"أوعى خيّك".. "أوعى من خيّك"!

نورما أبو زيد ـ

لا شكّ أن تغييراً قد طرأ على "بروفيل" رئيس الجمهورية، منذ وصول الرئيس العماد ميشال عون إلى سدّة الرئاسة.

يدرك الخصوم قبل الحلفاء، أنّ ملامح العهد الجديد لا تشبه ملامح العهود السابقة، وأنّ قماشة الرئيس عون مختلفة عن قماشة كلّ الرؤساء الذين تعاقبوا على رئاسة الجمهورية، لا سيّما رؤساء ما بعد الطائف، وإن كانت هناك نقاط تلاقي بينه وبين بعضهم، لا سيّما منهم الرئيس الراحل فؤاد شهاب، والرئيس الأسبق إميل لحود.

رابع جنرال في سدة الرئاسة، لديه ملامح شبه مع "الجنرال الأول" فؤاد شهاب في حبّه للمؤسسات، ولكنّه لا يحمل عصا سحرية لمحو 43 سنة من اختطاف الدولة ونحر مؤسساتها، وتحويل الوطنيين إلى رهائن، والمواطنين إلى خراف، ناهيك عن اغتيال الشفافية والإحباط وقتل الطموح.

ورابع جنرال في سدة الرئاسة، يشبه "الجنرال الثاني" إميل لحود في تمسّكه بمبادئه، وقد سبق له أن حمل عصا ولوّح بها لمن عصى، وحكمته تدفعه أحياناً لإمساك العصا من نصفها بدلاً من التلويح بها.

ولكن رابع جنرال في سدّة الرئاسة، لا يشبه "الجنرال الثالث" ميشال سليمان بشيء، وهو لا يريد أصلاً أن تكون لديه أية ملامح مشابهة.

تطول اللائحة لدى تعداد تجاوزات الرئيس السابق ميشال سليمان الذي ختم عهده على مرسوم تجنيس، "مرّره" في ليلٍ سبق "نهار" خروجه من قصر بعبدا بساعات معدودات.

أضاف ميشال سليمان 664 شخصاً إلى "العائلة اللبنانية الكريمة". أشخاص يحلم اللبنانيون بالحصول على الجنسيات التي يحملونها، ولكنهم مع ذلك "راودهم" حلم الحصول على جنسيتنا اللبنانية كي "يتباهوا" بانتمائهم إلى نسل "أحفاد فينيقيا". والرئيس ميشال سليمان الذي عجز عن تحقيق أحلام اللبنانيين ـ الأحفاد الأصليين ـ نجح في تحويل حلمهم بأن يصبحوا لبنانيين إلى حقيقة.

اتّخذ ميشال سليمان قراراً "شجاعاً" وهو على بوابة القصر مغادراً، وأحداً من "الغيارى" لم يلتفت إلى ما فعله. مرّ المرسوم بلا ضجيج، ولكن حلفاء سليمان في "النضال" الذين أغمضوا عيونهم عن "اللبنانيين الجدد"، هم أنفسهم الذين يملأون الأرض اليوم صخباً في حملة شعواء على الرئيس ميشال عون، يستخدمون فيها كلّ الأبواق المتاحة، على خلفية مرسوم تجنيس مشابه في الشكل وبعض المضمون لذاك الذي صدر في أواخر "العهد السليماني" الحليف.

"قانون الصمت" الذي بقي كاتماً على فضيحة المرسوم "السليماني"، بات في عهد الرئيس ميشال عون "قانون المجاهرة"، علماً أنّ الرئيس عون أصدر المرسوم في أول عهده وليس في أيامه الأخيرة، وهذا إن دلّ على شيء، فإنّما يدلّ على حسن النيات وصفائها.

ربما تكون لائحة المجنّسين قد فُخّخت بأسماء لا تستحقّ الجنسية اللبنانية، ولكن هذا لا يعني أنّ الرئيس عون هو الذي فخّخها كما حلا ويحلو لمطلقي الحملة عليه أن يصوّروا الموضوع.

الرئيس الذي أثبت بالتجربة أنّه نزيه ومنزّه، ليس بحاجة إلى من يدافع عن مصداقيته، لأنّ الخطوات التي اتّخذها ما إن سلك المرسوم طريق الشبهات، هي وحدها كفيلة بإبعاد الشبهة عنه. هناك من فخّخ، ولكن الأكيد هو أنّ الرئيس عون قطع الطريق على الأسماء المفخَخة وعلى تلك المفخِخة في آن، من خلال وضع الملفّ بمفخَخيه ومفخِخيه في تصرّف "الأمن العام"، حرصاً منه على "أمن الرئاسة" وصورتها التي يريدها بعيدة عن الشبهات. ولكن يبقى أنّه من الضروري  سؤال "الغيارى": لماذا "عزّت" عليهم لبنانيتهم في عهد الرئيس ميشال عون، ولم تعزّ عليهم في عهد الرئيس ميشال سليمان؟ ولماذا ردّ الفعل على الفعل ذاته يختلف من فعل إلى فعل؟ ولماذا التصويب على رئيس الجمهورية حصراً، علماً أنّ رئيس الوزراء ووزير الداخلية شريكان في المرسوم؟

