"مومو" تُرعب المجتمع.. والدولة!

محمد شرف الدين /

في العام 2002، صدر فيلم "The Ring"، الذي دخل في الثقافة الشعبية كواحد من أكثر الأفلام رعباً، وحقق نجاحاً بقيت معالمه في الذاكرة لسنوات، ما استدعى انتاج جزء ثان ثم ثالث في العام 2017. في الفيلم، تعود الطفلة سمارا من الموت لتنتقم من الأحياء، بعدما قامت أمها بالتبني بإغراقها في البئر، من خلال شريط فيديو، يصبح كل من يشاهده ملعوناً، فيتلقى اتصالاً هاتفياً يسمع فيه بعد لحظة صمت، صوتاً مرعباً يحذره من "اللعنة": "لديك سبعة أيام، إما أن تنقل اللعنة إلى شخص آخر عبر خداعه لمشاهدة الشريط، أو ستخرج سمارا من شاشة التلفاز لتنفّذ انتقامها".

هذه الطقوس، أي شريط الفيديو، البئر، رنين الهاتف والصوت الذي تقشعر له الأبدان على الطرف الآخر، وأخيراً الكائن الذي يخرج من شاشة التلفاز والذي يخفي وجهه الشيطاني خلف شعر الطفلة المبلل… بقيت في الأذهان لأكثر من عقد من الزمن، وزالت بعد الجزء الأخير الذي لم يحقق النجاح الجماهيري الذي حققه سابقه.

في الأشهر الماضية، تكرر سيناريو مشابه على مواقع التواصل الإجتماعي، عُرف بظاهرة "مومو". وكما سمارا، قيل إن مومو تظهر فجأة في منتصف فيديوهات الرسوم المتحركة الموجودة على الـ"يوتيوب"، لتُرعب الأطفال، وتحضّهم على إيذاء النفس، وحتى الانتحار، وإذا لم ينفّذ الطفل هذه الأوامر، أو أخبر أهله بما شاهده، ستظهر "مومو" شخصياً للطفل أثناء الليل. وقيل إن الفيديو يحقق مراده بالفعل، كون الأطفال يتعرضون لنوع من "غسيل الدماغ" أو "التنويم المغناطيسي"، وليس فقط الترهيب. ووُضع الأهالي والمدارس، وحتى القوى الأمنية في بعض البلدان، في حالة إستنفار للتحذير من هذه الظاهرة ومراقبة المحتوى الذي يشاهده الأبناء. وفي لبنان، وجهت رئيسة لجنة شؤون المرأة والطفل النيابية النائب عناية عز الدين، رسالة الى كل من وزراء الداخلية والتربية والاعلام ريا الحسن وأكرم شهيب وجمال الجراح، مطالبة إياهم بـ "اتخاذ الاجراءات المناسبة لمنع اللعبة الالكترونية الخطرة التي تحمل إسم (مومو) والتي انتشرت حديثاً على مواقع التواصل الإجتماعي، وتحديداً عبر تطبيقات "واتس آب" و"فايسبوك" و"يوتيوب".

من خلال بحث بسيط على شبكة الانترنت، يتبين انه لا يوجد تقارير فعلية لأطفال وقعوا ضحية لهذا "التحدي"، وأن كل المحتوى المرتبط بهذه القضية لا يتعدى تحذيرات تم تناقلها عبر "النسخ واللصق" على مواقع التواصل الاجتماعي ووجدت طريقها الى المواقع الإخبارية، ليس في لبنان وحده، بل حول العالم. في حين أن الفيديو موجود بالفعل على "يوتيوب"، ويتطلب البحث عنه والدخول إليه كأي فيديو آخر، أي أن التقارير التي نقلت أنه يظهر للأطفال أثناء مشاهدتهم الرسوم المتحركة غير صحيحة، والوجه الذي يظهر في الفيديو يعود لدمية يابانية الصنع، وهي بالطبع ليست كائناً شيطانياً، وتسمّى في الأصل "الطائر الأم" واستوحى صاحبها الصورة، ذات العيون الجاحظة والابتسامة المخيفة، من أفلام الرعب، بهدف إخافة الناس، علما أنها في الأصل لتمثال عارٍ لامرأة نصفها السفلي طائر.

لكن ذلك لا ينفي أن الفيديو يثير بالفعل الخوف والقلق، خصوصاً من خلال الصوت والمؤثرات الصوتية المستخدمة، والشرح المفصّل لخطوات إلحاق الأذى بالنفس، لكن في واقع الأمر الضحية هنا ليست الأطفال، بل أهاليهم.

