اتحاد بلديات الضنّية: التنمية قائمة على المحاصصة والولاء السياسي

سعدية لـ"الرقيب": نحن خارج إنماء الدولة!

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أصبح مسيّساً على الطريقة اللبنانية

عبد الكافي الصمد /

منذ تأسيسه رسمياً في 11 كانون أول العام 2004 بمرسوم أصدرته حكومة الرئيس عمر كرامي حمل الرقم 13730، قطع إتحاد بلديات الضنية أشواطاً هامة في مسيرة التنمية في الضنية، رافعاً شعار "من أجل ضنية أفضل"، متسلحاً برغبة كبيرة في إحداث نقلة نوعية إنمائية في منطقة كانت تفتقر لكل شيء تقريباً، وكانت منسية ومهملة من قبل الحكومات المتعاقبة منذ الإستقلال، وما تزال.

بإيمان وصبر وتفان إلى أبعد الحدود، وإيمان بقدرات محلية كبيرة تحتاج فقط إلى من يتبناها ويطلق العنان لها، إنطلق عمل إتحاد بلديات الضنية من تحت الصفر، متجاوزاً العراقيل التي اعترضته على كل الصعد، خصوصاً السّياسية منها التي أبقت مرسوم تأسيس الإتحاد حبيس الأدراج لمدّة خمس سنوات تقريباً، منذ 14 آب 1999، عندما جرى تقديم طلب للموافقة على تأسيس الإتحاد إلى وزير الداخلية والبلديات، حيث استمر طيلة هذه الفترة يعمل تحت إطار غير رسمي هو "تجمع بلديات الضنية".

خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة، منذ التأسيس وصولاً إلى اليوم، حقق إتحاد بلديات الضنية إنجازات لافتة على الصعيد التنموي، جعلته مرجعاً أساسياً في المنطقة على هذا الصعيد، لأن ما حققه خلال سنوات عجزت عنه الدولة والحكومات المتعاقبة طيلة عقود، برغم الإمكانات المالية المحدودة التي توافرت له.

واللافت أن مسيرة التنمية هذه، من مشاريع وإنجازات، حقق إتحاد بلديات الضنية معظمها بتمويل خارجي، من جهات ومنظمات دولية مانحة بعد اتصالات وعلاقات شخصية نسجها رئيس الإتحاد محمد سعدية مع هذه الجهات، ما أرسى دعائم التنمية في الضنية.

ما أنجزه إتحاد بلديات الضنية خلال هذه الفترة الزمنية من مشاريع يعدّ أمراً لافتاً، ويمكن بإيجاز الإشارة إلى هذه المشاريع:

أولاً: مبنى الإتحاد في بلدة بخعون المكوّن من أربع طبقات فوق الأرض وطابقين تحتها، إضافة إلى قاعة مسرح كبيرة تتسع لنحو 500 شخص يقوم "إتحاد بلديات العالم التركي" بتنفيذها بشكل مباشر، إضافة إلى قاعات محاضرات في الطابق الأول سيقوم بتنفيذها إتحاد بلديات مرمرة. وهو مبنى يتسم بالسعة والرحابة والحداثة، شكلاً ومضموناً، وهو ما يظهر بوضوح في غرفه وقاعاته الواسعة والأنيقة والبسيطة في آن معاً، وفي تجهيزاته المواكبة للعصر، وفي استضافته لنشاطات مختلفة، ويتوقع بعد الإنتهاء من إنجاز مرافقه المختلفة، كالقاعات والمسرح وسواهما، أن يصبح محور النشاطات المختلفة في الضنية.

ثانياً: الدراسة الإستراتيجية لتنمية منطقة الضنية التي موّلها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهي من أهم الخطوات التي قام بها الإتحاد وتعتبر المدخل الرئيسي لإطلاق ورش الإنماء في الضنيّة بما أنها ارتكزت على الطريقة العلميّة والمنهجيّة الحديثة من خلال تحديد الإحتياجات التنمويّة واقتراح الحلول لها، وتعتبر هذا الدراسة جواز عبور للجهات المانحة.