من الواضح، أنّ حملة "كلّنا على خيّك" التي بدأت قبل فترة بالتحريض في الخارج على عهد الرئيس عون، مستمرّة، لأنّ هناك من أصابهم ضرر معنوي جراء تبدّل المفهوم في رئاسة الجمهورية، من رئيس منزوع التمثيل الشعبي والسياسي والميثاقي، إلى رئيس مع فائض في التمثيل الشعبي والسياسي والميثاقي.

الصورة البراقة التي نجح وزراء "القوات اللبنانية" في الإبهار بها من خلال أدائهم الوزاري، يقضم منها رئيس "القوات" قطعة في كلّ حملة يشنّها على العهد، استعجالاً منه لإعلان نهاياته. يصرّ سمير جعجع على التذكير بأنّ خلف الصورة التي ظهرت أيام السلم، هناك صورة من أيام الحرب، ومع كلّ قضمة "يذوب الثلج الأبيض ويبان المرج الأسود".

في الحملة الأولى التي أرادها جعجع صفعة على وجه العهد، نجح الرئيس عون بوطنيته وحنكته وحكمته في توجيه صفعة موجعة لمن رغب بتسديد لكمة على خدّ العهد. وفي الحملة الأخيرة التي أريد منها "تسويد" وجه العهد، "اسودّ" وجه المهاجمين، وازداد وجه العهد بياضاً، بعد أن أقدم الرئيس عون على ما لم يكن في حسبان المهاجمين، وهو إحالة الأمر إلى المؤسسات بعيداً عن الشخصنة والأنانيات والحسابات، بجرأة رجل الدولة لحماية شرف الرئاسة والوطن والهوية.. والجنسية.

فرغم المعطِّلات الداخلية والخارجية لحركة أيّ رئيس، نجح ميشال عون في أن يكون رئيساً نافذاً ومتنفذاً. في أزمة "الاستقالة ـ الإقالة" حوّل لبنان إلى جمهورية مميزة برئيسها المرفوع الرأس. ورغم سياديته الفاقعة، وفّق إلى حدّ مقبول بين المصالح المتضاربة للقوى الإقليمية على الأرض اللبنانية، وأثبت بذلك أنّ العسكري السابق يتقن السير بين الألغام السياسية، ويجيد تجنيب البلد الخضات على أنواعها.

"الجنرال الرابع" الذي وصل إلى سدّة رئاسة الجمهورية بتوافق بين نقيضين، عمل منذ اعتلائه سدّة الرئاسة على أن يكون عامل جمع لا عامل تفرقة، وكان كذلك. هاجس النجاح يواكبه رغم المطبات الكثيرة، ويبذل جهداً مضاعفاً وملموساً لإرساء "شرعة القانون" لا "شريعة الواسطة".

صحيح أنّ السلطة في لبنان تُفسِد، ولكن الرئيس عون لم تُفسِده السلطة. من يلتقي به يُدرك أنّه ما يزال هو هو، وأنّه يؤمن بضرورة اقتلاع الفساد كي "يُقلع" البلد. ولكن هو يدرك، ونحن ندرك، أنّه لا يحمل عصا سحرية. مصباح علاء الدين السحري يتقاعد عن العمل والأمل في "مغارة علي بابا" اللبنانية، والرئيس عون لم يتقاعد بعد، رغم أنّ مشواره في "الغابة" اللبنانية ليس نزهة.

وجود الرئيس عون على رأس البلاد هو فرصة لتطوير النظام السياسي، ولكن يداً واحدة لا يمكنها أن تصفّق، لذا على "الغيارى" على هيبة الجمهورية، وضع يدهم في يد رئيس الجمهورية، إحقاقاً للتكامل، عوضاً عن التقاتل والتنافر.

سياسة "أوعى خيّك" التزمها الرئيس مع كلّ أشقائه في الوطن، فهل يلتزم بها الآخرون؟

من الواضح أنّ المرحلة هذه لم تعد مرحلة "أوعى خيّك" وإنّما مرحلة "أوعى من خيّك"، وإلاّ لما كان هذا الضجيج المفتعل حول مرسوم هو أساساً في صلب صلاحيات رئيس جمهورية ما بعد "الطائف"، ولكانت تمّت الإضاءة على الأسماء "المدسوسة" من دون ضجيج. فهل في استراتيجية "الإخوة" هدف محدّد هو إلغاء المزيد من صلاحيات الرئيس؟

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.