عودة "#الاحباش"

محمد شرف الدين ـ

تملك "#جمعية_المشاريع_الخيرية_الإسلامية" أو "#الاحباش"، باعاً طويلاً في العمل الانتخابي، وتُفاخر ماكينتها الانتخابية بكونها تناظر الماكينة الخاصة بحزب "الطاشناق" المعروفة في قدرتها على عدّ الأصوات وتجييرها بطريقة جيدة. صحيح أنه في ظل القانون القديم كان من الصعب على القوى السياسية تحديد أحجامها الفعلية، لكن "المشاريع"، ولكونها تعتمد أسلوب "البلوك الانتخابي"، كانت قادرة على تقدير عدد أصواتها بشكل دقيق، لا سيّما أن جمهورها لا يشبه بقيّة القوى التي يسير جمهورها بحسب الموجة السياسية ولا يعتمد على "المزاج العام". وفي ظل القانون الانتخابي الجديد، الذي اعتبرته المشاريع أتى على قياس القوى السياسية الكبيرة ولم يأخذ بمصلحة المواطنين اللبنانيين وطموحاتهم، لا لناحية تقسيم الدوائر ولا لناحية النسبية والصوت التفضيلي الواحد، وجد "الأحباش فرصة للعودة الى الحياة السياسية من باب الانتخابات النيابية، بعدما انكفأت عنها "قسراً" لسنوات طويلة.

"جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية" التي تعرف عن نفسها بأنها "جمعية إسلامية خيرية تربوية اجتماعية، لا تتبع منهجًا جديدًا ولا فكرة مستحدثة، هي على المنهج الذي ينتسب إلى أشعرية شافعية. أشعرية من حيث العقيدة التي هي عقيدة أبي الحسن الأشعري، وشافعية من حيث الأحكام العملية، مع الاعتقاد أن أئمة المذاهب المعتبرة أئمة هدى، وأن اختلافهم في فروع الأحكام رحمة بالأمة". تمرست في العمل الانتخابي منذ عام 1992، ومنذ ذلك التاريخ وماكينتها مستمرة بالعمل، يديرها نحو 6500 عنصر موجودين على الأرض". فالعمل الانتخابي بالنسبة لـ"الاحباش" هو عمل يومي وليس موسمياً. في الأيام العادية، تنام كل الماكينات الانتخابية، باستثناء ماكينة "المشاريع"، ولعلّ ذلك ما يفسّر قوّتها وتنظيمها اللذين يوازيان أهم ماكينات الأحزاب الكبرى. مهما كان شكل المعركة وحجمها، لا يتصرّف "الأحباش" وكأنهم يبدؤون من الصفر.

هذا العمل الدؤوب أثمر مقعداً في مجلس النواب كان من نصيب عدنان طرابلسي واحتمال متقدّم للحصول على مقعد ثان في طرابلس لصالح مرشّحها طه ناجي بعد تقديم طعن يكفيه إعادة جمع أصوات لائحة "الكرامة" لإعلان فوزه. طرابلسي سبق وترشح في انتخابات العام 1992 وفاز بعد حصوله على نحو 11 ألف صوت، بينما لم يحالف الحظ آنذاك طه ناجي، لتعاود "المشاريع" ترشيحهما في انتخابات 1996 و2000 من دون ان يتمكنا من النجاح. اما في العام 2005 فتم ترشيح ثلاثة مرشحين توزعوا على دوائر بيروت الثلاث، هم عدنان طرابلسي وبدر الطبش واحمد دباغ، إضافة إلى طه ناجي، الاّ ان البيئة لم تتجاوب مع طرحهم السياسي المؤيد لنظام الرئيس بشار الاسد وحلفهم الثابت مع حلفائه اللبنانيين، كما يرى خصومهم، ومن وقتها بدأ دور "المشاريع" السياسي بالتراجع، نتيجة تعرضها لنكسات عدة لتتم على اثرها مقاطعة انتخابات 2009 والتحضير لانتخابات 2013 التي لم يكتب لها ان تحصل بسبب التمديد للمجلس النيابي.