ثالثاً: مشروع الشفافية المطلقة والمشاركة الفعلية مع المجتمع المدني الذي رعاه وزير الداخلية والبلديات. وهو مشروع يهدف إلى رفع مستوى الوعي لدى المواطنين بمجال حقوقهم وواجباتهم، وتحفيزهم على المساءلة وكسب ثقة المانحين وتشجيع الحكم الصالح على المستوى المحلي، وإشراك جميع أبناء المنطقة بعملية الإنماء، وخصوصاً أولئك الإختصاصيين الذين تزخر فيهم المنطقة في مختلف العلوم، ووضع الإتحاد بتصرفهم الدراسات الإستراتيجية لإنماء الضنية على مواقع التواصل الإجتماعي وعلى شبكة الإنترنت، كي يتمكنوا من البناء عليها. وقد استحصل الإتحاد على شهادة الدرجة الأولى للشفافية في لبنان من الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية، لريادته في تطبيق مبادئ الشفافية في أعماله، وتعاونه البنّاء مع الجمعية اللبنانية لتعزيز الشفافية "لا فساد" في هذا المجال.

وفي هذا المجال، كان الإتحاد جريئاً بوضع جميع حساباته ومشاريعه ومصاريفه ومداخيله وقراراته على موقعه الإلكتروني على شبكة الإنترنت، إضافة إلى وضعه الروزنامة الخاصة بنشاطات رئيس الإتحاد على الموقع. وللمرة الأولى أيضاً تعرض جلسات الإتحاد مباشرة على شبكة الإنترنت، وهذه الجلسات مسجلة ويمكن العودة إليها ومشاهدتها للإطلاع على المناقشات التي تحصل فيها. ويعتبر الموقع الإلكتروني للإتحاد مميزاً، فهو يحتوي معظم الدراسات اللازمة للمنطقة، ويمكن الإعتماد عليه.

رابعاً: الإهتمام بالجانب البيئي لجهة إنشاء محمية غابة اللزاب في الضنيّة بتمويل من مكتب التعاون الألماني وإتمام مشروع درب الغابة في الضنيّة. وقد تمّ إقرار وتوقيع مرسوم المحميّة في مجلس الوزراء، لكن المشروع ما زال عالقاً في مجلس النواب. ومشروع حرج السفيرة مع وزارة الزراعة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يسعى إلى وضع خطة إدارة مستدامة في الغابات.

خامساً: مشروع البنى التحتيّة الزراعيّة في جرود الضنيّة ووضع خطة تنمية محلية لمنطقة جرد الضنية بتمويل من قبل الإتحاد الأوروبي، وبناء ملاعب ريّاضيّة ومدارس وقاعات وأقنية ريّ وشبكات صرف صحي ومناطق ترفيهيّة بتمويل من الوكالة الأميركيّة للتنمية الدوليّة، وتمويل مشروع تأمين شبكات المياه في بعض القرى، وتمويل مشروع ثلاث محطات للإنذار المبكر للآفات الزراعية وتقلبات الطقس، في السفيرة وسير ودنحي، ودعم مربي النحل وإنتاج العسل ومنتجي الفحم، ونشاطات تنموية مختلفة.

سادساً: تأهيل وشق وتوسيع طرقات عامة وزراعية، أبرزها طريق السواد التي تربط بين بلدتي السفيرة ومراح السفيرة، وطريق الدل ـ العرقوب التي يستفيد منها أهالي جرد الضنية كافة، وطريق بخعون ـ حرف سياد. واستنفار الإتحاد آلياته وورشه عندما تحصل إنهيارات وتساقط ثلوج يؤدي إلى قطع الطرقات الجبلية، فيجري العمل على إعادة فتحها سريعاً.

سابعاً: دعم المؤسسات والمعاهد والمدارس التربوية، وإقامة دورات تقوية لطلاب الشهادات الرسمية بشكل دوري، ودورات لتعليم اللغات الأجنبية بالتعاون مع المراكز الثقافية الأجنبية المعنية، ودعم النشاطات الصحية والخيرية والتطوعية.

ثامناً: وصل مناطق الضنية ببعضها عبر طرقات فرعية أبرزها طريق كفرشلان ـ عزقي، وكفرشلان ـ عيون السمك، وديرنبوح ـ إيزال، وبقرصونا ـ الجرد ونمرين ـ عين التينة.

رئيس الاتحاد محمد سعدية: اتحاد بلديات الضنية.. إرادة للتنمية في منطقة منسيّة

هذه الإنجازات جعلت رئيس الإتحاد محمد سعدية ينوّه بتضامن مميز من قبل رؤساء البلديات، متمنياً "تعاون السياسيين معنا لإنماء المنطقة، لأن هدفنا الذي رفعناه في الإتحاد هو من أجل ضنية أفضل، وكنت أتمنى أن يكون عندهم نفس الشعار، من أجل تحقيق مزيد من مشاريع التنمية في المنطقة".