إن "مومو" هي تجسيد لخوف كان موجوداً لدى الأباء والأمهات منذ بداية الطفرة الرقمية التي جعلت من الانترنت المساحة المفضلة للأطفال والشبان، أي خوف الأباء مما يقوم به الأبناء وما يتعرضون له على هذه المنصات. "مومو" فقط أعطت هذا الخوف إسماً ووجهاً.

ونظراً لصعوبة التحكم بالمحتوى المنشور على الانترنت، كلما قامت إدارة "يوتيوب" بحذفه، تقوم قناة جديدة بإعادة تحميله. كما قام المئات من صناع المحتوى على "يوتيوب" بتحميل حلقات تناولوا فيها هذه الظاهرة للحديث عنها ومناقشتها، كونها جذبت كما هائلاً من الاهتمام حول العالم، وبالتالي فإن أي فيديو يتحدث عنها سيحقق ملايين المشاهدات، ما يجذب الإعلانات الى القناة ويحقق لها الربح المادي، وهو ما دفع إدارة "يوتيوب" الى منع تدفق الاعلانات وعائداتها الى الفيديوهات المتعلقة بـ"مومو"، في محاولة لمكافحة هذه الظاهرة التي تحولت الى خدعة لتحقيق الربح المادي عبر نشر الخوف والقلق. كما أعلن مبتكر "مومو المرعبة" القضاء على الدمية التي كانت مصدراً لانتشار تحد يشجع الأطفال على الانتحار أو يهددهم بالقتل عبر التصيّد الإلكتروني لهم، قائلا إنه "لا داع للخوف الآن".

وإذا كان هناك من أمر إيجابي يمكن إستخلاصه من هذه الظاهرة، فهو التوعية ولفت النظر الى ضرورة مراقبة المحتوى الذي يشاهده الأطفال على الانترنت من جهة، وضرورة التأكد من المعلومات قبل تناولها من جهة من أخرى. فنشر الإشاعات على مواقع التواصل الإجتماعي ليس بجديد، وعادة ما تكون ذات طابع غير مؤذي، كتناقل تسجيلات عن عاصفة قوية مرتقبة أو عن قيام إحدى الشركات بتوزيع جوائز شرط تسجيل الإعجاب أو النشر، ونشطت في إحدى الفترات الإشاعات المحذرة من تهديدات أمنية أو تفجيرات وغيرها.

لا يوجد تفسير للدافع وراء قيام البعض بكتابة هذه الأخبار وتلفيقها، لكن من يقوم بالنشر عادة ما يفعل ذلك عن نية حسنة لنشر الوعي وتحذير الأهل والأصدقاء، من دون علمه أن ما يقوم بنشره هو ملفق. إلا أن هذه الممارسات تفتح الباب للمخادعين لتكثيف ممارساتهم، وتعرّض الأطفال لمفاهيم عنيفة ربما ما كانوا ليتعرضوا لها لولا نشر الخبر الملفق.

هل هذا يعني أن الانترنت بيئة سليمة بشكل كامل للأطفال؟ بالطبع لا، وحتى مع وجود تطبيقات تضع قيوداً على المحتوى الذي يظهر على الانترنت لجعله أكثر أماناً لاستخدامه من قبل الأطفال، دائماً ما يجد المحتوى المؤذي طريقاً للتلاعب على هذه البرامج.

مؤخراً كشفت إدارة "يوتيوب" أن هناك شبكة تقوم بكتابة تعليقات على فيديوهات الأطفال واستدراجهم لتبادل الأرقام والصور، وأنها حظرت تعليقات من "عشرات ملايين" الفيديوهات ذات الطابع "الافتراسي"، أي التي تظهر سلوكاً متكرراً من ترك التعليقات نفسها على النوع نفسه من الفيديوهات، وخاصة المتعلقة بالأطفال.


ما الذي يمكن فعله؟

مراقبة المحتوى الذي يشاهده الأطفال على الانترنت بشكل دائم وإغلاق خاصية التعليقات، تحميل تطبيق "Youtube Kids" المخصص للأطفال بدل التطبيق العادي، والطلب من موزع الإنترنت حظر المواقع التي لا تتناسب مع الأطفال، والحديث بشكل دائم مع الأبناء بهدف التوعية وفهم سلوكيات استخدامهم للانترنت مع الحرص على الظهور بموقع المهتم بفتح حديث وليس الأب الغاضب الذي يريد فرض العقاب.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.