فلسطين.. الجرح النازف: "سنرجع يوماً"

الدكتور فادي سعيد دقناش (*)

لا يختلف اثنان في أنَّ تقسيم الإمبراطورية العثمانية على "مائدة" الدول الاستعمارية، نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، قد شكَّل "صدمة جرحية" لمكوناتها المجتمعية (مجموعاتها الإثنية والثقافية) على امتداد أراضيها ومقاطعاتها؛ فالسلطنة التي قُطّعت أوصالها وأصبحت "رجلاً مريضاً"، ألزمت العديد من "رعاياها" المنتشرين ضمن أراضيها على الانتقال القسري من "ولاية" إلى أخرى بحثاً عن الأمن والاستقرار، وحقناً للدماء بين أبناء الأرض الواحدة. وقد حاول المُستعمِر اللعب على وترِ التناقضات الاجتماعية والتعددية الثقافية لمجتمعات هذه الإمبراطورية الشاسعة، من خلال استحضاره للدين كوقود لهذه الحرب، فاكتملت حينها أركان "المؤامرة"، بانتظار الانقضاض والاستيلاء ونهش ما تيسَّر من أراضٍ تابعة لها تحت شعار "فرق تسد".

ويروي، في هذا السياق، علي بكراكي، في روايته الرائعة ـ الواقعية – "المهاجر"، قصة أجداده الذين هُجّروا قسراً من أرضهم "جزيرة كريت"، وعن حُسن استقبالهم في "بلاد الشام" – بناء لأوامر السلطان عبد الحميد – واحتضانهم من قبل أهلها، ومنحهم أرضاً ليستقروا بها (طرطوس ـ الحميدية) مؤقتاً ريثما تنتهي الحرب ويعود "المهاجرون" إلى أرضهم، ولكن… الإمبراطورية المترامية الأطراف انتهت.. مات السلطان.. ومات حلم العودة السريعة.. ومات جد "علي" وأباه "إبراهيم" من دون أن تطأ أرجلهم الأرض التي طالما حلموا بالعودة إليها.. تلك الأرض المجبولة بعرق وتضحيات أهلها خلال قرون مضت، ذهبت أدراج الرياح في لحظات.. لكنَّ الحلم والحنين بالعودة إلى أرض الجنان "أرض جزيرة كريت" لم يفتر يوماً، بل بقي مخزوناً في الذاكرة الجماعية تتوارثه الأجيال من جيل إلى جيل، إلى أن قرَّر يوماً هذا الحفيد "علي" زيارة أرضه – أرض أجداده – لكنَّه وجد أرضاً غير الأرض التي حُدّث عنها، وغير الناس الذين كانوا فيها.

هناك أمثلة كثيرة عن الظلم الكبير الذي لحق في تلك الحقبة العصيبة بعدد من المجموعات الإثنية، منها "الأرمن" داخل الإمبرطورية العثمانية لأسباب لا مجال لسردها هنا، حيث هُجّروا بدورهم من أرضهم إلى أمكنة أخرى، ولا تزال ذاكرتهم الجماعية تختزن أهوال الحروب و"المجازر" التي ارتكبت بحق أجدادهم…

للأسف إنها الحرب.. حرب "الإنسان" ضد أخيه "الإنسان".. حرب لا تعرف ديناً أو أخاً أو جاراً أو صديقاً.. حرب يتلبّسها شيطان الطمع والجشع والأنانية والحقد بهدف الاستحواذ والسيطرة… أوليس قابيل مَن قتل أخيه هابيل منذ فجر البشرية؟!

وبانتقالنا لمرحلة تاريخية أكثر حداثة، نجد أنَّ هذا الجرح النازف استمر مع تقسيم منطقتنا العربية في ما عُرِف باتفاقية سايكس ـ بيكو وما تلاها من وعد مشؤوم لـ"بلفور" الذي قضى بجعل فلسطين "أرضاً قومية لليهود"، انطلاقاً من رؤية عنصرية ضيقة، فكانت "الصدمة الجرحية" الثانية، التي لا نزال نعاني من تبعاتها حتى اليوم، رغم مرور قرن من الزمن عليها… إنَّها فلسطين المطبوعة في قلوب أصحابها والمدموغة في عقولهم… إنَّها الجرح النازف لكل إنسان عربي من المشرق إلى المغرب.. لكل إنسان شريف على وجه المعمورة.. ولكل مؤمن بحقوق الإنسان.