وأوضح أنه "برغم الإيرادات المحدودة جداً التي نتلقاها من الدولة، إستطعنا عبر علاقاتنا الخاصة مع المجتمع الدولي تحقيق تمويل بعض المشاريع الملحوظة في المنطقة"، معتبراً أنه "في كل المناطق يوجد سياسيون يختلفون في توجهاتهم، لكنهم في النهاية يعملون لمناطقهم، وأتمنى أن يحصل ذلك عندنا".

ولفت سعدية إلى أن "رحلة الألف ميل في مسيرة التنمية بالضنية ما زلنا في أولها، وربما لو كنا في منطقة أخرى لكان التعاون أكبر وتوافرت إمكانيات أكثر، ولكننا قطعنا مراحل طويلة تقاس بمئات الخطوات"، متوقفاً عند مناطق أخرى (بشري مثلاً) قطعت مسافات هامة بمسيرة التنمية، نتيجة الأموال التي صرفت على مشاريع فيها من مجلس الإنماء والإعمار والهيئة العليا للإغاثة وصناديق التنمية، وهي أموال لو وضع نصفها في الضنية على مشاريع البنى التحتية لكنا قطعنا شوطاً بعيداً في التنمية".

وأسف سعدية لكون الضنية "ما تزال المنطقة الوحيدة في لبنان التي ليست ملحوظة بعد على خريطة الإنماء وخريطة مشاريع البنى التحتية، برغم أننا وجهنا منذ عقدين كتباً إلى الوزارات المعنية تتعلق بمشاريع البنى التحتية، على أن تمول من بروتوكول وقعه لبنان مع إيطاليا، لكن ما نزال حتى اليوم نراوح مكاننا، ويجري تأجيل وتدوير مشاريعنا، مثل محطة تكرير الصرف الصحي في بخعون، التي لم تر النور بعد برغم وجود تمويل لها".

وإذا أشار سعدية إلى أن "التمويل الخارجي للمشاريع في الضنية حققناه نتيجة علاقات شخصية مع الجهات المانحة"، فإنه توقف عند مشاريع ممولة خارجياً، مثل مستشفى الضنية الحكومي وسد بريصا، "حيث تأتي الأموال وتصرف على مشاريع لا نعرف كيف تنفذ، وكنا نتمنى أن تنفذ الجهات المانحة مشاريعها عندنا بنسبة مقبولة من الجودة كما نفذت مشاريع في مناطق أخرى".

وأوضح سعدية أنه "نحن في الإتحاد لا نتعاطى مباشرة مع الأموال التي نحصل عليها كمنح وهبات، لأن المشاريع تنفذ مباشرة من الجهات المانحة أو عبر مؤسسات معينة برقابة دولية، ما جعلنا موضع ثقة الجهات المانحة، لأن الأموال التي تصلنا تصرف في مكانها المقرر لها"، ما جعله ينتقد "عدم وجود خطة إنمائية للبلد بشكل عام، برغم أنه يوجد علينا دين بنحو 86 مليار دولار، وهو مبلغ يكفي ربعه لإنجاز بنى تحتية كاملة وشاملة في كل لبنان، فكيف الحال إذا كان علينا هذا المبلغ من الديون وليس عندنا بنى تحتية، ما جعل صيتنا في الخارج سيئاً، وهو يدفعنا لرفع الصوت في وجه حالات الفقر والبؤس وتردي الخدمات التي يجب تأمينها بالحد الأدنى للمواطنين".

ولفت إلى أن الإتحاد "حريص على تطوير النهج التشاركي وترك المجال أمام المواطنين من أجل المشاركة في إنماء المنطقة، وتقديم أفكارهم ومشاريعهم للإتحاد لدراستها، وفي حال تمت الموافقة على أحد هذه المشاريع فإن صاحب المشروع يترأس شخصياً جميع الجلسات المتعلقة بمشروعه، وهي فكرة طرحناها تحت شعار "قدّم مشروعك وكنّ أنت الرئيس"، إضافة إلى تعاوننا مع الجمعيات الأهلية والمدنية الناشطة في الضنية التي أصبحت شريكاً لنا في عملية التنمية، وكذلك دعم نشاطات تمكين المرأة وحماية الأطفال".

