الثروة المائية: "النهرية" نصفها مهدور.. و"الجوفية" تهدّدها الآبار

بسام ضو (*)

هناك خطر يُداهمنا في كل دول المتوسط وما يُحيط بنا، بالنسبة للثروة المائية. وتشهد جغرافية تساقط الأمطار في منطقتنا تغيُّرًا بفعل التنظيم البيئي العشوائي… وبالفعل نحن أمام ندرة المياه التي ستُهدِّدْ كل المتوسط وما يُحيط به.

علميًا، ووفق رأي الباحثين، إنّ انخفاض معدلات سقوط الأمطار وارتفاع معدلات التبخُّر، وتكرار الجفاف، إلى إنخفاض القدرة على الإعتماد على الموارد المائية وتوفرها، سيؤدي إلى كارثة. وهذا الأمر في لبنان للأسف غير متوّفر لناحية الإنتباه إلى الجفاف المناخي، ولقلّة الأمطار، ممّا يزيد الأمور تعقيدًا. كما تلحظ العديد من الدراسات مشكلة النمّو السكاني السريع، والجفاف الحاصل يُرتِّبْ عليه تناقصاً حاداً في نصيب الأفراد من موارد المياه المتجددة.

وفقًا لدراسة أعدّها أكثر من خبير في الشؤون المائية، أكدّت أن منطقة الشرق الأوسط تعاني من نقص حاد في المياه. وعلى الرغم من تنوّع تضاريس أراضي ومناخ كل منطقة الشرق الأوسط، ليس بوسع معظم هذه البلدان تأمين الحاجة للمياه، والدراسة تؤشر إلى أنّ الشرق الأوسط يُواجه أزمات مياه حقيقية بكل ما تعنيه هذه الكلمة، ومن المرّجح أنْ يزداد هذا الوضع سوءًا، ممّا ستكون له عواقب خطيرة تؤدي إلى تفاقم الضغوط الحالية على مكامن المياه الجوفية وأنظمة المياه الطبيعية في منطقة الشرق الأوسط.

في لبنان، ومن خلال دراسة اطلعنا عليها، تبيّن ما يلي: "مرّت سياسات المياه بثلاث مراحل، سواء كانت تلك المراحل ظاهرة أم ضمنية: المرحلة الأولى تطوّرت سابقًا، والمجتمع اللبناني في حينه تكيَّف وتأقلم مع تقلبات وشحّ المياه، وقام الشعب اللبناني بتطوير إحتياجاته على جانب من الإتقان ووفق الأُطُرْ الممكنة… أما المرحلة الثانية، ومع التزايد السُكاني في لبنان، حاولت الحكومات اللبنانية بخُطَطْ متواضعة تأمين الإمدادات من المياه وتوسيع نطاق الخدمات. المرحلة الثالثة، وهي اليوم، حيث بدأت الإدارات المعنية بإدارة المياه إستخدام أدوات إقتصادية في تحديد المخصصات من المياه، كتركيب العدادات في بعض المناطق…

علميًا تشكل الموارد المائية شريان الحياة، وبدونها لا يمكن أن توجد حياة، سواء أكان للإنسان أو النبات أو الحيوان، وإستمرار التقدّم في المجتمعات يعني تلقائيًا زيادة الطلب على المياه. وقد أدّت الموارد المائية دورًا كبيرًا في توجيه مسيرة الحياة البشرية وتوزيع السكان، وقد كانت سبباً في المنازعات بين الدول، لا سيّما الدول المتشاركة بأنهارها… إنّ الأمر وفق الأخصائيين يتطلّب وضع إستراتيجية تكفل حُسْن إدارة الموارد المائية.

جغرافيًا، يُعّد لبنان من البلدان "شبه الغنية" بالثروة المائية، ويرتكز الباحثون في دراساتهم على: لبنان يحتوي على أكثر من 12 نهرًا، ومنها ثلاثة أنهر عابرة للحدود. وفعليًا يمتلك لبنان، وعلى ذمّة الباحثين، أكثر من 2000 نبع. وتؤشر الدراسات إلى أنّ المتساقطات السنوية تُقارب الألف متر مكعّب. وتخلُص هذه الدراسات إلى ما حرفيته "بالرغم من الحجم الكبير للثروة المائية، الواقع يشير إلى أنّ لبنان من الدول الفقيرة بالمياه…". وكما نعلم، فإنّ المواطن للأسف يعيش أكبر مأساة للحصول على المياه: مياه الشرب ـ الإستخدام المنزلي ـ الاستخدام الزراعي… وفي كل الفصول يضطّر المواطن اللبناني إلى شراء المياه وبأسعار مرتفعة.

وتؤشر الدراسات إلى أنّ لبنان يمتلك ـ نوعًا ما ـ كميات هائلة من المياه العذبة الجوفية، ولكن غياب المشاريع والتخطيط التي تهدف إلى الإستفادة من هذه الثروة، يحول دون استخدامها بالطرق العلمية السليمة، وعلينا كباحثين مراجعة التقارير التي يُصدرها البنك الدولي والتي تُشير إلى خطورة الأمر، ولكن ما في اليد حيلة… قرأت تقريراً صادراً عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو"، حيث يشير إلى ما حرفيته "إنّ أنهار العاصي والليطاني والحاصباني، هي من الأنهار الأكثر تدفقًا للمياه، وتساهم بنحو 45% من كمية المياه المتجددة سنويًا، والكمية المتجددة تقدّر بنحو 4.1 مليار متر مكعب، منها 1.6 متر مكعب مستخرجة من الآبار الخاصة والسدود، ويمكن لبنان في حال المضيّ في تنفيذ مشاريع السدود توفير كميات كبيرة من المياه وإستغلالها". الأمر ليس بغاية الأهمية عند المسؤولين اللبنانيين، إذ هناك العديد من الشكاوى على السدود، ونذكر منها سدّي بسري وبلعا…

كما أوّد لفت النظر إلى ما ورد في الدراسة الخاصة التي نشرها البنك الدولي "إنّ لبنان يمتلك ما يُقارب 2.3 مليار متر مكعب من المياه القابلة للاستثمار اقتصادياً، يذهب منها نحو 1.1 مليار متر مكعب هدرًا إلى البحر دون التمكّن من استخدامها بالشكل السليم، ويبقى 1.2 مليار متر مكعب لسد حاجات السكان، ونحو 100 مليون متر مكعب للقطاع الصناعي". ودائمًا أرتكز إلى الدراسات التي صدرت عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لصالح وزارة الطاقة اللبنانية دحضًا للأكاذيب، حيث تقول الدراسة "يسود منطق الفوضى في إدارة ملف المياه، إن لناحية السدود أو لناحية التراخيص الممنوحة لحفر الآبار. وإنّ إجمالي عدد الآبار الخاصة المرخصة لعام 2012 وصل إلى ما يُقارب 20.537 بئرًا، فيما وصل عدد الآبار غير المرخصة لأكثر من 60 ألف بئر… وهذا أمر مستهجن ومستنكر في توزيع التراخيص، لأنها تساهم في إستنزاف الثروة المائية الباطنية".

عسى أنْ يأتينا من يُؤتمن على الثروة المائية، ومتخصصين في الشؤون الجيولوجية والهيدروجيولوجية، كي تصبح القرارات علمية، وصادقة، وقابلة للتطبيق.


(*) كاتب وباحث سياسي

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.