إنَّ ما يفعله العدو الصهيوني الغاصب، من تدنيس للأرض وتهويدها، وتهجير أهلها وإرهابهم، مناقض لأدنى حق من حقوق الإنسان. وما يجري أيضاً من عمليات قضم للأراضي الفلسطينية واغتصابها وإنشاء ما سمي بـ"المستوطنات الإسرائيلية"، هي جريمة حرب، وعملية غير قانونية، وغير أخلاقية، وغير إنسانية، لأنَّ لها أثراً مدمّراً على مجموعة واسعة من الحقوق الإنسانية للشعب الفلسطيني المشرد في أنحاء المعمورة، الحالم بالعودة إلى أرضه يوماً ما، على أمل أن لا يصبح هذا الحلم مستحيلاً كحلم "علي" وأجداه.

وما لفتني في هذا الإطار، رسالة وردتني على بريدي الإلكتروني منذ أيام، مصدرها إحدى المنظمات الدولية غير الحكومية، التي تُعنى بالدفاع عن حقوق الإنسان، تدعوني فيها لاستنكار إقدام أحد المواقع الإلكترونية العالمية بالترويج للسياحة داخل المستوطنات الإسرائيلية بما يُكسبها صفة "الشرعية"، وتحثّني أيضاً على ضرورة الضغط المعنوي على مالك الشركة ـ الموقع – لسحب ما  يروج له. هنا اختلطت بداخلي مشاعر الأسى والغضب والعجز حول الواقع الذي وصلنا إليه، وسألت نفسي أسئلة لم أجد لها أجوبة:

مَن أنا لأغير الوجهة الاستراتيجية للعقل الصهيوني؟ وهل يكفي استنكاري لأضغط وأعبر عن رفضي ونقمتي لهذا الواقع، في عالم اختلطت فيه الأوراق وأصبحت القيمة الأساس بتكديس المال وتجميعه في يد قلة قليلة من البشر المتحكمة والمستحكمة بمصائر الشعوب!؟ أليست أموال النفط وملياراتها مودعة في مصارف الغرب؟ أليست أسلحتهم المُنتجة في مصانعهم سِلعاً تباع لنا بمبالغ خيالية لنقيم الحروب في ساحاتنا ضد بعضنا البعض؟!

ولكن مهلاً! أوليس الغرب هو الداعم الأساس لهذا الكيان؟ أوليست شركاته الكبرى المستحكمة والمستوطنة في كل ركن وزاوية في منزلي، من أكبر سلعة إلى أصغرها، هي الداعم المعنوي بطريقة غير مباشرة لهذا الكيان؟!

بين مطبّع علني ومطبّع خفي، وبين راغب بالتطبيع أو رافض له، ضاعت البوصلة وتاهت القضية… لكنني على يقين بأنَّه لن يضيع حق ورائه مطالب… لن يضيع حق موجود في ذاكرة الأجيال مهما طال أمده، ففلسطين موجودة في ذاكرة كل إنسان شريف، مطبوعة ومحفورة في القلب والوجدان.

"سنرجع يوماً" هكذا قالها لي والدي بصدق وإيمان… "سنرجع يوماً" لأنَّ الحنين إليك يا قدس يكبر ويتعاظم يوماً بعد يوم… "سنرجع يوماً" لأنَّ الحنين إليك يقتلنا في اليوم عدد نبضات قلوبنا، ذلك الحنين – كما يقول درويش – حَفَرَ "ندبة في القلب… فلا أحد يحنّ إلى وجع أو كابوس بل يحن إلى ما قبله"، إنَّه يحن إلى عروس الأرض.. فلسطين.


(*) باحث في علم اجتماع المعرفة والثقافة

(شارك هذا المقال)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.