"المروق" اللبناني في ملفّ اللجوء السوري

 نورما أبو زيد ـ

هل لبنان دولة مارقة؟

قد يستغرب البعض هذا السؤال، ولكن للسؤال وجاهته. فحالة الاهتراء الشاملة التي نعيشها تدفعنا إلى التأمّل بالظروف المحيطة التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه، والتفكير بمآلات أزمتنا.. لا بل أزماتنا.

عالمياً، هناك أربعة معايير معتمدة لتشخيص "المروق"، ألا وهي: فقدان السلطة القائمة سيطرتها الفعلية على كامل أراضيها أو على بعض منها. وفقدانها احتكار حق استخدام العنف المشروع. وفقدانها شرعية اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها. أضف إلى عجزها عن توفير الحدّ المعقول من الخدمات العامة. كلّ هذه العوامل مجتمعة تجتمع عندنا، وعلى أرضنا، ولذلك قد نستحقّ عن جدارة لقب "دولة مارقة".

نحن في أحسن تقدير دولة في طريقها إلى المروق. نصنّف سنوياً من ضمن الدول الأكثر فشلاً في العالم، ونحصل باستحقاق على آخر المراتب في السياسة والاقتصاد، بعد الصومال وتشاد والكونغو وزيمبابوي والسودان بشقيه الشمالي والجنوبي وصولاً إلى آخر دولة في مجاهل العالم المتخلّف.

قد نحسّن من مرتبتنا إذا قلنا إنّنا دولة في طريقها إلى المروق. الاهتراء غير المسبوق على الصعيدين السياسي والاقتصادي يؤكّد أنّنا دولة مارقة. ولكن نحن دولة مارقة ضدّ من؟

نحن دولة مارقة ضدّ أنفسنا، ومروقنا غير محمود بحقّنا. الدول المارقة هي تلك التي تجد عجزاً مزمناً في التعامل مع العالم الخارجي، وبهذا المعنى نحن دولة مارقة بامتياز.

لقد تعاطينا بخفّة مع موجة اللجوء السوري التي اجتاحتنا بما لا يقلّ عن مليون ونصف مليون لاجئ، إلى أن بلغ الاهتراء الاقتصادي كلّ منزل.

قبل فترة "زفّ" إلينا مدير عام كهرباء لبنان كمال حايك بشرى غير سارة تقول إنّنا كلبنانيين ندفع كهرباء عن مليون ونصف مليون لاجئ سوري. وما ينطبق على الكهرباء، ينطبق على الماء، وعلى كلّ الخدمات. قبل حايك بأيام، "بشّرنا" مدير عام المؤسسة العامة للإسكان روني لحود، أنّ هناك ملفات إسكان عالقة من العام الفائت يتمّ الانتهاء منها، وبعدها قد لا تكون هناك مؤسسة. مصرف لبنان استبق الجميع إلى الإجراءات التقشفية التي تنمّ عن حالة اقتصادية مرضية، من خلال رفعه للفوائد على القروض المدعومة إلى نحو غير مسبوق، وتثبيت الفائدة على الدولار الأميركي. امتصّ ملفّ اللجوء السوري ما كان متبقياً من حيويتنا الاقتصادية، ومع ذلك لم ترفع الدولة اللبنانية الصوت "تا يودّي" إلى المقلب الآخر من المتوسط، حيث سياسة الشواطئ المقفلة.

مع تشكيل الحكومة الثالثة لسعد الحريري، وعدتنا الدولة بـ "طرح الصوت"، ولكن وزير الدولة لشؤون اللاجئين معين المرعبي، لم يكن أحسن حالاً من زميله وزير الدولة لمكافحة الفساد نقولا التويني. لم يحقّق إنجازاً يُذكر في ملفّ اللجوء.. ربّما بحكم المكاتب الوزارية المتلاصقة.

شرّعنا أبوابنا أمام ما لا يقلّ عن مليون ونصف مليون لاجئ، في الوقت الذي كنّا بحاجة فيه كلبنانيين لمن يشرّع أبوابه أمام بطالتنا. لم يقدّر المسؤولون عن شؤوننا وشجوننا أنّ التفاعلات في وعاء مليء، تختلف عنها في وعاء فارغ.. يُحسب لنا أنّنا نجحنا في استيعاب هذا العدد الكبير من اللاجئين السوريين في وعاء صغير دون أن ينفجر البلد فينا وفيهم، ولكن ماذا عن الفاتورة اليومية التي ندفعها كلبنانيين؟ وهل نبتعد كثيراً عن الانفجار؟

بلغت الأوضاع الاقتصادية حداً كثير الحرج، وعلى المسؤولين الإقلاع عن الخفّة، والتعاطي مع هذا الملفّ بمسؤولية أكبر.

أصغر بلد في العالم، يستضيف أكبر عدد من اللاجئين السوريين. معادلة غير منطقية ولكنها موجودة بحكم الأمر الواقع. نستقبل في أقلّ تقدير من الإخوة السوريين ما يعادل نصف سكاننا، وهذا وضع شاذ وغير مسبوق كونياً. الاتحاد الأوروبي بدوله الـ 28 يستقبل أقل من مليون لاجئ سوري، ونحن بلد الـ 10452 كلم نستقبل ما لا يقلّ عن مليون ونصف مليون لاجئ سوري.

منذ موجات اللجوء الأولى، أساء لبنان التعامل مع الملفّ، بخلاف تركيا والأردن، اللتين أجادتا التعاطي معه، فحسّنتا من معيشة شعوبهما ومن معيشة اللاجئين السوريين أنفسهم.

لقد تعاطى سياسيونا "على القطعة" مع ملفّ اقتطع جزءاً كبيراً من أمننا الأمني والاجتماعي والاقتصادي، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على ضعف الدولة اللبنانية وانحلالها وتبعثر قرارها.

لا تجوز المقارنة مع تركيا أو الأردن في تعاملهما مع اللجوء، ولكن من المفيد تسليط الضوء على التجربة التركية. فتركيا البلد القوي اقتصادياً، لا يشكّل النزوح السوري أكثر من 3 بالمئة من تعداد سكانه، ومع ذلك فتحت تركيا في العام 2014 أبواب البحر أمام لاجئيها، كي تُرغم أوروبا على تقاسم عبء المسؤولية معها. حصلت تركيا من خلال سياسة أبواب البحر المشرّعة على أكثر من تقاسم أعباء. حصلت على تغطية كاملة لكلفة اللجوء، أمّا نحن الذين نئنّ تحت عبء أكثر من لجوء، خجلت دولتنا من تشريع أبواب بحرنا. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا كنّا دولة تنطبق عليها كلّ مواصفات المروق، فهل يحقّ لنا أن "نتشاهم" في ملفّ اللجوء؟

سياسة الأبواب المغلقة مع أوروبا، تركت الأبواب الأوروبية مغلقة في وجهنا، لذا فلنفتح أبواب بحرنا أمام قوارب الهجرة السورية غير الشرعية، كي لا تحمل هذه القوارب غداً لبنانيين.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.