انكفاء.. ثم عودة

ثمة العديد من العوامل وراء تراجع هذا الدور، لعل أبرزها ادراجهم في خانة القوى النامية تحت ظل الوجود السوري كونهم دخلوا معه في حلف وصاروا جزءاً من التيار المحسوب على السياسة السورية في لبنان، وكان لا بد لهذه القوى أن تتأثر بعد محاصرة دمشق بتهمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

ويمكن اعتبار حادثة اغتيال الشيخ نزار الحلبي أمام منزله أوائل التسعينات نتيجة نشاط المشاريع في "مقارعة" فكر "الإخوان المسلمين" الذين يطلقون عليهم مصطلح "الفكر الأخواني" بكل رموزه ومسمياته، ودورهم في مواجهة التيارات المتشددة والسلفية، وفي مقدمها الفكر الوهابي، فقد صرفوا الكثير من الجهد للرد على التيارين عبر كتب ومنشورات وندوات ونشاطات، بمثابة بداية "النكسات" التي تعرضت لها "المشاريع"، وأدت الى بروز 4 اتجاهات متصارعة داخل "المشاريع"، لكن لطالما كانت هذه الخلافات تبقى داخلية ولا تخرج الى العلن.

أما الضربة الكبرى التي وجهت إليهم فكانت بما صار يعرف بقضية الأخوين عبد العال اللذين زج بهما في السجن وأحدهما ضابط في الجيش بتهمة الضلوع في عملية اغتيال الحريري. فكان ردهم هادئاً مشفوعاً بمزيد من الانكفاء، بالرغم من ثبوت براءة الأخوين عبد العال لاحقاً.

بعد اغتيال الحريري، بات قسم كبير من البيروتيين ينظر الى "الأحباش" على أنهم جماعة دينية استخدمتها المخابرات السورية. وكانت احدى نتائج هذه النظرة الجديدة هجوم شبان "حريريين" على مراكز لـ "الأحباش" ومحاولتهم تحطيمها ليلة اصدار المحقق الدولي ديتليف ميليس تقريره الأول حول اغتيال الرئيس الحريري.

وفي عام 2009 توفي مؤسس "تيار الأحباش" الشيخ عبدالله الهرري المعروف بالشيخ الحبشي، فاعتبر البعض ذلك ضربة معنوية أخرى للتيار كونه فقد مرشده الروحي الذي أحاطه مريدوه دوماً بهالة من الاحترام قاربت حد التقديس.

حتى العام 2005 كان "الأحباش" يستميلون الشبان البيروتيين عبر اغرائهم "بالقوة" التي يملكونها، أي برخص السلاح والأسلحة والبطاقات الأمنية التي تسهّل المرور على الحواجز وتعفي من اجراءات كثيرة مفروضة على المواطنين العاديين. ولعل الحادث الأوّل الذي أكد تراجع نفوذ "الاحباش" هو صدام بين أحد شبانهم وشبان من حركة "أمل" في صيف العام 2005. يومها، أطلق شاب "حبشي" النار على شاب في "الحركة". فجمع الحركيون قواهم وتوجهوا في ما يشبه "الجيش"، على قول الشاهد، وحاصروا المسجد الذي قيل أن "الحبشي" احتمى داخله. هُزم "الحبشيون" وسلموا مطلق النار. وكان ذلك مفصلاً انقلبت من بعده صورتهم القوية الى صورة عادية.

