري لاحت له فرص كثيرة ليكون في صدارة السياسة اللبنانية، ومن الموقع الذي يختاره. لكنه، ببساطة، اختار البقاء بصورة رجل الحوار، ونجح في لعب دوره كاملاً كنائب لرئيس مجلس النواب نبيه بري.

لم تكن العلاقة بين بري ومكاري سليمة في البداية، ربما بسبب تناقض الموقع السياسي، لكن مكاري نجح سريعاً في صياغة علاقة ممتازة ومتناغمة مع بري، بالرغم من وقوف كل منهما في طرفي نقيض البلد السياسي.

لا أحد يستطيع فهم حسابات فريد مكاري التي تجعله يتحصّن بهذا الهدوء، وتلك الشخصية التي لا تستثمر في الفرص، ربما لأنه لا يعرف أو ربما لا يريد، وقد أحاطت به الفرص من كل حدب وصوب حتى أصبح يثير غيرة الغيورين من أصدقائه قبل خصومه. فقد تسلّق الرجل سريعاً سلّم المجد السياسي، لكنه مع ذلك لم يتغيّر ولم يتبدّل في طباعه ولا في سلوكه الشخصي والعام.

كان بإمكان الرجل التربّع على عرش الزعامة الأرثوذكسية مراراً، لكنه في كل مرة كان يتراجع، من دون أن يعرف أحد السبب. وعندما بقي وحيداً في الصف الأرثوذكسي الأول، قرر ترك الكرسي والمغادرة.

لطالما انشغل فريد مكاري بمنطقة الكورة. كانت هاجسه الأكبر الدائم، وقد نجح في الحصول على الكثير من المشاريع لها، لكنه مع ذلك لم يعلنها بالطبل والزمر. المهم بالنسبة له هو النتيجة.

أما بلدة أنفه.. غرامه البحري.. فقد حوّلها إلى عروس البحر الشمالي، وصارت تضجّ بالحيوية.

سجل الإنجازات المعروفة طويل، أما سجل الإنجازات التي يعرفها وحده وثلّة من الذين حوله فقد يكون أطول.

حتى اليوم، لا يملك أحد جواباً أو تفسيراً لإنكفاء فريد مكاري.

وحتى اليوم لا يملك أحد جواباً حول موقع الأرثوذكس في تركيبة النظام، طالما أن زعامات الأرثوذكس انكفأت جميعها تباعاً، وكان آخرهم فريد مكاري.

يقيناً، لو قرّر فريد مكاري زعامة الأرثوذكس المطلقة، لكان حصل عليها بالرضى والتسليم والقبول والحماس. لكن آخر زعماء الأرثوذكس ما زال مترفّعاً عن هذا المنصب.

في النقاشات الطويلة معه، حاول كثيرون ثنيه عن قراره بعدم الترشّح. والواقع أنهم لم يسمعوا منه قراراً حاسماً إلا قبل ايام من إقفال باب الترشيحات.

وفي النقاشات الطويلة معه، كانت معادلة السياسة خارج البرلمان هي محور البحث: هل يمكن العمل السياسي من خارج مجلس النواب؟ وهل يستطيع أي سياسي أن يمارس دوراً سياسياً من دون صفة نائب؟ وأي فاعلية من دون النيابة؟ وأي وزن سياسي من دون مقعد نيابي؟ وأي مستقبل سياسي من دون صوت نيابي؟

كلها أسئلة كانت تتدفّق على فريد مكاري بحثاً عن استمراريته في لعب دوره.. لكن فريد مكاري كان متمسّكاً بأن الموقع النيابي لا يصنع موقعاً سياسياً. ثم إنه قد حقق على المستوى الشخصي أعلى موقع سياسي أرثوذكسي، وأعطى كل طاقاته لخدمة هذا الموقع، وقد حان الوقت لينكفئ طالما أن صيغة البلد مقفلة على هذا الواقع السياسي.

اليوم انسحب فريد مكاري بهدوء من المشهد النيابي. لكن موقعه السياسي يبدو أنه محفوظ له، وأن أحداً لا يمكنه ملء الفراغ الذي يتركه مكاري خلفه، في المدى المنظور.

صحيح أن فريد مكاري يريد الراحة من 26 سنة سياسة مليئة بالأحداث، لكنه أيضاً يعرف أنه لا يستطيع إدارة ظهره لكل تلك البنية التي أنشأها بين محبيه في أنفه والكورة ولبنان.

الذين يعرفون "أبو نبيل" عن قرب، يعرفون أنه رجل نبيل لا يرمي حجراً في بركة. ولأنه كذلك، فإن موقعه السياسي سيبقى مؤثّراً، بمقعد نيابي أو من دونه، إلا إذا قرّر هو نفسه التنازل.

على الأرجح سيبقى فريد مكاري طباخاً ماهراً في السياسة، وسيأتي يوم تنكشف الأسرار عن الأدوار التي لعبها مكاري وكان لها الأثر الوطني البارز.. ولو تجاهل اليوم كثيرون من الشهداء على تلك المرحلة.. إلا إذا أصرّ "أبو نبيل" على الاحتفاظ بأسراره في ذاكرته الشخصية.. وليس في مذكّراته، التزاماً منه بأخلاقيات تكاد تكون عملة نادرة بين السياسيين اليوم.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.