وأضاف: "نقوم أيضاً بتعميم أهداف التنمية المستدامة التي أقرتها الأمم المتحدة، ضمن خطة مستمرة حتى عام 2030، من خلال طبع منشورات خاصة بها على جميع المعاهد والمدارس والثانويات، والحرص على تعليم الطلاب من أجل تحقيق أهداف التنمية المستدامة، والمساواة بين الجنسين".

ومع ذلك، فإن سعدية يؤكد أن الضنية "منطقة مهمشة إلى أبعد الحدود"، لكنه أكد أن "هدفنا برغم كل ذلك هو أن نعمل بإرادة قوية من أجل منطقة منسية"، وتساءل: "ماذا صرف مجلس الإنماء والإعمار في الضنية؟ نحن خارج إنماء الدولة وخارج مشاريع مجلس الإنماء والإعمار الذي أقر منذ 3 سنوات، مثلاً، حفر بئر مياه شرب لبلدة ديرنبوح، التي تعاني العطش، وأقر ونشر في الجريدة الرسمية، وحتى الآن لم يباشر به، برغم أنه في مناطق أخرى نفذ سدوداً ومشاريع بملايين الدولارات. من يعاقبون.. أنا أم سكان البلدة أم أهالي الضنية؟"، مضيفاً: "قدمنا طلبات لمجلس الإنماء والإعمار للحصول على مساعدات ضرورية للضنية، فلم يرد علينا. في طرابلس مثلاً رصدوا مبلغ 23 مليون دولار للمسلخ، لكنه لزم بـ12 مليون دولار فقط، قلنا لهم أعطونا بقية المبلغ لتنفيذ مشاريع تنموية هامة في المنطقة ولم يردوا علينا، لأننا لا نعرف من يقرر الأمور في المجلس".

ملاحظات سعدية إمتدت أيضاً إلى المنظمات الدولية التي تعمل في لبنان، فسأل: "هل أحد يعرف كيف تعمل وكيف تصرف الأموال؟ لا أحد يعرف أن 70 % من هذه الأموال تذهب هدراً. برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، الذي كنا نعتبره صمام أمان كونه تابعاً للأمم المتحدة، بدلاً من أن يعمل لإنماء متوازن للمناطق اللبنانية ويساعد المناطق الفقيرة، أصبح مسيساً على الطريقة اللبنانية، ولا يعمل إلا وفقاً لمعايير معينة، ولما راجعتهم مؤخراً قالوا إنهم لم يعودوا يشتغلون مع إتحادات البلديات، لكن فوجئت أنهم يشتغلون مع إتحادات بلديات أخرى وينفذون مشاريع بملايين الدولارات. لما فعلوا ذلك معنا؟ وهل طلب أحد منهم ذلك؟ هذا الموضوع لن نسكت عنه، وسنثيره على أرفع المستويات، لأنهم يعملون بمعايير غير صحيحة. لكن في المقابل هناك المنظمات التي تعمل بإشراف الدول، فإننا نحترمها ونقدر عملها، مثل إتحاد بلديات هولندا ووكالة التنمية الفرنسية وغيرهما".

وختم: "بدأنا إجراءات توأمة بين إتحاد بلديات الضنية ومنظمات وبلديات أوروبية، وإن شاء الله قريباً سنلمس آثاراً إيجابية في الضنية لهذا التعاون"، مطالباً في هذا السياق "بإقرار إتحاد بلديات لبنان، لأنه إذا بدأت الدولة تفكر في إنماء متوازن عليها أن تقر إنشاء هذا الإتحاد، كي تكون هناك خطة واضحة أمام الممولين والمانحين، لا العمل عشوائياً على الطريقة اللبنانية، القائمة على المحاصصة والولاء السياسي، بينما نحن نعمل من أجل الإنسان مهما كان لونه وجنسه وانتماؤه".


رئيس اتحاد بلديات الضنية محمد سعدية يشغل أيضاً مراكز رئيس مشارك لمنظمة المدن الأورو ـ متوسطية للتراث، ورئيس مشارك في منظمة المدن المتحدة والإدارات المتحدة فرع الشرق الأوسط وغرب آسيا، وعضو في الجمعية الدولية لرؤساء البلديات العواصم الناطقة كلياً أو جزئياً بالفرنسية، وهو أستاذ محاضر في أهداف التنمية المستدامة وطريقة تعميمها على المدن والمناطق وغيرها.

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.