وقبل ذلك، برز خلاف بين كبير بين دار الفتوى و"الأحباش" تعود جذوره الى العام 1993 ومحوره سيطرة "جمعية المشاريع" على ثلاثة مساجد بيروتية. يومها، كانت "جمعية المشاريع الخيرية الاسلامية" لا تزال في مستهل نموها التنظيمي والسياسي، وكان "الأحباش" يؤمون المساجد ويصلون فيها على غرار غيرهم البيروتيين. لكنهم بدأوا شيئاً فشيئاً يحكمون سيطرتهم على ثلاثة مساجد في أكثر المناطق البيروتية اكتظاظاً: مسجد البسطا الفوقا، مسجد زقاق البلاط ومسجد برج أبي حيدر. وامتدت الازمة الى مختلف المناطق اللبنانية، كطرابلس والشوف، وفي المرحلة التالية، راح شيوخ من بينهم يؤمون المصلين في تلك المساجد. فاعترضت دار الفتوى لأنهم أجازوا لأنفسهم القيام بالآذان، ثم أصبحت المساجد المذكورة تحت امرتهم، ادارياً ومالياً، لا يدخلها الا القريبون منهم.

وإذا كانت المشاريع اختارت ألا يكون لها برنامج حراك سياسي يومي، الا انها كانت ترصد من كثب التحركات الشعبية وترى أن مطالب الاصلاح ومواجهة الفساد ووقف الاهدار وسواها مطالب محقة، وهي مع الباب المؤدي الى التغيير ووجدت وضع قانون انتخاب على أساس النسبية فرصة لعودتها ونجحت في تحقيق ذلك بالفعل، اذ يقول القيادي في "جمعية المشارع الخيرية" احمد دباغ أن "القانون النسبي وبالرغم من ثغراته، الا أنه يبقى أفضل من القانون الأكثري، كونه سمح لشرائح المجتمع بأن تتمثل بشكل أكبر، وغير وجهة التمثيل".

ويعتبر دباغ أن نجاح "المشاريع" في هذا الاستحقاق لا يقتصر على فوز مرشحها عدنان طرابلسي في دائرة بيروت الثانية وحسب، بل بأنها أمنت الكسر الأكبر الذي سمح لمرشح "التيار الوطني الحر" عن المقعد الإنجيلي في بيروت الثانية بالوصول بدوره الى المجلس، كما أن أصوات "المشارع" ساهمت بوصول مرشحين في مختلف الدوائر الانتخابية أبرزهم عبد الرحيم مراد في البقاع الغربي، وجان طالوزيان في بيروت الأولى، ويونس الرفاعي في بعلبك. وفيما لم يحالف الحظ مرشح "المشاريع" طه ناجي في طرابلس، الا أن "الجمعية" ترى أن هذه النتيجة ملتبسة كونه خسر بفرق 44 صوتاً وتعتبر أن ثمة تلاعب بالأصوات، تقدمت على أثره بطعن أمام المجلس الدستوري. ويشدد دباغ أن الأصوات التي ساهمت في نجاح هؤلاء هي أصوات "خام" لـ"المشارع".

وعن المرحلة المقبلة وكيفية تثبيت نشاط "المشاريع" السياسي، يعتبر دباغ أن نشاط الجمعية هو نفسه داخل البرلمان وخارجه، فـ"المشاريع" تعمل على الأرض وبين الناس لذلك تجد نفسها الأفضل لحل مشاكلهم، وأكد وقوف "المشاريع" الى جانب الرئيس سعد الحريري، علماً أن "المشاريع" لم تطالب بحقيبة وزارية اثناء الاستشارات النيابية، متمنياً مساعدة جميع الافرقاء له من أجل تسهيل ولادة الحكومة في أسرع وقت".

واذا كان الحديث المتداول في الأوساط الشعبية أن "المشاريع" حلت مكان "الجماعة الإسلامية" في البرلمان، فأين أخطأت "الجماعة" وأصابت "الجمعية" في إدارة الحملة الانتخابية؟

رداً على هذا السؤال يرفض دباغ المقارنة بين "المشاريع" و"الجماعة الإسلامية" معتبراً أن دخول "المشاريع" الى البرلمان لا يرتبط بخروج "الجماعة" منه والعكس صحيح. اذ يرى أن "المشاريع" هي صوت الاعتدال في الشارع السني والإسلامي والوطني، وهي صوت الاعتدال قولاً وفعلاً، والمواطن اللبناني يستطيع أن يفرق بين من يدعي الاعتدال قولاً، فيما ممارساته ليست كذلك".

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.